سوريا - ثقافة
أفلام الثورة السورية.."المترجم" اعتقال الأشقاء والتضحيات
ا
العين السورية
نشر في: ٢٢ أبريل ٢٠٢٦، ١٣:٠٩عدل في: ٢٢ أبريل ٢٠٢٦، ١٣:٠٩
3 دقيقة
0

أطلقت المؤسسة العامة للسينما في دار الأوبرا بدمشق يوم الأحد الماضي الدورة الثانية من تظاهرة "أفلام الثورة السورية" التي تضم 24 فيلماً بين الروائي والوثائقي، وذلك لإتاحة الفرصة لتقديم رؤى وسرديات متعددة حول مسارات الثورة وما نتج عنها من تحولات اجتماعية وسياسية واقتصادية وإنسانية عميقة، ولتوثيق الذاكرة البصرية للتراجيديا السورية خلال حكم النظام البائد، وتعزيز دور السينما في حفظ الذاكرة الجماعية ونقل التجربة بإيجابياتها وسلبياتها للأجيال القادمة. من جانبه أكد المدير العام للمؤسسة جهاد عبده في حفل الافتتاح أن السينما هي الصوت الذي يعبر عن آلام الشعب السوري، والو سيلة التي ستنقل رسالة الثورة إلى مختلف أرجاء العالم، مشيراً إلى أن التظاهرة تمثل نقلة نوعية للسينما السورية التي تفتح أبوابها اليوم للجميع بعد سنوات من القمع والرقابة الأمنية، وقال: "إن من واجب السينمائيين انتاج أعمال تليق بتاريخ سوريا وحضارتها وتعرّف العالم بما جرى فيها".
عُرض في الافتتاح فيلم "المترجم" الروائي الطويل وهو من إخراج: أنس خلف ورنا زكزك، بطولة ممثلين من سوريا وفلسطين ولبنان والأردن ومنهم: زياد بكري- فارس الحلو- سوسن أرشيد- رمزي مقدسي- يمنى مروان- كمال الباشا- دايفيد فيلد وميراندا تابسيل.، بعد عرضه في عدة دول ومنصات رقمية و مهرجانات عالمية وحصوله على جوائز.
يبدأ الفيلم وقبل شارته بشعار يردده متظاهرون "بدنا حرية. بدنا كرامة" وينتهي بـه. تدور أحداثه في ثمانينات القرن الماضي، عندما يشهد "سامي وزيد" الشقيقان الصغيران اعتقال والدهما عام 1980 إثر مظاهرة تنادي بالحرية والكرامة، ومنذ ذلك الوقت لم يُعرف أي شيء عن مصيره. تنتقل الأحداث لاحقاً إلى عام 2000 حيث يعمل بطل العمل مترجماً في دورة الألعاب الأولمبية في سيدني، وخلال ترجمته لسؤال يتناول جدلاً سياسياً حول تعديل الدستور خلال دقائق في بلده ليصبح بشار الأسد وريثاً لحكم أبيه، يُجري تعديلاً بسيطاً على النص الأمر الذي يثير مخاوفه من العودة إلى دمشق ويدفعه لطلب اللجوء والبقاء في أستراليا.
