سوريا - اقتصاد
من هرمز إلى باب المندب: كيف وصلت صدمة النفط إلى مازوت السوريين؟
اضطرابات ممرات الطاقة والمصافي الروسية ترفع كلفة الوقود عالمياً.. فهل يتحول ارتفاع المازوت في سوريا إلى موجة جديدة من الغلاء؟
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ١٥ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٥:١٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

إذا ارتفع سعر الوقود هذا الأسبوع، فلا تبحث عن السبب في محطات الوقود فقط؛ فالشرارة بدأت من الخريطة.
في سوريا، شهدت أسعار المشتقات النفطية ارتفاعاً ملحوظاً شمل البنزين والمازوت وبقية أنواع الوقود، وسط قفزة كبيرة بلغت نحو 40% في سعر المازوت خلال أيام قليلة. ويأتي هذا الارتفاع في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية اضطرابات متزامنة ومعقدة.
وما يبدو للوهلة الأولى أزمة محلية في أسعار المحروقات، يرتبط في واقع الأمر بجملة تطورات جيوسياسية واقتصادية تمتد من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر والمصافي الروسية، مروراً بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتراجع تدفقات النفط عبر الممرات الحيوية.
ولفهم الصورة بشكل أوضح، يمكن تلخيص المشهد في أربعة عوامل رئيسية:
هرمز.. بداية الصدمة
في مضيق هرمز، تراجعت حركة السفن مع تصاعد التوترات والهجمات على ناقلات النفط، وارتفعت المخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
انعكس ذلك سريعاً على السوق العالمية، إذ بلغ سعر خام برنت نحو 108 دولارات للبرميل في 10 أيلول، مقارنة بنحو 72 دولاراً قبل اندلاع الحرب في 28 شباط.
ولا يعني ذلك أن كل ارتفاع في سعر الوقود السوري ناتج عن سعر النفط العالمي وحده، لكن اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة في العالم يرفع ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر»، ويزيد تكاليف الشحن والتأمين، ويضغط على أسعار المشتقات.
السعودية.. الطريق البديل تحت الضغط
حاولت السعودية تقليل اعتماد صادراتها على مضيق هرمز من خلال خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وخلال الأزمة، كان الخط ينقل نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، قبل أن يتعرض للاستهداف بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى توقفه مؤقتاً.
وبذلك، لم يعد الخطر محصوراً في طريق التصدير الرئيسي، بل امتد إلى أحد أهم المسارات البديلة لنقل النفط السعودي.
باب المندب.. عندما يضيق الطريق البديل
من الخليج إلى البحر الأحمر، انتقلت المخاطر إلى مضيق باب المندب، الذي يمثل حلقة أساسية في حركة الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.
ومع تصاعد التهديدات الحوثية في الساحل اليمني، تراجعت تدفقات النفط الخام عبر المضيق من نحو 3.1 ملايين برميل يومياً في تموز إلى 1.5 مليون برميل في آب.
وهنا تتضاعف حساسية الأزمة: فالمسار الذي يمكن أن يوفر بديلاً عن بعض مخاطر الخليج يصبح هو الآخر أكثر كلفة وخطورة، ما يدفع شركات النقل إلى تغيير المسارات وتحمّل رحلات أطول وأقساط تأمين أعلى.
روسيا.. أزمة أخرى تضغط على الديزل
في الوقت نفسه، جاءت ضغوط إضافية من سوق الوقود الروسي. فقد أدت الضربات الأوكرانية على عدد من المصافي إلى التأثير في إنتاج الوقود، فيما مددت موسكو حظر تصدير الديزل حتى نهاية أيلول.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأن روسيا من كبار مصدري الديزل عالمياً، وبالتالي فإن انخفاض الكميات المتاحة للتصدير يأتي في وقت تواجه فيه طرق الإمداد البحرية مخاطر متزايدة.
وهكذا اجتمعت اضطرابات في مسارات النفط، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ومخاوف بشأن الإمدادات، وضغوط على سوق الديزل، لتدفع أسعار الوقود إلى مستويات أعلى. غير أن الأسواق العالمية بدأت في الوقت ذاته بالبحث عن بدائل جزئية عبر تفعيل المخزونات وتغيير بعض المسارات، مما يحدّ نسبياً من تفاقم الصدمة.
كيف تصل الصدمة إلى السوري؟
هذه الاضطرابات المتزامنة لم تبقَ في البحار والمصافي، بل وصلت إلى المضخة في سوريا.
يرى الخبير الاقتصادي حسن الحاري أن رفع أسعار المحروقات لا يمكن حصره في قطاع النقل، لأن الطاقة تشكل عنصراً أساسياً في معظم حلقات الاقتصاد المحلي، من الإنتاج إلى النقل والتوزيع.
