سوريا - اقتصاد
أسعار السلع لم تتراجع مع تراجع الدولار والنفط .. " تحوّط التاجر" مشكلة والمقاطعة حلّ
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٩ يونيو ٢٠٢٦، ١١:٢٢
3 دقيقة

رغم التحسن الذي طرأ على سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار، والذي قدّره البعض بحوالي 20%، ونتج عنه تخفيض أسعار المحروقات وحوامل الطاقة، إلا أن الجميع ينتظر انعكاس هذا الأمر على أسعار سلع " سلّة المستهلك" التي كانت قد سجلت ارتفاعاً كبيراً عند انخفاض سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار في الفترة الماضية. في وقت يشكك فيه الخبراء بحدوث هذا الانخفاض المزمع فعلياً، فماذا عن التفاصيل؟
لا يعوَّل عليها
لا يعوِّل محمد خالد عثمان، وهو موظف، على أن التخفيض على الأسعار سيحدث، وإن حدث، فلن يتناسب مع الارتفاع الذي حدث عند انخفاض سعر صرف الليرة مقابل الدولار. كما أنه لا يعوِّل على "نزاهة" التجار، الذين مازالوا مستمرين في هذه اللعبة منذ سنوات طوال: عندما يرتفع الدولار يرفعون الأسعار، وعند انخفاضه يلتزمون الصمت، بحجة " التحوّط" وضرورة ثباته لفترة طويلة ليطمئنوا، خوفاً على أرباحهم ورؤوس أموالهم.
ضبط غير متاح
أما إنصاف الشيخ، فترى أن ضبط الأسعار في الأسواق غير متاح حالياً، سيما مع غياب آلية التسعير المعمول بها سابقاً. فالمشكلة أن الجهات المعنية تعتمد شروط الاقتصاد الحر، دون اكتمال شروط هذا السوق، مثل المنافسة المفتوحة ومنع الاحتكار، وأيضاً الرواتب والأجور التي لا علاقة لها بالاقتصاد الحر.
أما باسل الشافعي، فدعا إلى التريث في ارتياد الأسواق إلى حين ثبات سعر الصرف، الأمر الذي يضغط على التجار ويدفعهم إلى تخفيض الأسعار، وفق القاعدة الاقتصادية المعروفة: العرض والطلب.
سبر مستمر للأسعار
يرى مدير التجارة الداخلية وحماية المستهلك بدمشق، غياث بكور، خلال حديثه لـ"العين السورية"، أنه في ضوء تحسن سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، يجب أن تشهد الأسواق انخفاضاً ملموساً في أسعار المواد الغذائية والأساسية المطروحة. وفي هذا السياق، تكثّف مديريات حماية المستهلك جولاتها الرقابية الميدانية لمتابعة حركة الأسواق، بالتوازي مع قيام دائرة الأسعار بسبر دائم لأسعار الجملة والمفرق في كافة الفعاليات والمحال التجارية، ورفع تقاريرها بشكل فوري إلى الوزارة لاتخاذ الإجراءات اللازمة، حيث تقوم بمعاينة الأسعار المعلنة وتدقيقها بموجب الفواتير الصادرة، والتأكد من نسب الأرباح المعتمدة لدى الباعة. وفي حال رصد أي ربح فاحش، أو زيادة غير مبررة عن السعر السائد في السوق، يتم تنظيم الضبوط اللازمة فوراً.
وتعمل هذه الدائرة، حسب البكور، بآلية دقيقة، تقارن من خلالها بين الأسعار المعتمدة في محلات الجملة والمتداولة في محلات المفرق.
مراقبة هوامش الربح
أما بخصوص الإجراءات لضمان كبح جماح الأسعار وخفضها، وكما يقول البكور، فإنها ترتكز على تشديد الرقابة على الإعلان عن الأسعار، ومتابعة حركة تداول الفواتير بدقة بين مختلف الحلقات التجارية؛ بدءاً من المستورد وصولاً إلى بائع المفرق، أو من المنتج مباشرة إلى بائع المفرق. وتهدف هذه الرقابة الصارمة على الفواتير وهوامش الربح إلى المساهمة الفعالة في خفض الأسعار، وضمان استقرارها، وجعل هوامش الأرباح في حدودها المقبولة والمطابقة للأسعار الرائجة والمعتمدة في السوق.
