سوريا - اقتصاد
أموال العملاء خط أحمر.. كيف يعيد المركزي رسم سوق الدفع الإلكتروني؟
مصرف سورية المركزي يفرض قواعد جديدة على الترخيص ورأس المال والضمانات، ويُلزم الشركات بفصل أموال العملاء وتشديد متطلبات الأمان والرقابة.
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٢٣ سبتمبر ٢٠٢٦، ٠٩:٥٧
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

خطوة لن تمر مرور الكرام على قطاع التكنولوجيا المالية في سوريا: أصدر مصرف سورية المركزي حزمة من خمسة أطر تنظيمية شاملة، تعيد رسم ملامح سوق الدفع والتحويل الإلكتروني من شروط الترخيص ورأس المال، مروراً بالضمانات المالية، وصولاً إلى آليات حماية أموال العملاء وتصويب أوضاع الشركات العاملة أصلاً في السوق.
هذه الحزمة تأتي استكمالاً لنظام الدفع والتحويل الإلكتروني الذي أقرته الأمانة العامة لرئاسة الجمهورية بالقرار رقم 1124 في 18 آب 2026، ثم تُرجم إلى تعليمات تنفيذية بقرار لجنة إدارة المصرف المركزي رقم 616/ل.
بوابة الدخول إلى السوق ليست سهلة
من يريد دخول هذا السوق عليه اجتياز مسار متعدد المراحل. البداية تكون بـ"موافقة مبدئية" تمنح الشركة مهلة لاستكمال متطلباتها القانونية والمالية والتقنية، لكنها لا تعني إطلاقاً الترخيص بممارسة النشاط الفعلي.
فالمتقدم مطالب بتقديم خطة عمل ودراسة جدوى تمتد لثلاث سنوات، إلى جانب بيانات تفصيلية دقيقة عن المؤسسين والمساهمين والمستفيدين الفعليين، وإثبات الملاءة المالية والتحقق من السجل الجنائي والملاءة المالية والالتزامات القانونية والمصرفية— مع شروط إضافية مشددة على الشركات الأجنبية وفروعها العاملة في سوريا.
وحتى بعد اكتمال الأوراق، لا ينتهي الامتحان: فالنظام التقني والتشغيلي للشركة يخضع لاختبارات جاهزية صارمة قبل السماح لها بمزاولة الخدمة، ويحق للمصرف المركزي تشكيل لجنة مختصة أو الاستعانة بجهة تحقق مستقلة — على نفقة الشركة نفسها — لفحص أمن المعلومات، ومنظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وإدارة المخاطر، واستمرارية الأعمال، وحماية البيانات، وآليات التعامل مع شكاوى العملاء.
رأس المال.. سلّم يرتفع مع حجم الطموح
لم تضع التعليمات رقماً واحداً لرأس المال، بل درّجته بحسب طبيعة الخدمة: 20 مليون ليرة سورية كحد أدنى لخدمة معلومات الحسابات، ترتفع إلى 50 مليوناً لمعظم خدمات الدفع والحوالات الداخلية، ثم إلى 100 مليون للحوالات الخارجية. أما شركات النقود الإلكترونية فمطالبة بـ300 مليون ليرة إن كانت صغيرة، و750 مليوناً إن كانت كبيرة، فيما يصل الحد الأدنى لرأس مال مشغّل أو مدير نظام الدفع إلى مليار ليرة سورية كاملة.
واللافت أن الأمر لا يتوقف عند هذا الحد الأولي: فالتعليمات تفرض إعادة احتساب رأس المال المطلوب سنوياً بحسب حجم العمليات الفعلي، عبر شرائح مرتبطة بمتوسط النشاط. بمعنى آخر، كل توسع في حجم الأعمال يستتبعه ارتفاع في المتطلبات الرأسمالية، أي أن الشركة لا تبقى عند الحد الأدنى من رأس المال مع توسع حجم عملياتها. ويصف خبير أنظمة المعلومات وائل شربا هذا التدرج بأنه من أبرز نقاط القوة في الحزمة، كونه يربط المتطلبات المالية مباشرة بحجم النشاط ومستوى المخاطر.
أموال العملاء خط أحمر
هنا يكمن جوهر الحماية التي تقدمها الحزمة. فالشركات التي تحتفظ بأموال العملاء أو بأرصدة نقود إلكترونية ملزمة بفتح "حساب ضمان" مستقل لدى مصرف معتمد من المركزي، على أن يغطي رصيده في كل الأوقات كامل الالتزامات الفعلية تجاه العملاء بنسبة 100% — سواء كانت أرصدة نقود إلكترونية، أو مبالغ مدفوعة مسبقاً، أو أموالاً لم تُنفَّذ أو تُسوَّ بعد أو تُرد إلى أصحابها.
