سوريا - مجتمع
أبناء المفقودين في معتقلات النظام البائد بين انتظار الحقيقة وحق العدالة
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٢٢ يوليو ٢٠٢٦، ١٦:٣٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم يكن فقدان أحد أفراد العائلة في معتقلات النظام البائد مجرد غياب لشخص عزيز، بل تحوّل، بالنسبة لآلاف العائلات السورية، إلى حالة مستمرة من الانتظار والقلق والأسئلة التي بقيت بلا إجابات.
فالمفقودون لم يغادروا حياة عائلاتهم بشكل كامل، بل ظلوا حاضرين في الذاكرة اليومية، وفي تفاصيل القرارات الصغيرة، وفي مستقبل أبناء نشأوا وهم يحملون صورة غائب لا يعرفون إن كان سيعود أم أنهم يعيشون حداداً مؤجلاً.
في حالة أبناء المعتقلين والمفقودين، يصبح الغياب أكثر تعقيداً، فالكثير منهم كانوا أطفالاً أو مراهقين لحظة اختفاء أحد الوالدين، ما جعل التجربة جزءاً من مرحلة تشكّل شخصياتهم وهوياتهم.
كبر هؤلاء الأبناء في ظل انتظار طويل، بين أمل العودة والخوف من فقدان الأمل، وتحملوا مسؤوليات أكبر من أعمارهم، سواء داخل الأسرة أو في مواجهة المجتمع والظروف الاقتصادية الصعبة.
ولم تقتصر آثار الاختفاء القسري على الجانب النفسي فقط، بل امتدت إلى الحياة الاجتماعية والعائلية. فقد وجدت العديد من الأسر نفسها أمام أعباء جديدة بعد غياب المعيل، فيما واجه بعض الأهالي الوصمة الاجتماعية والاتهامات التي كانت ترتبط بالمعتقلين وعائلاتهم خلال سنوات حكم النظام المخلوع. كما بقيت قضية معرفة المصير هي الجرح الأكبر، إذ إن عدم معرفة الحقيقة جعل العائلات عالقة بين الانتظار والحزن، فلا هي قادرة على استقبال خبر العودة، ولا على بدء مرحلة الحداد.
تقرير يرصد
ضمن هذا السياق، يأتي تقرير "ماذا لو كان على قيد الحياة؟" الذي يتناول تجربة أبناء وبنات المفقودين في معتقلات النظام السوري السابق، ليس فقط باعتبارها قضية حقوقية مرتبطة بالاعتقال والاختفاء القسري، بل باعتبارها تجربة اجتماعية وإنسانية ممتدة أعادت تشكيل حياة عائلات كاملة.
وجاء التقرير الذي تم إعداده بالتعاون مع مؤسسة معتقلي ومفقودي سجن صيدنايا، واعتمد على مقابلات نوعية معمّقة مع أبناء وبنات فقدوا أحد الوالدين خلال مرحلة الطفولة أو المراهقة، بهدف فهم تأثير الغياب القسري على حياتهم، وعلاقتهم بالذاكرة والمستقبل ومفهوم العدالة.
ويشير التقرير إلى أن الاختفاء القسري لم يكن حدثاً انتهى لحظة الاعتقال أو الغياب، بل تحول إلى "زمن معلّق" تعيش داخله العائلات، حيث يبقى المستقبل مرتبطاً بإجابة سؤال واحد: ماذا حدث للمفقود؟
غياب قسري أعاد تشكيل حياة الأبناء
وفي تصريح حول التقرير، أكدت الباحثة المساعدة بتول الغبرة لـ"العين السورية" أن أهمية هذا العمل تكمن في تسليط الضوء على تجربة فئة غالباً ما بقيت خارج دائرة الاهتمام، وهم أبناء وبنات المفقودين الذين عاشوا سنوات طويلة داخل حالة من الانتظار وعدم اليقين.