تكريس اقتصاد السوق الحر
وعما إذا كان هناك توجه للعودة إلى آلية التسعير المعمول بها سابقاً، يؤكد البكور أنه في الوقت الراهن، لا تتدخل الوزارة في تحديد أسعار أي سلع، باستثناء المواد المدعومة من قِبل الدولة؛ وهو توجه يمنح الأسواق مرونة وانسيابية أكبر في حركة المواد، ويثمر عن ارتياح ملموس في عمليات تداول السلع بيعاً وشراءً. فالوزارة تتجه نحو تكريس اقتصاد السوق الحر، ولكن في حال ثبت وجود استغلال لأي مادة، سواء تم رصده عبر دائرة الأسعار وسبر الدوريات، أو من خلال البيع بسعر زائد، أو احتكار المواد وحجبها عن الأسواق بغرض المضاربة ورفع سعرها، يتم التدخل بحزم لتطبيق كافة الإجراءات القانونية الرادعة بحق المخالفين، وفقاً للأصول المتبعة.
جسور تعاون
وعن وجود تنسيق وحوار مع غرف التجارة يمكن التعويل عليه، أشار البكور إلى لقاءات دورية ومستمرة تُعقد مع غرف التجارة، بغية التباحث في سائر القضايا والشؤون التي تخص الأسواق والحركة التجارية.
وقال: حقيقةً نلمس تجاوباً وتوجهاً إيجابياً ملحوظاً من غرف التجارة في هذا الصدد. وقد تكللت هذه الجهود بعقد عدة اجتماعات، خُصصت لشرح آليات العمل المستحدثة، وتوضيح بعض القرارات الناظمة للعمل التجاري؛ وذلك في سبيل مد جسور التعاون المشترك بين غرف التجارة ومديريات حماية المستهلك، بما يصب في مصلحة خفض الأسعار، وضبط حركة الأسواق، واتخاذ التدابير الكفيلة بخلق بيئة تنافسية ممتازة تضمن تدفق السلع وانسيابها في الأسواق بسلاسة ويُسر.
مصطلح جديد
أمين سر جمعية حماية المستهلك، عبد الرزاق حبزة، تحدث عن "التحوُّط" الذي يمارسه التاجر في سوريا، والذي يسعِّر من خلاله البضائع على سعر صرف أعلى من السعر المتداول في السوق، لافتاً إلى أنه مصطلح جديد لم نسمع به سوى في سوريا، وهو إجراء غير مقبول وغير منطقي، وفيه نوع من الغبن والتدليس والغش للمستهلك.
وتساءل حبزة في حديثه مع " العين السورية".. هل من المعقول أن يكون سعر صرف الدولار، على سبيل المثال، 140 ليرة جديدة، ويسعِّر التاجر بضائعه على سعر 150 ليرة جديدة، من منطلق الحيطة كي لا يتعرض للخسارة في حال حصول ارتفاع في سعر الصرف؟
التحوّط يستوجب الملاحقة
يدعو حبزة الجهات المعنية في الحكومة إلى محاسبة التاجر الذي يمارس التحوُّط، وفرض عقوبات بحقه، لأن المستهلك هو ضحية هذا التحوُّط المزعوم الذي ابتكره بعض التجار كنوع من الابتزاز والغش لتحقيق أكبر قدر من الأرباح المادية الفاحشة على حسابه. مشدداً على ضرورة أن يعلن التاجر عن سعر الصرف الذي يسعِّر من خلاله بضائعه بشكل صريح ويومي، ويجب أن تتضمن الـ QR الموجودة على واجهة المحال هذه المعلومات.
الحلقة الأضعف
في المحصّلة تبقى التساؤلات كثيرة، ومازالت تُطرح حول نية الجهات المعنية بالتدخل لضبط الأسعار وحماية المستهلك، الذي بقي الحلقة الأضعف في تقلبات سعر الصرف وارتفاع الأسعار غير المراقب، تحت ذريعة الاقتصاد الحر الذي طُبِّق بشكل مفاجئ، دون تمهيد، ولا شروط حماية للطبقات محدودة ومتوسطة الدخل التي أنهكتها تحولات وتداعيات قاسية ومؤلمة.