وتمنع التعليمات صراحة استخدام هذه الأموال لتمويل نفقات الشركة أو سداد التزاماتها، بل وتحظر رهنها أو توظيفها كضمان للكفالات. كما تفرض مطابقة يومية دقيقة بين سجلات الشركة وحسابات الضمان والتسوية، وفي حال ظهور أي نقص، يجب تغطيته فوراً من أموال الشركة الخاصة خلال يوم عمل واحد على الأكثر، مع إبلاغ المصرف المركزي بالإجراء التصحيحي المتخذ.
ويعتبر شربا أن هذا الفصل الصارم بين أموال العملاء وأموال الشركة يمثل طبقة أساسية من الحماية، لأنه يمنع انتقال المخاطر التشغيلية للشركة إلى جيوب المستخدمين.
الكفالات المصرفية.. طبقة حماية إضافية
لا يكتفي النظام بحساب الضمان، بل يضيف طبقة أخرى عبر الكفالات المصرفية المتدرجة بحسب طبيعة النشاط ومستوى مخاطره. فشركات خدمات الحوالات مطالبة بكفالة لصالح المصرف المركزي، تحدد قيمتها وفق الأعلى بين 30% من رأس المال المطلوب أو قيمة التعرض المالي غير المغطى الذي تظهره اختبارات الضغط.
أما بقية الخدمات، فتُحدَّد ضماناتها بناءً على معايير أدق: حجم العمليات، وأعلى تعرض يومي، وصافي المركز المدين، ودورة التسوية، ومخاطر التشغيل ومخاطر الأطراف المقابلة. وللمصرف المركزي صلاحية رفع هذه الضمانات كلما رأى أن حجم النشاط أو مستوى المخاطر يستدعي ذلك، مقابل إمكانية تخفيضها في حالات محددة مرتبطة بالتسوية الفورية والنهائية عبر أنظمة الدفع الوطنية مع بقاء حساب ضمان أموال العملاء خارج أي تخفيض، إذ يظل خاضعاً لشرط التغطية الكاملة دون استثناء.
وماذا لو تعثرت الشركة؟
وضعت الحزمة سيناريو واضحاً لحالات التعثر: يحق للمصرف المركزي استدعاء الكفالة كلياً أو جزئياً في حالات عدة، أبرزها عجز الشركة عن إعادة أموال العملاء أو تسوية التزاماتها، أو عدم معالجتها لنقص في الضمانات، أو تعليق ترخيصها أو إلغائه، أو دخولها في التصفية أو الإعسار، أو عدم تجديد الكفالة أصلاً.
وتُستخدم حصيلة الكفالة أولاً لحماية العملاء وتسوية التزاماتهم، فيما تبقى الشركة مسؤولة عن أي التزامات متبقية، ومطالَبة بإعادة تكوين الضمان خلال خمسة أيام عمل فقط من استخدامه.
مهلة للتوفيق.. لا سوق يبدأ من الصفر
لم تتجاهل التعليمات الشركات العاملة أصلاً في السوق. فالشركات التي كانت تعمل بموافقات سابقة مطالبة بتوفيق أوضاعها مع القواعد الجديدة، بينما تُمنح الجهات التي كانت تمارس النشاط من دون ترخيص مساراً لتصويب وضعها، ضمن خطة لا تتجاوز ستة أشهر. ويمكن لهذه الشركات مواصلة نشاطها القائم أثناء دراسة طلبها، لكن دون الحق في إطلاق أي خدمة جديدة قبل الحصول على الموافقة النهائية عليها.
أما شركات الاتصالات الراغبة في دخول مجال الدفع، فعليها تأسيس كيان قانوني مستقل مخصص لهذا الغرض، والخضوع لكامل متطلبات الترخيص كأي شركة أخرى.
بين النص والتطبيق.. أين تكمن العقبات؟
رغم شمول الحزمة، يشير شربا إلى أن نجاحها الفعلي مرهون بصدور تعليمات فنية مكمّلة، خصوصاً ما يتعلق بمنهجية اختبارات الضغط المستخدمة لتحديد بعض الضمانات. كما يلفت إلى أن سقف المليار ليرة المحدد لرأس مال مشغّل نظام الدفع قد يحتاج لإعادة تقييم مستقبلاً مع اتساع النشاط وتعاظم حساسية دوره داخل منظومة المدفوعات ككل.
الاختبار الحقيقي لم يبدأ بعد
تضع هذه الحزمة إطاراً شاملاً لتنظيم سوق الدفع الإلكتروني في سوريا، يرافق الشركة من لحظة دخولها السوق وحتى مراقبة نشاطها وحماية أموال عملائها في حالات التعثر. لكن النصوص وحدها لا تصنع سوقاً رقمية آمنة؛ فالاختبار الحقيقي سيكون في التطبيق، وفي قدرة الشركات على تأمين رأس المال والأنظمة والكوادر، وفي سرعة صدور التعليمات الفنية المكملة، وفي قدرة الرقابة الميدانية على ضمان الالتزام بالقواعد.
وهنا تحديداً ستتحدد النتيجة: هل تنجح القواعد الجديدة في بناء الثقة بالدفع الإلكتروني، أم تتحول كثافة المتطلبات التنظيمية إلى حاجز أمام توسع السوق؟


