سوريا - ثقافة
«حكايات الوطن والمهجر».. ميخائيل سعد يوثّق ذاكرة السوريين بين السجن والمنفى
كتاب «حكايات الوطن والمهجر» لميخائيل سعد.. سيرة سورية بين الوطن واللجوء والذاكرة
س
سمر شمه
نشر في: ٣٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٥:٥٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يُعتبر موضوع الوطن والمهجر من أغزر وأعمق ما تناوله الأدب العربي الحديث والمعاصر في الرواية والشعر والدراسات، وتصدره الكتّاب السوريون في العقود الأخيرة بعد التغريبة السورية التي بدأت منذ استيلاء الأسد الأب على الحكم في انقلابه العسكري، ثم تصاعدت كماً ونوعاً بعد عمليات التهجير القسري واللجوء الكبرى والمأساة الإنسانية التي تعرض لها الشعب السوري بعد اندلاع الثورة السورية عام 2011.
"حكايات الوطن والمهجر"
يُعتبر كتاب "حكايات الوطن والمهجر". سيرة ذاتية من بحر عذابات السوريين للكاتب والصحفي (ميخائيل سعد) من المؤلفات الهامة بهذا المجال، وثّق لذاكرة جماعية وفردية تمتد بين سوريا وكندا وعموم المشرق، وعكس تجربة المؤلف الذي عاش الشأن العام والثقافي السوري، وتوزعت سنوات حياته بين وطنه والشتات.
يُعتبر كتاب "حكايات الوطن والمهجر". سيرة ذاتية من بحر عذابات السوريين للكاتب والصحفي (ميخائيل سعد) من المؤلفات الهامة بهذا المجال، وثّق لذاكرة جماعية وفردية تمتد بين سوريا وكندا وعموم المشرق، وعكس تجربة المؤلف الذي عاش الشأن العام والثقافي السوري، وتوزعت سنوات حياته بين وطنه والشتات.
وهو سيرة ذاتية جمع مقالات متنوعة في مراحل تاريخية مختلفة من عذابات السوريين، ومذكرات وتأملات شخصية للكاتب رصدت التحولات الاجتماعية والسياسية في سوريا، وتجربة الاغتراب واللجوء إلى كندا عام 1989، وجسدت صورة وطن معجون بالألم والصبر والانتهاكات.
كتبها (ميخائيل سعد) بذاكرة طفل وشاب وطالب جامعي ومعتقل سياسي ومعلم وناشر وثوري عتيق "لا يكذب ولا يتجمّل، لأنه يؤمن مثل أي كاتب أصيل وشجاع أن الجمال الحقيقي يكمن في الصدق الخادش للأقنعة. الخادش للزيف" كما قال الكاتب والإعلامي (محمد منصور) في مقدمته لهذا الكتاب.
صور من ذاكرة الوطن
توّزع على أربعة فصول رئيسية، ضمت تأملات ووقائع وقصصاً عاشها مؤلفه في تجربة غنية بدمشق وبيروت والمهجر. وقد تحدث في بابه الأول حول قريته "حزور" التابعة لمصياف وأوضاع الفلاحين فيها، وعن فترة الخمسينات والوحدة والاستبداد والتنازل الطوعي عن الحقوق، مستحضراً مجازر حماه بالثمانينات وتعرضه للضغوط الأمنية: "جاءت إلى القرية سيارة جيب فيها ثلاثة رجال.
أخذوني إلى حماه. أكلتُ بعض اللكمات قبل أن يتركوني محذرين: إنني في المرة القادمة سأبقى طويلاً عندهم".
صور من ذاكرة مهجر قسرياً
تحت هذا العنوان جاء الفصل الثاني للكتاب، متضمناً تجربة المؤلف الشخصية في الهجرة واللجوء وتداعيات الغربة، وظروف خروجه الاضطراري خارج البلاد بعد تعرضه للاعتقال السياسي المتكرر، إضافة إلى معاناة التأقلم، وصدمة البيئة الجديدة، ومشاعر العزلة والاغتراب، وصراع الهوية والانتماء: "أعرف أن سوريا الأسد قد تفوقت عالمياً في نفي أبنائها وقتلهم وتعذيبهم.
وأن مأساتي لا تُشكل نقطة في بحر عذابات سوريين آخرين. ولكنها تبقى شهادتي رغم تواضعها.
صناعة الطوائف وتسييس الدين
في الفصل الثالث تحدث سعد عن الطائفية التي جرفت السوريين بعيداً عن الوطن، وكيف كان نظام الأسدين يعملان على تغذيتها، وتوظيف الدين لتفريق المجتمع وتحويل أبناء الوطن الواحد إلى كانتونات متناثرة تخدم هذه السلطات الديكتاتورية الشمولية.
ونقد بتهكم هذه السياسات مؤكداً إيمانه بالجوهر الإنساني الأخلاقي والتسامح والتعايش بين أفراد الشعب السوري، رغم سعي النظام البائد إلى تدمير هذه القيم عبر مأسسة الطائفية وتسييس المعتقدات، وقال بأن على الجميع "أن يلتفتوا يميناً ويساراً وإلى السماء والأرض فقد يكتشفون أنه تم التغرير بهم. وجرفهم إلى شواطئ صخرية لسحق عظامهم عليها".
الثورة في الحياة اليومية
وقف ميخائيل سعد مع الثورة السورية التي أثّرت عليه كثيراً: "أنا أحد السوريين الذي حولتني الثورة من أخرس إلى حكواتي"، ورصد في الباب الأخير من هذا الكتاب كيف تحولت الحياة اليومية للمواطن السوري إلى ميدان للمقاومة، ومواجهة عسف النظام القمعي واستباحته للبلاد والعباد، واستعرض بشفافية وصدق كيف يتأقلم السوريون مع مرارة الواقع والفقر، والنزوح ومآسي وجرائم الحرب القاسية.
كما سلط الضوء على مكامن الضعف والقوة في المجتمع، وانتقد المعارضة السورية التي تصدت لتمثيل الثورة مبكراً، من المجلس الوطني السوري إلى الائتلاف وغيره: "بعد كل هذا الخراب علينا العمل على إعادة بناء قيمنا الاجتماعية. التي يُقال فيها للص إنه لص وللشريف إنه شريف".
تحدي العمر والاغتراب
وثّق سعد في كتاباته "الزمن السوري الضائع"، وركز على الإنسان في لحظات ضعفه وقوته. ويُعتبر كتابه "حكايات الوطن والمهجر" عملاً توثيقياً وإنسانياً فريداً مزج بين السيرة الذاتية وشهادة الذاكرة.
كان صادقاً وشفافاً، اعتمد الحكاية وسرد التفاصيل الإنسانية اليومية، لكاتب نجا من السجون ومرارة الغربة، وقرر وهو في عمر السبعين العودة إلى مقاعد الدراسة ليدرس التاريخ في جامعة ماردين التركية، وليتخرج منها في أيار 2024، ويصبح الأول على قسمه ليثبت للعالم أن العمر مجرد رقم يتراجع أمام شغف الحقيقة والمعرفة.