وقالت الغبرة إن أبناء المفقودين لم يعيشوا فقداً عادياً، بل عاشوا تجربة معقدة تشكلت فيها علاقتهم بالزمن والذاكرة والأسرة والمستقبل. وأوضحت أن الاختفاء القسري جعل الغياب حالة مستمرة وليست حدثاً منتهياً، إذ بقي الأبناء عالقين بين احتمال عودة المفقود واحتمال وفاته، دون وجود حقيقة واضحة تساعدهم على المضي قدماً.
وأضافت أن المقابلات التي أجريت ضمن التقرير أظهرت كيف اضطر كثير من الأبناء إلى تحمل أدوار ومسؤوليات مبكرة داخل أسرهم، حيث تحول بعض الأطفال إلى داعمين لأمهاتهم أو لإخوتهم، ما أدى إلى تآكل جزء من طفولتهم وتحملهم أعباء لم تكن مناسبة لأعمارهم.
وأكدت الغبرة أن العدالة بالنسبة لعائلات المفقودين لا تعني فقط المحاسبة القانونية، بل تبدأ أيضاً من كشف الحقيقة، والاعتراف بمعاناة الضحايا، وضمان عدم استمرار حالة الغموض التي عاشت فيها العائلات لسنوات طويلة.
نريد الحقيقة ورد الاعتبار
"العين السورية" التقت أهالي مفقودين في سجن صيدنايا، وأكدوا أن مطلبهم الأول هو معرفة مصير أبنائهم وأحبائهم، مشددين على أن مرور السنوات لم ينهِ معاناتهم طالما بقيت الحقيقة غائبة.
وقالت إحدى الأمهات إن العائلات لم تحصل على إجابات واضحة حول مصير أبنائها، وإن مجرد إبلاغهم بالوفاة دون تقديم معلومات أو أدلة لا يكفي لإنهاء حالة الانتظار.
كما عبر الأهالي عن رغبتهم في إعادة الاعتبار للمفقودين، مؤكدين أن أبناءهم يجب أن يُنظر إليهم كضحايا لهم حقوق وكرامة، وليس كأسماء مجهولة في سجلات الغياب.
وطالب الأهالي أيضاً بدعم عائلات المفقودين، وخاصة زوجات الضحايا وأطفالهم الذين كبروا خلال سنوات طويلة دون وجود الأب أو الأم، مؤكدين أن هذه الأسر تحتاج إلى رعاية اجتماعية وتعليمية ومادية تساعدها على تجاوز آثار السنوات الماضية.
مطالب
يطالب أهالي المفقودين، بكشف الحقيقة حول مصير جميع المفقودين والمختفين قسراً.
ومعرفة ظروف الاعتقال والوفاة لمن ثبتت وفاتهم، وعدم الاكتفاء بإعلانات غير موثقة.
وإعادة الاعتبار والكرامة للضحايا وحفظ ذكراهم.
ودعم أبناء المفقودين وزوجاتهم عبر برامج اجتماعية وتعليمية ومساعدات مستمرة.
ثم الاعتراف الرسمي بمعاناة العائلات وإنهاء الوصمة التي تعرضوا لها خلال سنوات الاعتقال.
وإشراك العائلات في مسارات العدالة والذاكرة وعدم اتخاذ قرارات تتعلق بالمفقودين دون الاستماع إلى أصواتهم.
ختاماً، تبقى قضية المفقودين في سوريا أكثر من ملف حقوقي أو قانوني؛ فهي تجربة إنسانية عميقة تركت أثرها على أجيال كاملة. فأبناء المفقودين لم يفقدوا فقط أحد أفراد أسرهم، بل عاشوا سنوات من الانتظار والأسئلة والبحث عن معنى للغياب.
وبينما تطالب العائلات بالحقيقة والعدالة، يبقى السؤال الذي يلخص تجربتهم حاضراً:
ماذا لو كان على قيد الحياة؟
سؤال لا يعكس فقط انتظار شخص غائب، بل يعبر عن حياة كاملة ما زالت معلّقة بانتظار الحقيقة.


