سوريا - محليات
عودة بذاكرة مشوّشة .. أطفال سوريون يكتشفون مدنهم الأصلية للمرة الأولى
ا
العين السورية – شمس الدين مطعون
نشر في: ٢٤ يونيو ٢٠٢٦، ٠٧:٥٥
3 دقيقة

لم تكن مدينة داريا، بالنسبة لريم ومنى وجنّة، أكثر من اسم يتكرر في أحاديث والديهما. فالطفلات الثلاث، البالغات من العمر 10 و6 و3 سنوات، وُلدن أو نشأن في إدلب، ولم يزرن المدينة التي تنتمي إليها عائلتهن يوماً.
عندما بدأت والدتهن سحر الحديث عن العودة بعد التحرير، لم تستقبل الصغيرات الخبر بحماس كما كانت تتوقع على العكس، فكرة الرحيل أثارت بكاء الصغيرات وكن يرفضن بشكل متكرر، فبالنسبة إليهن لم تكن إدلب محطة نزوح مؤقتة، بل المكان الذي عرفن فيه المدرسة والأصدقاء واللعب والحياة اليومية.
مدينة مختلفة
تقول سحر لـ "العين السورية" إن العائلة أمضت قرابة عشر سنوات في إدلب بعد تهجيرها من معضمية الشام عام 2016 تحت وطأة الحصار والقصف. وخلال عام كامل من التحضير للعودة، ظلت البنات الثلاث يعتبرن أنهن سيغادرن منزلهن الحقيقي إلى مكان لا يعرفنه.
هذه القصة لم تعد استثناءً بين العائلات العائدة من شمال غرب سوريا إلى مناطقها الأصلية. فبينما يحمل الكبار ذاكرة المدن التي أُجبروا على مغادرتها، يواجه آلاف الأطفال تجربة مختلفة تماماً، فهم لا يعودون إلى أماكن يعرفونها، بل يتركون الأماكن الوحيدة التي عرفوها.
تحدّي العودة
وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، بلغ عدد العائدين من النزوح الداخلي منذ كانون الأول 2024 وحتى منتصف حزيران الجاري نحو مليون و960 ألف شخص، وفي المقابل لا يزال أكثر من 5.5 ملايين شخص في حالة نزوح داخلي بينهم أكثر من 870 ألفاً داخل المخيمات، وتشكل النساء والأطفال النسبة الأكبر منهم.
يمثل هذا الواقع تحدياً خاصاً للأطفال الذين ولدوا بعد موجات التهجير القسري أو نشأوا خلالها، إذ تشكلت ذاكرتهم الأولى وهويتهم الاجتماعية في مناطق النزوح، لا في المدن التي تنحدر منها عائلاتهم.
وتروي نادرة، وهي أم عادت مع أسرتها من إدلب إلى ريف حمص، أن ابنها المولود في الشمال ظل يكرر عند الوصول: "ليش عم نترك بيتنا؟". لم يكن يقصد منزل العائلة في حمص، بل المنزل الذي عاش فيه سنواته كلها خلال النزوح.
حين يفقد الطفل وطنه الأول
تعزو الاختصاصية النفسية بنان ترك هذا النمط من الاستجابة إلى أن الأطفال لا يبنون مفهوم الوطن من خلال روايات الأهل أو الروابط الجغرافية، بل من خلال التجربة اليومية المباشرة.
وتوضح خلال حديثها لـ "العين السورية"، أن الوطن عند الطفل هو المكان الذي عاش فيه أمانه الأول، وذهب إلى مدرسته، وتكوّنت فيه صداقاته لذلك فهو يرى مدينة النزوح وطناً حقيقياً أكثر من مدينة الأصل.
وتضيف أن مغادرة هذا المكان حتى عندما تكون العودة خياراً إيجابياً بالنسبة للأهل، قد تُختبر من جانب الأطفال كخسارة جديدة، خصوصاً مع فقدان شبكة العلاقات الاجتماعية التي تشكلت على مدى سنوات.
تظهر لدى عدد من الأطفال العائدين ردود فعل متشابهة، من بينها البكاء المتكرر، والتعلق المفرط بالوالدين، واضطرابات النوم، والانطواء الاجتماعي، فضلاً عن صعوبات في التأقلم مع البيئة الجديدة، وتؤكد الخبير النفسية أن هذه المظاهر تبقى طبيعية في سياق التغيرات الجذرية التي يعيشها الأطفال ولا تعني بالضرورة وجود اضطراب نفسي.
اختبار الاندماج الأول
لا تتوقف التحديات عند الجانب النفسي فسنوات الانقسام الجغرافي والتعليمي خلقت فجوات بين الطلاب القادمين من شمال غرب سوريا وأقرانهم في مناطق العودة.
وتقول اعتماد وهي معلمة في إحدى مدارس معضمية الشام بريف دمشق، إن الأيام الأولى تكون الأصعب بالنسبة للأطفال العائدين.
وتضيف: "الطفل يكون ضائعاً في البداية، لا يعرف كيف يندمج مع زملائه أو يتفاعل مع البيئة الجديدة، وقد يحتاج أياماً أو أسابيع حتى يبدأ بالتأقلم".
ترى المعلمة أن المدرسة تؤدي دوراً محورياً في مساعدة الأطفال على استعادة الشعور بالأمان والاستقرار، لكنها تحتاج إلى دعم نفسي وتربوي أكبر بكثير من الإمكانات المتاحة حالياً.
أحياء غير جاهزة
كما تتزامن عودة العائلات مع واقع خدمي هش في عدد من مدن ريف دمشق وحمص وحلب وغيرها، حيث لا تزال أحياء كاملة تعاني من آثار الدمار، فيما تعمل بعض المدارس ضمن مبانٍ مؤقتة أو تحتاج إلى إعادة تأهيل، إلى جانب استمرار المشكلات المرتبطة بالكهرباء والمياه والخدمات الأساسية.
وبالنسبة للأطفال، لا تبدو هذه الظروف مجرد تفاصيل خدمية، بل جزءاً من المقارنة اليومية بين ما اعتادوا عليه في مناطق النزوح وبين واقع المدن التي انتقلوا إليها حديثاً.
نهاية مرحلة أم بداية؟
بخلاف آبائهم، لا يعيش كثير من أطفال العودة بوصفها نهاية رحلة طويلة من الانتظار، بل باعتبارها بداية رحلة جديدة نحو مكان لم يعرفوه من قبل فمدن ومناطق شمال غرب سوريا التي نزحوا إليها والتي وُصفت لسنوات بأنها مؤقتة تحولت في وعيهم إلى وطن كامل، بينما بقيت مدن الأصل مجرد حكايات يرويها الكبار.