ويضع الحاري قطاعات البناء والإنشاءات والصناعة والزراعة في مقدمة القطاعات الأكثر عرضة للصدمة، قبل أن يمتد أثرها تدريجياً إلى الخدمات والاستهلاك اليومي. فالوقود لا يدفعه سائق الشاحنة وحده؛ بل يدخل في تكلفة تشغيل المصنع، وريّ المحاصيل، ونقل المواد الأولية، وتوزيع السلع، وتشغيل المولدات والآليات، ثم يظهر أثره في السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
هل يصبح السعر الجديد دائماً؟
نادراً ما تكون زيادات أسعار المحروقات مؤقتة بشكل كامل عندما تتزامن مع مخاطر جيوسياسية مستمرة وارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية. فاستمرار الاضطرابات في مناطق الإمداد الرئيسية، أو تهديد الممرات البحرية الحيوية، غالباً ما يدفع الأسعار إلى مستويات جديدة يصعب التراجع عنها في الأجل القصير، حتى لو بدأت الأسواق في البحث عن بدائل تدريجياً. ويعتمد مدى استمرار الارتفاع في نهاية المطاف على مدة هذه الاضطرابات، وحجم الإمدادات المتأثرة، وسرعة قدرة الأسواق على إيجاد مصادر بديلة أو تفعيل مخزونات الطوارئ.
وفي السياق السوري، يرى الحاري أن الزيادة الحالية ليست مؤقتة بالضرورة، محذراً من احتمال تحول الأسعار الجديدة إلى مستوى يصعب التراجع عنه في الأجل القصير. غير أن استمرار هذا الارتفاع يعتمد في النهاية على مدة الاضطرابات وحجم الإمدادات المتأثرة وقدرة الأسواق على إيجاد بدائل.
وفي المقابل، يشير إلى إمكانية تخفيف الصدمة عبر تنويع مصادر الإمداد، وإعادة تفعيل بعض خطوط نقل النفط، واستخدام أدوات شراء أكثر تحوطاً، إلى جانب توجيه الدعم بصورة أكثر دقة نحو الفئات والقطاعات الأكثر تضرراً.
وهكذا، فإن الزيادة التي يراها المواطن في سعر المازوت ليست مجرد رقم جديد على محطة الوقود؛ إنها الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ من مضيق بحري، وتمر بخط أنابيب ومصفاة وناقلة، قبل أن تصل في النهاية إلى كلفة الإنتاج وسعر السلعة ودخل الأسرة السورية.
وبذلك تتحول أزمة الممرات البحرية البعيدة إلى عبء يومي يلمسه السوري في سعر المازوت، وفي فاتورة الإنتاج، وفي القدرة الشرائية لأسرته.
في سوريا، شهدت أسعار المشتقات النفطية ارتفاعاً ملحوظاً شمل البنزين والمازوت وبقية أنواع الوقود، وسط قفزة كبيرة بلغت نحو 40% في سعر المازوت خلال أيام قليلة. ويأتي هذا الارتفاع في وقت تشهد فيه أسواق الطاقة العالمية اضطرابات متزامنة ومعقدة.
وما يبدو للوهلة الأولى أزمة محلية في أسعار المحروقات، يرتبط في واقع الأمر بجملة تطورات جيوسياسية واقتصادية تمتد من مضيق هرمز إلى البحر الأحمر والمصافي الروسية، مروراً بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وتراجع تدفقات النفط عبر الممرات الحيوية.
ولفهم الصورة بشكل أوضح، يمكن تلخيص المشهد في أربعة عوامل رئيسية:
هرمز.. بداية الصدمة
في مضيق هرمز، تراجعت حركة السفن مع تصاعد التوترات والهجمات على ناقلات النفط، وارتفعت المخاوف من تعطل الإمدادات القادمة من منطقة الخليج.
انعكس ذلك سريعاً على السوق العالمية، إذ بلغ سعر خام برنت نحو 108 دولارات للبرميل في 10 أيلول، مقارنة بنحو 72 دولاراً قبل اندلاع الحرب في 28 شباط.
ولا يعني ذلك أن كل ارتفاع في سعر الوقود السوري ناتج عن سعر النفط العالمي وحده، لكن اضطراب أحد أهم ممرات الطاقة في العالم يرفع ما يُعرف بـ«علاوة المخاطر»، ويزيد تكاليف الشحن والتأمين، ويضغط على أسعار المشتقات.
السعودية.. الطريق البديل تحت الضغط
حاولت السعودية تقليل اعتماد صادراتها على مضيق هرمز من خلال خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وخلال الأزمة، كان الخط ينقل نحو 4 إلى 5 ملايين برميل يومياً، قبل أن يتعرض للاستهداف بطائرات مسيّرة، ما أدى إلى توقفه مؤقتاً.
وبذلك، لم يعد الخطر محصوراً في طريق التصدير الرئيسي، بل امتد إلى أحد أهم المسارات البديلة لنقل النفط السعودي.
باب المندب.. عندما يضيق الطريق البديل
من الخليج إلى البحر الأحمر، انتقلت المخاطر إلى مضيق باب المندب، الذي يمثل حلقة أساسية في حركة الطاقة والتجارة بين الشرق والغرب.
ومع تصاعد التهديدات الحوثية في الساحل اليمني، تراجعت تدفقات النفط الخام عبر المضيق من نحو 3.1 ملايين برميل يومياً في تموز إلى 1.5 مليون برميل في آب.
