سوريا - محليات
بين المعونة والتمكين..اقتصاد الخير على المحكّ في " مهد" الثورة السورية
ا
العين السورية - درعا - ليلى حسين
نشر في: ١٣ مايو ٢٠٢٦، ١٢:٣٠
3 دقيقة
2

لا مناص من تجسيد أكبر لمفهوم التكافل الاجتماعي في معظم المحافظات والمدن السورية، فبلد تحرر باقتصاد مُدمّر يبدو بأمس الحاجة لتعزيز ما يسمى " اقتصاد الخير".. فالمصطلح هنا لم يعد حالة استعراضية، بل استحقاق مجتمعي قبل أن يكون استحقاق حكومي.
ولعل درعا أحد الأمثلة القريبة لترجمة حجم الحاجة للتكافل، واضطلاع رجال الأعمال بدور ومسؤولية اجتماعية أكبر.. لأنها محافظة العائدين إلى بيوت مهدمة، لم يجدوا منها سوى " الأطلال".. فهي مهد الثورة.. وتم استهدافها بتدمير ممنهج من قبل آلة الحرب التي أدارها النظام الساقط على شعبه.
الأكثر تضرراً
تؤكد مديرة الشؤون الاجتماعية والعمل، المهندسة دانيا مفعلاني، أن الواقع المعيشي في درعا صعب ، مشيرة إلى أن الفئات الأكثر تضرراً اليوم هي الأرامل وذوو الإعاقة وكبار السن والفئات الهشة، في ظل اتساع دائرة الفقر وتراجع القدرة الشرائية بشكل غير مسبوق.

وتقول في حديثها لـ"العين السورية": إن الظروف الاستثنائية للمحافظة – خصوصاً المدينة - أثرت بصورة مباشرة على الأسر والأطفال، حيث باتت عائلات كثيرة تعاني في تأمين الاحتياجات الأساسية أو متابعة تعليم أبنائها.
العمل الخيري في إطار محدود
وتوضح مفعلاني أن عدد الجمعيات المرخصة في المحافظة يبلغ 119 جمعية و35 مؤسسة تعمل في مجالات متعددة، أبرزها توزيع السلل الغذائية، إلى جانب دورات تدريبية شبه مجانية تشمل الإسعافات الأولية وإعداد المدربين والدروس التعليمية لطلاب التاسع والبكالوريا والحساب الذهني، فضلاً عن خدمات صحية تقدمها بعض الجمعيات كالمعاينات المجانية وتأمين أدوية لمرضى السرطان.
لكنها تؤكد أن العمل الخيري الحالي غير كافٍ إطلاقاً مقارنة بحجم الاحتياج، مضيفة أن أبرز التحديات التي تواجه الجمعيات تتمثل في نقص الخبرات وضعف التشبيك والكفاءات الإدارية، وهو ما تعمل المديرية على معالجته عبر التدريب وربط الجمعيات بالمنظمات الدولية واستقطاب ممولين لمشاريع جديدة.
بين الإغاثي والتمكيني
أما معاون مدير الشؤون الاجتماعية والعمل، راتب الحايك، فيرى أن الحل لا يمكن أن يبقى محصوراً بالسلال الغذائية والمساعدات الطارئة، بل يجب أن يتجه نحو "اقتصاد تمكيني" ينقل العائلات من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج.

ويشير في حديثه لـ"العين السورية" إلى أن مشاريع صغيرة مثل صناعة المخللات والمنظفات أو مهن الحلاقة يمكن أن تصنع فارقاً حقيقياً للأسر الفقيرة، مؤكداً أن الوزارة تضع ضمن خطتها الاستراتيجية دعم مشاريع سبل العيش وتمكين الأسر اقتصادياً، رغم أن التطبيق ما يزال محدوداً حتى الآن.
ويضيف الحايك أن المديرية تعمل على تنظيم العلاقة بين الجمعيات والقطاع الخاص وتقديم التسهيلات لرجال الأعمال الراغبين بالمساهمة، معتبراً أن الشراكة بين المجتمع المحلي والجمعيات والدولة ضرورة لتحسين الواقع المعيشي.
مبادرات خجولة
ورغم حجم الحاجة، يلاحظ كثيرون تراجع المبادرات الفردية والعمل الأهلي مقارنة بالسنوات الماضية. ويكشف الحايك أن أحد رجال الأعمال فقط نفذ هذا العام مبادرة كبيرة استهدفت الأرامل والأسر الأشد فقراً، عبر توزيع نحو 32 ألف سلة غذائية بالتعاون مع الجمعيات.
الشارع يسأل
ورغم ذلك، يبقى سؤال الشارع حاضراً بإلحاح: أين دور رجال الأعمال والميسورين من هذا الواقع المتفاقم؟
فبحسب ما يراه الأهالي، لا تزال مساهمات أصحاب رؤوس الأموال محدودة ومتقطعة، وغالباً ما تأتي ضمن مبادرات فردية لا ترتقي لحجم المطلوب. ويؤكد كثيرون أن المطلوب اليوم ليس مجرد دعم موسمي، بل مشاركة فعلية في مشاريع إنتاج وفرص عمل تضمن استمرارية الدعم، بدلاً من الاكتفاء بالمساعدات المؤقتة.
وقائع صعبة
في المقابل، تبدو شكاوى الأهالي أكثر قسوة من الأرقام نفسها.
فالعم حسين بجبوج من درعا البلد يقول لـ"العين السورية": إن ما يحدث اليوم بات لا يخلو من القسوة، وأن الناس اليوم لا تحتاج كلمات تعاطف، بل من يقف معها فعلاً.
ومن بلدة تل شهاب، يقول إبراهيم خالد عيشات (65 عاماً): زمان كان الفقير يجد سنداً من جاره أو قريبه، أما اليوم فالكل غارق بهمه. هناك عائلات تعيش بالكامل على الدين، وشباب متعلمون بلا عمل ولا أفق.
ومن حي الكاشف، يصف ثابت محمد مسالمة الواقع بأنه صعب، قلائلاً بلهجته العامية: "درعا مو مثل قبل، فلولا لطف الله ودعم المغتربين كانت درعا اليوم تحت خط الفقر، لأن التحويلات صارت صمام أمان لكثير من العائلات، رغم إنها كمان ما عادت تكفي قدام الغلا والوضع الصعب."
يعني كل مغترب عم يحاول قد ما بيقدر يخفف عن أهله ويوقف معهم على قد ما في استطاعته، بس حجم الحاجة صار أكبر بكثير من أي دعم فردي.
محكومون بالأمل
بين الجمعيات والميسورين والمؤسسات الرسمية، يبقى الأمل معلقاً على فكرة واحدة: أن يتحول الخير من مساعدة مؤقتة تبقي الناس على قيد الاحتمال، إلى مشروع حياة يعيد لهم كرامتهم وقدرتهم على العيش.


