سوريا - سياسة
من أبو الظهور إلى الجنوب.. استراتيجية إسرائيلية في الملف السوري
أ
أحمد الكناني
نشر في: ٢٣ أغسطس ٢٠٢٦، ١٧:٢٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

شكّلت الاعتداءات الإسرائيلية الأخيرة مساراً أكثر تصعيداً في التعاطي الأمني والعسكري مع سوريا، إذ حملت الضربات على مطار أبو الظهور رسالة واضحة مفادها ضرورة عدم تطوير سوريا لمطاراتها العسكرية ولمنظومات دفاعها الجوي.
وفي الوقت نفسه، واصلت إسرائيل توغلاتها في الجنوب السوري، واستهدفت إحدى طائراتها المسيّرة سيارة مدنية على الطريق المؤدية إلى منطقة بيت جن بريف دمشق الغربي، فيما نصبت حواجز على الطرق الرئيسية الواصلة بين ريفي القنيطرة ودرعا.
ربطت إسرائيل استهدافها الأخير لمطار أبو الظهور بمحاولة سورية لتفعيل المطار العسكري بدعم من تركيا، إلا أن ذلك لم يكن الاستهداف الوحيد للمنظومة العسكرية السورية، كما أن مواصلة إسرائيل توغلاتها جنوباً وفرض واقع أمني في المنطقة، يوحيان باستراتيجية عامة وضعتها حكومة اليمين الإسرائيلية للتعاطي مع الملف السوري، دون اكتراث بالجهود والمساعي الأميركية أو مسار المفاوضات المتواترة.
تعاملت إسرائيل خلال الأيام الماضية عسكرياً مع الجغرافيا السورية بشكل متوازٍ، إذ تزامنت اعتداءاتها شمالاً مع توغلات واستهدافات بالطيران المسيّر جنوباً.
يشير الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عزيز موسى، إلى أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء البلاد في حالة من الضعف المستمر، منعاً لامتلاك سوريا أي أدوات عسكرية قادرة على توفير نوع من الحماية لها في مواجهة الضربات الإسرائيلية، مضيفاً بأن استهداف مطار أبو الظهور العسكري يحمل رسالة ذات طابع ثنائي: أولاً إلى سوريا بعدم تطوير قدراتها العسكرية، وثانياً إلى تركيا الحليف الرئيسي لدمشق والتي تساعدها في إعادة بناء جيشها وتطوير أدواته.
وعلى الرغم من الاتفاقيات العسكرية القائمة على التعاون بين دمشق وأنقرة، ترى إسرائيل أن هذا التعاون يتجاوز خطوطها الحمراء ويمس أمنها، وهو ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي شدد على ضرورة وقف أي دعم لتطوير منظومات الدفاع الجوي السوري، كما ترافق ذلك مع توغلات يومية في الجنوب السوري، وتنفيذ اغتيالات، واتباع نمط التهجير القسري عبر استهداف المدنيين ومنعهم من العمل في أراضيهم، ولا سيما في محافظة القنيطرة.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية محمد أبو شريفة أن الرواية الإسرائيلية الرسمية تركز على بُعد واحد يخدم عقيدتها الأمنية، يتمثل في منع «انتشار وشيك للقوات التركية»، إلا أن الوقائع تدل على أن إسرائيل تستهدف أي قدرات للجيش السوري، بغض النظر عن الجهة الداعمة لها.
ويشير أبو شريفة إلى أن إسرائيل عبّرت سابقاً عن قلقها من تطوير دمشق قدرات الجيش، ثم أبدت مخاوف من إعادة بناء النواة الأساسية لقدرات الطيران الحربي، وصولاً إلى استهداف المطار، لافتاً إلى أن إسرائيل لا تفرّق في سياستها بين التفاوض والردع الميداني، إذ تخوض مفاوضات سياسية مع دمشق برعاية أميركية، لكنها لا تُخضع عملياتها العسكرية، الجوية والبرية، لأي تجميد موازٍ، بل تستخدمها أداة ضغط تفاوضي مستمرة.
على الرغم من التسريبات التي تحدثت عن وجود اتصالات مكثفة بين الجانبين السوري والإسرائيلي لخفض التصعيد في المنطقة، فإن مساري التوغل والاستهداف لم يتوقفا.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في الشؤون الأمنية موسى أن مسار الغارات يأتي استكمالاً للتوغلات جنوباً، إذ تتركز التوغلات البرية في الجنوب السوري، بريفي القنيطرة ودرعا ومناطق وادي اليرموك، وتقوم على اقتحام قرى، ومداهمة منازل، واعتقالات، وتجريف أراضٍ، وإطلاق نار لترهيب السكان ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية.
أما الغارات، بحسب موسى، فيتسع مداها الجغرافي لتطال عدة محافظات، وتستهدف المنظومة العسكرية الاستراتيجية، بما يشمل المطارات ومستودعات السلاح ومقار القيادة. وجميعها إجراءات تربك دمشق وتضعفها، وتثنيها عن امتلاك أوراق قوة يمكن استخدامها في أي مفاوضات لاحقة.