وهنا تتضاعف حساسية الأزمة: فالمسار الذي يمكن أن يوفر بديلاً عن بعض مخاطر الخليج يصبح هو الآخر أكثر كلفة وخطورة، ما يدفع شركات النقل إلى تغيير المسارات وتحمّل رحلات أطول وأقساط تأمين أعلى.
روسيا.. أزمة أخرى تضغط على الديزل
في الوقت نفسه، جاءت ضغوط إضافية من سوق الوقود الروسي. فقد أدت الضربات الأوكرانية على عدد من المصافي إلى التأثير في إنتاج الوقود، فيما مددت موسكو حظر تصدير الديزل حتى نهاية أيلول.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية لأن روسيا من كبار مصدري الديزل عالمياً، وبالتالي فإن انخفاض الكميات المتاحة للتصدير يأتي في وقت تواجه فيه طرق الإمداد البحرية مخاطر متزايدة.
وهكذا اجتمعت اضطرابات في مسارات النفط، وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، ومخاوف بشأن الإمدادات، وضغوط على سوق الديزل، لتدفع أسعار الوقود إلى مستويات أعلى. غير أن الأسواق العالمية بدأت في الوقت ذاته بالبحث عن بدائل جزئية عبر تفعيل المخزونات وتغيير بعض المسارات، مما يحدّ نسبياً من تفاقم الصدمة.
كيف تصل الصدمة إلى السوري؟
هذه الاضطرابات المتزامنة لم تبقَ في البحار والمصافي، بل وصلت إلى المضخة في سوريا.
يرى الخبير الاقتصادي حسن الحاري أن رفع أسعار المحروقات لا يمكن حصره في قطاع النقل، لأن الطاقة تشكل عنصراً أساسياً في معظم حلقات الاقتصاد المحلي، من الإنتاج إلى النقل والتوزيع.
ويحذر من أن رفع أسعار المشتقات النفطية بنحو 40% قد يقود إلى زيادة أكبر في الكلفة النهائية، مقدّراً أن تصل الزيادة التي يتحملها المستهلك في بعض الحالات إلى نحو 60%، نتيجة تراكم تكاليف الوقود والإنتاج والنقل والأجور وهوامش التجارة.
ويضع الحاري قطاعات البناء والإنشاءات والصناعة والزراعة في مقدمة القطاعات الأكثر عرضة للصدمة، قبل أن يمتد أثرها تدريجياً إلى الخدمات والاستهلاك اليومي. فالوقود لا يدفعه سائق الشاحنة وحده؛ بل يدخل في تكلفة تشغيل المصنع، وريّ المحاصيل، ونقل المواد الأولية، وتوزيع السلع، وتشغيل المولدات والآليات، ثم يظهر أثره في السعر النهائي الذي يدفعه المستهلك.
هل يصبح السعر الجديد دائماً؟
نادراً ما تكون زيادات أسعار المحروقات مؤقتة بشكل كامل عندما تتزامن مع مخاطر جيوسياسية مستمرة وارتفاع أسعار النفط في الأسواق الدولية. فاستمرار الاضطرابات في مناطق الإمداد الرئيسية، أو تهديد الممرات البحرية الحيوية، غالباً ما يدفع الأسعار إلى مستويات جديدة يصعب التراجع عنها في الأجل القصير، حتى لو بدأت الأسواق في البحث عن بدائل تدريجياً. ويعتمد مدى استمرار الارتفاع في نهاية المطاف على مدة هذه الاضطرابات، وحجم الإمدادات المتأثرة، وسرعة قدرة الأسواق على إيجاد مصادر بديلة أو تفعيل مخزونات الطوارئ.
وفي السياق السوري، يرى الحاري أن الزيادة الحالية ليست مؤقتة بالضرورة، محذراً من احتمال تحول الأسعار الجديدة إلى مستوى يصعب التراجع عنه في الأجل القصير. غير أن استمرار هذا الارتفاع يعتمد في النهاية على مدة الاضطرابات وحجم الإمدادات المتأثرة وقدرة الأسواق على إيجاد بدائل.
وفي المقابل، يشير إلى إمكانية تخفيف الصدمة عبر تنويع مصادر الإمداد، وإعادة تفعيل بعض خطوط نقل النفط، واستخدام أدوات شراء أكثر تحوطاً، إلى جانب توجيه الدعم بصورة أكثر دقة نحو الفئات والقطاعات الأكثر تضرراً.
وهكذا، فإن الزيادة التي يراها المواطن في سعر المازوت ليست مجرد رقم جديد على محطة الوقود؛ إنها الحلقة الأخيرة في سلسلة تبدأ من مضيق بحري، وتمر بخط أنابيب ومصفاة وناقلة، قبل أن تصل في النهاية إلى كلفة الإنتاج وسعر السلعة ودخل الأسرة السورية.
وبذلك تتحول أزمة الممرات البحرية البعيدة إلى عبء يومي يلمسه السوري في سعر المازوت، وفي فاتورة الإنتاج، وفي القدرة الشرائية لأسرته.


