سوريا - مجتمع
"أُسر مؤجّلة" .. من هناك مرّت الحرب والدمار
ا
العين السورية - درعا - ليلى حسين
نشر في: ٢٢ يوليو ٢٠٢٦، ٠٦:٥٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لا تبدأ حكاية الزواج في درعا اليوم بخاتمٍ أو موعدٍ لقراءة الفاتحة، بل بورقةٍ وقلم وحساباتٍ لا تنتهي. كم يبلغ سعر الذهب؟ كم يحتاج إيجار المنزل؟ كم ثمن غرفة النوم؟ وكم سنةً يحتاج الشاب لجمع كل ذلك من راتب قد لا يكفي حتى نهاية الشهر؟
هكذا تحوّل الطريق إلى الزواج من مناسبة ينتظرها الشباب بفرح، إلى معادلة اقتصادية معقدة يعجز كثيرون عن حلها. فكلما اقترب موعد تحقيق الحلم، ازدادت قائمة التكاليف، حتى أصبح السؤال في درعا ليس: "متى ستتزوج؟" بل: "هل تستطيع أن تتزوج أصلاً؟"
حكايات متشابهة
تتشابه الحكايات في محافظة درعا، وإن اختلفت الأسماء. فالشباب الذين التقتهم "العين السورية" يجمعون على حقيقة واحدة: أن الدخل لم يعد قادراً على ملاحقة تكاليف الحياة، فضلاً عن تكاليف الزواج.
يقول أحمد محمد الدهون (31 عاماً)، الذي يعمل في أحد المطاعم بمدينة درعا: "لم يعد العمل يعني القدرة على الزواج كما في السابق، فارتفاع تكاليف المعيشة جعل الراتب يذهب لتأمين الاحتياجات الأساسية، دون أن يترك للشاب فرصة لادخار ما يكفي لتأسيس منزل أو بدء حياة جديدة".
أما ياسين علي الحريري (35 عاماً)، فيعمل نحو 16 ساعة يومياً، لكن ساعات العمل الطويلة لم تمنحه الاستقرار الذي يبحث عنه، ويقول: "كيف سأجمع تكاليف الزواج وأنا بالكاد أستطيع إعالة أهلي؟"، مشيراً إلى أن إيجار منزل متواضع في مدينة درعا لا يقل عن 250 دولاراً شهرياً، عدا عن تكاليف الذهب وتجهيز المنزل وسائر النفقات. ويؤكد أن هذه الظروف تدفعه إلى تأجيل الزواج حتى يتمكن من تأمين حياة كريمة، لأنه لا يريد أن يكرر المعاناة التي عاشتها أسرته.
مغامرة
أما محمد مقبل (29 عاماً) من بلدة غصم، فلم يؤجل الزواج بل خاض التجربة، ليجد نفسه في مواجهة ضغوط معيشية متزايدة. يقول إنه يعمل في دوامين متتاليين في محل للحلويات لتأمين إيجار المنزل ومصاريف أسرته، إلا أن ضغط العمل استنزفه ولم يعد يجد وقتاً للراحة أو لحياته الشخصية، مضيفاً: "أعمل طوال اليوم، ومع ذلك لا أشعر أنني أعيش حياة كريمة".
ولا تبدو الصورة أكثر تفاؤلاً لدى إياد الساعدي، وهو أب لشابين مقبلين على الزواج، إذ يقول إنه لم يعد قادراً على تحمل تكاليف تزويجهما، وإن على كل شاب اليوم أن يعتمد على نفسه في تأمين مستقبله. ويؤكد أن السبب الرئيسي لتأخر الشباب في الزواج هو تراجع الوضع المعيشي وضعف فرص العمل، مشيراً إلى أن الشاب الذي لا يملك دخلاً ثابتاً لن يستطيع تأسيس أسرة مهما كانت رغبته في الزواج.
من هنا مرّت الحرب
ويرى حافظ الخطيب (42 عاماً) أن الحرب لم تدمر الأبنية والبنية التحتية فحسب، بل حطمت أيضاً أحلام جيل كامل من الشباب الذين وجدوا أنفسهم يبدأون حياتهم من الصفر دون عمل مستقر أو مصدر دخل ثابت. ويؤكد أن السكن والدخل والاستقرار الوظيفي تشكل اليوم أبرز العقبات أمام الزواج، لافتاً إلى أن كثيراً من الشباب لم يعودوا قادرين حتى على شراء غرفة نوم، فيما ارتفعت إيجارات المنازل إلى ما لا يقل عن 250 دولاراً شهرياً في كثير من الحالات رغم تواضعها. ويشدد على أن دعم المشاريع الصغيرة وخلق فرص عمل حقيقية يمثلان المدخل الأساسي لتشجيع الشباب على بناء مستقبلهم وتأسيس أسرهم.
