سوريا - ثقافة
آثار سوريا .. بين دمار الحرب وإعادة التأهيل والتعافي
س
سمر شمه
نشر في: ١٨ يونيو ٢٠٢٦، ١٢:٠٨
3 دقيقة

بادرت الإدارة السورية الجديدة بالتعاون مع المسؤولين عن المتاحف والآثار لحماية المنشآت التاريخية والأثرية من التعرض للسرقة والنهب والتدمير، منذ اللحظات الأولى لسقوط النظام البائد، بعد أن تعرضت هذه الكنوز الحضارية لحرب مدمرة وممنهجة على يد قوات الأسد وحلفائه روسيا وإيران والميليشيات الطائفية بعد انطلاق الثورة السورية.
قائمة حمراء
وقد سارعت المؤسسات الدولية بعد هذا الدمار لإنقاذ تراث سوريا، وأعلن المجلس الدولي للمتاحف عن قائمة حمراء للتراث السوري المسروق والمدمّر والمسجل في سجلات سوريا الأثرية، ضّمت مئات القطع من المجوهرات المصنوعة من الذهب والفضة، وأقراطاً مطعّمة بالأحجار الملونة، وعملات تعود للعصور الرومانية والإسلامية، وقطعاً فخارية من مختلف العصور، وعناصر معمارية وأرضيات من الفسيفساء وأسلحة وتماثيل حجرية وأدوات فخارية، إضافة إلى المواقع الأثرية والتاريخية المتضررة.
تخريب التراث
و تعرضت بعض المدن العتيقة كحلب الشهباء للقصف الجوي والمدفعي والصاروخي خلال الحرب التي شنّها النظام المخلوع على الشعب السوري، وأصاب الدمار الواسع مدينتها القديمة المُدرجة على لائحة التراث العالمي. دُمرت وتضررت الأسواق التاريخية المسقوفة التي تعود للقرون الوسطى بما في ذلك سوق المدينة وخان الوزير، وتعرض الجامع الأموي الكبير لأضرار بالغة طالت مئذنته التاريخية التي انهارت، إلى جانب دمار في جدرانه وقاعاته الداخلية بسبب المعارك والاشتباكات، ولحِق الدمار بأجزاء من أسوار قلعة حلب التاريخية، وبوابتها الرئيسية، وتعرضت كنائس المنطقة والفنادق التراثية لدمار هائل و تحولت إلى ركام، بينما أُصيب متحف حلب الوطني بأضرار كبيرة ودمار كامل لبعض أجزائه. وجاء تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" في وقت نفوذه هناك ليتعامل مع هذه الآثار على أنها أوثان، ثم قام بتدمير الكثير منها، ولم يدافع عنها النظام آنذاك، بل كان شريكاً في تدمير تراث سوريا الحضاري الموغل في القدم، إلى أن جاءت كارثة الزلزال الذي حدث في 6 شباط 2023 لتُحدث أضراراً وخسائر مادية وبشرية فادحة في تلك المنطقة.
إقصاء المجتمع المحلّي
كعادته استغل نظام الأسد المخلوع ملف التراث في حلب بعد سيطرته عليها في كانون الأول 2016، بعد حملة عسكرية واسعة، وحصار خانق للأحياء الشرقية منها دام لأشهر طويلة لتحقيق مكاسب سياسية ومالية، وقام بتنفيذ عدد من مشاريع الترميم وإعادة التأهيل المحدودة لبعض الأسواق الأقل تضرراً، وبدأ بترميم وإعادة بناء مئذنة الجامع الأموي هناك، من خلال شراكات وتمويل من جهات دولية عديدة، لكن هذه العمليات جميعها لم تراعِ احتياجات المجتمع المحلي الذي تم إقصاؤه بشكل كامل عن تراثه، وحصلت تجاوزات وأخطاء كبيرة فيها وسرقات ونهب وفساد.
مبادرات بتمويل دولي
بعد تحرير سوريا أواخر عام 2024 لم يتعرض متحف حلب لأي انتهاك، ولم تتعرض المدينة القديمة وغيرها لأي أضرار، وبدأت مبادرات جديدة بالظهور لاستكمال وإطلاق مشاريع ترميم للمواقع الأثرية والتاريخية بتمويل من عدة جهات دولية كالأمم المتحدة وحكومة اليابان وإيطاليا ومؤسسة الأغا خان ومنظمة اليونسكو ومديريتي الآثار والأوقاف السوريتين. وأُرسلت بعثات طارئة قبل البدء عملياً بعمليات الترميم لتقييم الأضرار، وأُنشأت وحدة تنسيق ميدانية في المدينة، وأُقرت مشاريع لتأهيل متحف حلب الوطني، ودعم التوثيق والأرشفة وإعداد أُطر عامة لتنسيق الجهود، رغم أن نقص التمويل والتعقيدات والمعوقات المختلفة حالت دون إعادة تأهيل كافة المواقع المتضررة أو المدمرة.
وعلى أرض الواقع تمّ استئناف أعمال الصيانة والترميم في قلعة حلب، وإصلاح جزء من المدخل الرئيسي والأبراج وبعض العناصر المعمارية المتضررة فيها، وإعادة فتح أجزاء منها للزوار ضمن مسارات آمنة، إضافة إلى إزالة الأنقاض وترميم عدد من المباني التاريخية والخانات في المدينة القديمة، مع التركيز على إعادة إحياء النسيج العمراني التقليدي فيها. وقد خضع "بيت وكيل" الذي يعتبر من المعالم الفريدة والذي يجسد نموذجاً أصيلاً للبيوت العربية الغنية العائدة للعصر العثماني للترميم بهدف تحويله لمركز ثقافي واجتماعي، كما خضعت مجموعة من المباني الأثرية الأخرى في المدينة لأعمال الصيانة، بينما بدأ الترميم التدريجي في أجزاء مختلفة من الجامع الأموي الكبير الذي يفوق عمره 1300 عام، وشمل الواجهات وسطح الجامع وإعادة بناء مئذنته التي يعود تاريخها إلى 1200 عام وترميم الأجزاء المتضررة من بلاط سطحه، إضافة إلى الأسقف الحجرية لمداخله، و قد وصلت نسبة الإنجاز في هذا العمل إلى مراحلها النهائية، مع الإشارة إلى أن الأجزاء الأخرى المتضررة فيه تحتاج وقتاً أطول مثل: الرواق الشرقي والحجازية.
يقول الخبراء بهذا المجال بأن ما تم من إنجازات بهذا الملف يُعتبر جيداً وهاماً لكنه يتطلب إطلاق حملة دولية واسعة لحماية الآثار والمتاحف في سوريا، وخطة وطنية مدروسة لترميم المواقع حسب الأولوية، وهذا ضروري جداً لأن الآثار دليل على عراقة الشعوب وتاريخها وهويتها الوطنية، وهي ذاكرة الأمم والشاهد المادي على الحضارات والتطور الإنساني والتحولات الاجتماعية والاقتصادية، والمصدر الرئيسي لحفظ تاريخ البلاد وحكاياتها المشرقة.