ومع انطلاق الثورة السورية عام 2011 يبدأ الشاب "سامي" بمتابعة تفاصيلها الأولى من مظاهرات واحتجاجات إلى أن يصله خبر اعتقال أخيه فيقرر العودة سراً إلى سوريا عبر لبنان برفقة صديقه الصحفي الأجنبي، ومنذ دخوله إلى أراضيها تبدأ دوامة العنف بالظهور أمامه بشكلها الوحشي، حيث يشهد مقتل المصور "جاد" وصديقه الذي رافقه فيبقى وحيداً محاولاً الوصول إلى منزل أخيه، ويكتشف أن أحد أزلام النظام قد احتلّه وسكن فيه، ومنذ ذلك الوقت يعيش لحظات رعب حقيقية وسط الدوريات العسكرية المنتشرة في كل مكان والقنّاص الذي يتمركز فوق سطح البناء ويقتل كل من يتحرك في الشارع. ينخرط فيما بعد في المظاهرات والاحتجاجات إلى جانب زوجة أخيه، ويصور مقطعاً يطالب فيه المجتمع الدولي بالتدخل للإفراج عن المعتقلين أملاً بإنقاذ شقيقه من السجن والتعذيب، لكن محاولاته تبوء بالفشل والخذلان. يذهب بعدها لزيارة الرياضي الذي كان معه في الألعاب الأولمبية قبل سنين، ليسأله عن أخيه "زيد" فيشي به ويُعتقل من قبل أجهزة أمن النظام الإجرامية، وفي المشاهد الأخيرة يطلب منه الضابط الاعتذار علانية على الشاشة وأمام الكاميرات مقابل إطلاق سراحه وسراح شقيقه وزوجته، يجلس أمام الكاميرا ليقرأ ما كُتب له إلا أنه لا يستطيع الكذب وخيانة مبادئه ويختار العودة إلى نقطة البداية ويصرخ أمام جلاديه: "بدنا حرية. بدنا كرامة".
يُعتبر هذا العمل السينمائي إنجازاً هاماً لأنه أول عمل روائي يجسّد تفاصيل الثورة بهذه الطريقة، ويقدم سردية فنية وصورة حقيقية لها، ويرسم ملامح الواقع السوري كما هو في تلك المرحلة، ويعكس الصراعات الداخلية التي عاشها السوريون، ويوثّق الحرب والاحتجاجات والاعتقالات التعسفية وقتل المتظاهرين السلميين والمدنيين العُزّل، وهو وغيره من الأفلام المشابهة بمثابة سفير ينقل صورة المجتمع السوري وثقافته وتطلعاته وتضحياته الخيالية إلى العالم بأسره.
ركزّ الفيلم على النص وجوهر الأفكار دون اللجوء إلى الاستعراض البصري والفني، والتزم بإظهار الحقائق كما هي، وعرض مشاهد تم تصويرها وكأنها توثيقية، لاسيما ما يتعلق منها بعمليات قنص الأبرياء التي لجأ إليها النظام وأجهزته القمعية في المدن والبلدات الثائرة، والمظاهرات وما جرى فيها من انتهاكات بحق المتظاهرين. وكان أداء الممثلين هادئاً وواقعياً بعيداً عن المبالغة والانفعالات المجانية، منضبطاً ضمن إيقاع بطيء ومشاهد طويلة بلا مبررات درامية وفنية أحياناً.
بعد عرض "المترجم" مباشرة جرى نقاش مطول مع مخرجه، حول توثيق الذاكرة وتجربة الحرب والهجرة والنزوح وقدرة السينما والدراما عموماً على تجسيد الجرائم والأهوال التي تعرض لها السوريون على يد النظام المجرم وحلفائه وميليشياته الطائفية. وقد أكد مخرجه على أن العمل استغرق أكثر من ثماني سنوات لإنجازه، وذلك بسبب صعوبات مالية ولوجستية كبيرة، و تسارع الأحداث في سوريا آنذاك، وصعوبة إيجاد ممثلين سوريين قادرين على المشاركة دون خوف من الاعتقال والتصفيات. كما تحدث عن أهميته وعن ظروف تصويره في الأردن وما ترتب عن ذلك من أعباء ومعاناة، وقال: "لقد تم عرض الفيلم في دور السينما العالمية عام 2021، واليوم يُعرض لأول مرة في بلده الأصلي، وهذا حلم قد تحقق".
عبّر "المترجم" عن جزء بسيط من آلام وأوجاع وذكريات السوريين خلال خمسة عقود من حكمٍ شمولي أطبق على البلاد وأهلها، ونقل بعضاً من الدمار الذي شهدته سوريا الساعية اليوم للنهوض وانصاف الضحايا وذويهم وتحقيق العدالة وسيادة القانون رغم التحديات والصعوبات.
وعرضه بدمشق كان حلماً فعلاً وقد تحقق.