وتتجسد هذه المعاناة أيضاً في قصة ربيع الشحادات من مدينة داعل، الذي يقول إنه عندما تقدم لخطبة فتاة، فوجئ بأن أهلها طلبوا 50 غراماً من الذهب مهراً مقدماً، إلى جانب بقية مستلزمات الزواج. ويبتسم ساخراً وهو يستعيد الموقف قائلاً: "شعرت أنني دخلت في صفقة أكثر من كوني مقبلاً على الزواج". ويضيف أن محافظة درعا عرفت منذ سنوات ارتفاعاً في المهور، إذ لم تعد كثير من العائلات تحدد المهر بمبلغ مالي، بل بالليرات الذهبية أو عشرات الغرامات من الذهب، بل إن بعضها يطلب أونصات كاملة، وهو ما يجعل كثيراً من الشباب يعيدون التفكير مراراً قبل الإقدام على الزواج. كما يؤكد أن كثيرين ينتظرون فرصة عمل حكومية أو التطوع في الأجهزة الأمنية أملاً في الحصول على دخل ثابت، إلا أن هذا الدخل لم يعد كافياً لتأسيس منزل أو تحمل أعباء الزواج في ظل الغلاء المتواصل.
فجوة اقتصادية
وترى الباحثة الاقتصادية ونائب عميد كلية الاقتصاد الثانية في درعا، الدكتورة منال الشياح، أن المشكلة لا تكمن في تراجع رغبة الشباب بالزواج، بل في اتساع الفجوة بين الدخول وتكاليف تأسيس الأسرة. وتوضح أن ارتفاع تكاليف السكن والذهب والأثاث، إلى جانب تراجع القوة الشرائية وضعف سوق العمل، انعكس على انخفاض معدلات الزواج وارتفاع متوسط عمر الزواج، كما طال أثره قطاعات اقتصادية مرتبطة بالزواج مثل محال الذهب والأثاث والألبسة وصالات الأفراح.
وتؤكد أن معالجة الظاهرة تبدأ بتحسين الواقع الاقتصادي، وخلق فرص عمل مستقرة، ورفع مستويات الدخل، وتوفير حلول لأزمة السكن، إلى جانب ترسيخ ثقافة التيسير في المهور وتكاليف الزواج.
العادات حكمت والظروف حتّمت
ومن الجانب القانوني والاجتماعي، تؤكد المحامية صفاء المقداد أن تأخر الزواج في درعا لا يعكس تراجع رغبة الشباب في تكوين أسرة، بل هو نتيجة مباشرة لتراكم ظروف اقتصادية واجتماعية. وتشير إلى أن ارتفاع تكاليف الزواج من المهر وتجهيز المنزل إلى الإيجار، بالتزامن مع محدودية فرص العمل وضعف الدخل، جعل تأسيس أسرة أمراً بالغ الصعوبة. كما أسهمت هجرة أعداد كبيرة من الشباب في تأجيل هذه الخطوة أو البحث عن فرص خارج البلاد. وتضيف أن بعض العادات الاجتماعية وارتفاع سقف التوقعات لدى بعض الأسر يزيدان من تعقيد المشكلة، مؤكدة أن الحل لا يكون بالدعوة إلى الزواج فحسب، بل بإزالة العوائق التي تمنع الشباب منه، عبر تحسين الواقع الاقتصادي، وتخفيف الأعباء المالية، وتشجيع المجتمع على التيسير في متطلبات الزواج.
وبين شهادات الشباب وتحليلات المختصين، تتضح حقيقة واحدة، وهي أن شباب درعا لم يتخلوا عن حلم الزواج، لكنهم وجدوا أنفسهم أمام واقع جعل تأسيس أسرة يحتاج إلى إمكانات تفوق قدرتهم. وبين راتب لا يكفي، وسكن يلتهم الدخل، ومهور ترتفع عاماً بعد آخر، يبقى الحلم بالنسبة إلى كثيرين... مؤجلاً حتى إشعار آخر.