بدوره، يعتبر الباحث في الشؤون الإسرائيلية أبو شريفة أن كلا المسارين يشكلان خرقاً مستمراً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وخرقاً مباشراً للقانون الدولي، إلا أن إسرائيل تواصل هذه الخروقات في ظل وجود اتصالات وتطمينات من دمشق، ما يوحي بأنها تفصل عملياً بين طاولة التفاوض وغرفة العمليات؛ فلا تجمّد الثانية احتراماً للأولى، وبناءً على ذلك، يرى الباحث أن مجمل الإجراءات الإسرائيلية تهدف إلى إبقاء الطرف السوري في موقع تفاوضي أضعف، عبر خلق حقائق ميدانية متواصلة.
أعاد وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني التأكيد على أن سوريا تتوقع استئناف المفاوضات مع إسرائيل قريباً بشأن اتفاق أمني يهدف إلى وقف الاعتداءات وتهيئة الظروف لانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية، مشدداً على أن أولوية دمشق في المرحلة الحالية هي وقف الاعتداءات قبل أي بحث في اتفاق أمني أو فتح ملف السلام والجولان.
ينوّه الباحث أبو شريفة إلى وجود ثقة متآكلة بين الطرفين، تجعل أي تفاهمات غير ملزمة عملياً، وتفسرها كل جهة على هواها، مضيفاً بأن الجانب الإسرائيلي يمنح نفسه "حق التفسير الأحادي" لما يعتبره "وضعاً قائماً"، بينما لا تملك دمشق أي آلية لإلزام تل أبيب باحترام أي تفاهم.
وفي هذا السياق يعيد الباحث في الشؤون الأمنية موسى التذكير بالتفاهمات السورية-الإسرائيلية التي طُرحت خلال مفاوضات باريس، وأُعلن خلالها عن إنشاء «آلية تنسيق أمني» تحت إشراف أميركي، تتضمن خلية اتصال دائمة ومركزاً مقترحاً في عمّان بمشاركة دبلوماسية وعسكرية واستخبارية، وقد باتت هذه الآلية الآن الهدف الرئيسي لسوريا من أجل وقف الاعتداءات عليها، حيث باتت تتغير الأولويات التفاوضية مع ازدياد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية.
يأتي ذلك في وقت تحاول فيه دمشق، عبر واشنطن، إعادة مسار التفاوض من خلال بحث العديد من الملفات الأمنية والتدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، فيما جاءت تصريحات المبعوث الأميركي توماس براك منتقدة للسلوك الإسرائيلي بعد قصف مطار أبو الظهور، واعتبرته تصعيداً مبالغاً فيه ولا داعي له.
ربطت إسرائيل استهدافها الأخير لمطار أبو الظهور بمحاولة سورية لتفعيل المطار العسكري بدعم من تركيا، إلا أن ذلك لم يكن الاستهداف الوحيد للمنظومة العسكرية السورية، كما أن مواصلة إسرائيل توغلاتها جنوباً وفرض واقع أمني في المنطقة، يوحيان باستراتيجية عامة وضعتها حكومة اليمين الإسرائيلية للتعاطي مع الملف السوري، دون اكتراث بالجهود والمساعي الأميركية أو مسار المفاوضات المتواترة.
استراتيجية إضعاف
تعاملت إسرائيل خلال الأيام الماضية عسكرياً مع الجغرافيا السورية بشكل متوازٍ، إذ تزامنت اعتداءاتها شمالاً مع توغلات واستهدافات بالطيران المسيّر جنوباً.
يشير الباحث في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عزيز موسى، إلى أن إسرائيل تسعى إلى إبقاء البلاد في حالة من الضعف المستمر، منعاً لامتلاك سوريا أي أدوات عسكرية قادرة على توفير نوع من الحماية لها في مواجهة الضربات الإسرائيلية، مضيفاً بأن استهداف مطار أبو الظهور العسكري يحمل رسالة ذات طابع ثنائي: أولاً إلى سوريا بعدم تطوير قدراتها العسكرية، وثانياً إلى تركيا الحليف الرئيسي لدمشق والتي تساعدها في إعادة بناء جيشها وتطوير أدواته.
وعلى الرغم من الاتفاقيات العسكرية القائمة على التعاون بين دمشق وأنقرة، ترى إسرائيل أن هذا التعاون يتجاوز خطوطها الحمراء ويمس أمنها، وهو ما أكده رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الذي شدد على ضرورة وقف أي دعم لتطوير منظومات الدفاع الجوي السوري، كما ترافق ذلك مع توغلات يومية في الجنوب السوري، وتنفيذ اغتيالات، واتباع نمط التهجير القسري عبر استهداف المدنيين ومنعهم من العمل في أراضيهم، ولا سيما في محافظة القنيطرة.
وفي هذا الإطار، يرى الباحث في الشؤون الإسرائيلية محمد أبو شريفة أن الرواية الإسرائيلية الرسمية تركز على بُعد واحد يخدم عقيدتها الأمنية، يتمثل في منع «انتشار وشيك للقوات التركية»، إلا أن الوقائع تدل على أن إسرائيل تستهدف أي قدرات للجيش السوري، بغض النظر عن الجهة الداعمة لها.
ويشير أبو شريفة إلى أن إسرائيل عبّرت سابقاً عن قلقها من تطوير دمشق قدرات الجيش، ثم أبدت مخاوف من إعادة بناء النواة الأساسية لقدرات الطيران الحربي، وصولاً إلى استهداف المطار، لافتاً إلى أن إسرائيل لا تفرّق في سياستها بين التفاوض والردع الميداني، إذ تخوض مفاوضات سياسية مع دمشق برعاية أميركية، لكنها لا تُخضع عملياتها العسكرية، الجوية والبرية، لأي تجميد موازٍ، بل تستخدمها أداة ضغط تفاوضي مستمرة.
مسارات إسرائيلية منفصلة
على الرغم من التسريبات التي تحدثت عن وجود اتصالات مكثفة بين الجانبين السوري والإسرائيلي لخفض التصعيد في المنطقة، فإن مساري التوغل والاستهداف لم يتوقفا.
وفي هذا السياق، يوضح الباحث في الشؤون الأمنية موسى أن مسار الغارات يأتي استكمالاً للتوغلات جنوباً، إذ تتركز التوغلات البرية في الجنوب السوري، بريفي القنيطرة ودرعا ومناطق وادي اليرموك، وتقوم على اقتحام قرى، ومداهمة منازل، واعتقالات، وتجريف أراضٍ، وإطلاق نار لترهيب السكان ومنعهم من الوصول إلى أراضيهم الزراعية.
أما الغارات، بحسب موسى، فيتسع مداها الجغرافي لتطال عدة محافظات، وتستهدف المنظومة العسكرية الاستراتيجية، بما يشمل المطارات ومستودعات السلاح ومقار القيادة. وجميعها إجراءات تربك دمشق وتضعفها، وتثنيها عن امتلاك أوراق قوة يمكن استخدامها في أي مفاوضات لاحقة.
بدوره، يعتبر الباحث في الشؤون الإسرائيلية أبو شريفة أن كلا المسارين يشكلان خرقاً مستمراً لاتفاق فض الاشتباك لعام 1974، وخرقاً مباشراً للقانون الدولي، إلا أن إسرائيل تواصل هذه الخروقات في ظل وجود اتصالات وتطمينات من دمشق، ما يوحي بأنها تفصل عملياً بين طاولة التفاوض وغرفة العمليات؛ فلا تجمّد الثانية احتراماً للأولى، وبناءً على ذلك، يرى الباحث أن مجمل الإجراءات الإسرائيلية تهدف إلى إبقاء الطرف السوري في موقع تفاوضي أضعف، عبر خلق حقائق ميدانية متواصلة.
اتفاق بمعطيات هشة
أعاد وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني التأكيد على أن سوريا تتوقع استئناف المفاوضات مع إسرائيل قريباً بشأن اتفاق أمني يهدف إلى وقف الاعتداءات وتهيئة الظروف لانسحاب إسرائيل من الأراضي السورية، مشدداً على أن أولوية دمشق في المرحلة الحالية هي وقف الاعتداءات قبل أي بحث في اتفاق أمني أو فتح ملف السلام والجولان.
ينوّه الباحث أبو شريفة إلى وجود ثقة متآكلة بين الطرفين، تجعل أي تفاهمات غير ملزمة عملياً، وتفسرها كل جهة على هواها، مضيفاً بأن الجانب الإسرائيلي يمنح نفسه "حق التفسير الأحادي" لما يعتبره "وضعاً قائماً"، بينما لا تملك دمشق أي آلية لإلزام تل أبيب باحترام أي تفاهم.
وفي هذا السياق يعيد الباحث في الشؤون الأمنية موسى التذكير بالتفاهمات السورية-الإسرائيلية التي طُرحت خلال مفاوضات باريس، وأُعلن خلالها عن إنشاء «آلية تنسيق أمني» تحت إشراف أميركي، تتضمن خلية اتصال دائمة ومركزاً مقترحاً في عمّان بمشاركة دبلوماسية وعسكرية واستخبارية، وقد باتت هذه الآلية الآن الهدف الرئيسي لسوريا من أجل وقف الاعتداءات عليها، حيث باتت تتغير الأولويات التفاوضية مع ازدياد وتيرة الاعتداءات الإسرائيلية.
يأتي ذلك في وقت تحاول فيه دمشق، عبر واشنطن، إعادة مسار التفاوض من خلال بحث العديد من الملفات الأمنية والتدخلات الإسرائيلية في الجنوب السوري، فيما جاءت تصريحات المبعوث الأميركي توماس براك منتقدة للسلوك الإسرائيلي بعد قصف مطار أبو الظهور، واعتبرته تصعيداً مبالغاً فيه ولا داعي له.


