سوريا - سياسة
طروحات دمشق وخيارات الموقف الإسرائيلي.. اتفاق أمني أم سلام شامل؟
أ
أحمد الكناني
نشر في: ٣١ يوليو ٢٠٢٦، ٠٨:٣٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

أعادت تصريحات الرئيس أحمد الشرع مسار المفاوضات مع الجانب الإسرائيلي إلى واجهة الملفات العالقة في سوريا، وما يترتب عليها من تداعيات إقليمية، فمنذ الثامن من ديسمبر/كانون الأول 2024، واصلت إسرائيل توغلاتها في عمق الأراضي السورية، في حين أكدت دمشق أن أي تفاهمات أمنية أو سياسية لن تكون ممكنة من دون انسحاب إسرائيل من النقاط التي توغلت فيها عقب سقوط النظام.
ركز الرئيس الشرع في حديثه الأخير على أن دمشق تعمل للتوصل إلى اتفاق أمني مع إسرائيل، بمشاركة عدد من الدول، بوصفه مدخلاً إلى سلام شامل، في تصريحات حملت مؤشرات سياسية متقدمة تعكس قبولاً سورياً بمبدأ السلام مع إسرائيل، إلا أن الرئيس الشرع ربطه بعدم المساس بحقوق سوريا وسيادتها على الجولان المحتل، وهو ما يتعارض مع الموقف الإسرائيلي الذي يعد الجولان جزءاً من أراضيه، الأمر الذي يثير تساؤلات حول الخيارات المتاحة أمام دمشق بين الاكتفاء باتفاق أمني أو المضي نحو سلام شامل.
خيارات أمنية
لا شك بوجود تباين جوهري بين الاتفاق الأمني وعملية السلام من حيث طبيعة العلاقة بين سوريا وإسرائيل، فقد ركز الرئيس الشرع على أن الاتفاق الأمني يمثل بوابة لتحقيق السلام، إلا أن ذلك يفرض في الوقت نفسه تحديات سياسية وأمنية أمام دمشق.
يشير الخبير في الشؤون الأمنية والاستراتيجية عزيز موسى، إلى أن الاتفاق الأمني هو ترتيب تقني وعملياتي يركز على الانسحاب من الأراضي السورية، ووضع آليات لخفض التصعيد، والتنسيق الميداني على خطوط التماس، وقد يشمل انسحابات جزئية تدريجية وصولاً للانسحاب الكامل، ولا تستلزم ذلك اعترافاً سياسياً متبادلاً، ولا فتح قنوات دبلوماسية.
أما عملية السلام بحسب موسى، تمثل مساراً سياسياً متكاملاً يقوم على الاعتراف المتبادل بالحدود والسيادة، وإقامة علاقات دبلوماسية كاملة، تشمل تبادل السفارات، وإبرام اتفاقيات اقتصادية وثقافية، إلى جانب حسم ملفات الأراضي المتنازع عليها بصورة نهائية، لافتاً إلى أن الحالة السورية تتجه بصورة أكبر نحو إمكانية التوصل إلى اتفاق أمني بضوابط محددة، وذلك يرتبط بمدى جدية الجانب الإسرائيلي في العملية التفاوضية، لا سيما في ظل رفض دمشق تقديم تنازلات تتعلق بالمنطقة العازلة أو توسيعها، وكذلك بالجولان السوري المحتل.
إدارة المخاطر
من جانبه، يشير الباحث في الشؤون الإسرائيلية محمد أبو شريفة إلى أن الاتفاق الأمني يمثل "إدارة ومأسسة للمخاطر"، تقوم على خفض التصعيد، ورسم الخطوط الحمراء، وتنظيم ترتيبات الحدود والمراقبة، في حين أن عملية السلام تعني إعادة هيكلة واستبدالاً شاملاً لمفهوم العداء لإسرائيل، وعليه يرى أن الانتقال المباشر إلى السلام في الحالة السورية يبقى خياراً غير واقعي، في ظل الرؤية الإسرائيلية التي تحمل تجاه سوريا طابعاً عدائياً وتوسعياً يرتبط بالتاريخ والواقع الراهن، وبالتالي أي اتفاق أمني سيظل مرهوناً بمدى المرونة السورية من جهة، وتراجع إسرائيل عن سياساتها التوسعية والعدائية من جهة أخرى.
مراوغة إسرائيلية
تشير مسارات التفاوض السورية-الإسرائيلية إلى غياب الجدية الإسرائيلية منذ مباحثات أذربيجان في 12 يوليو/تموز 2025، ثم لقاء باريس في 24 يوليو من العام نفسه، وفي هذا السياق يرى الخبير موسى أن التعاطي الإسرائيلي يتسم بالبرود التفاوضي وغياب الجدية، لا سيما مع رفع سقف المطالب الإسرائيلية التي تبدو أقرب إلى فرض الشروط بالقوة العسكرية، حيث تسعى إسرائيل إلى تثبيت مكاسبها الميدانية، سواء عبر قطع خطوط التواصل بين إيران و"حزب الله" عبر الأراضي السورية، أو من خلال استثمار ملف السويداء عبر شبكات متعددة، وهو ما يعكس غياب الإرادة الحقيقية للتوصل إلى تسوية.
بدوره، يعتقد الباحث أبو شريفة أن إسرائيل تسعى إلى فرض سلام دائم قائم على سياسة الأمر الواقع، من دون تقديم أي تنازلات جوهرية، كون العقيدة الأمنية الإسرائيلية تعتمد في الغالب على ترتيبات أمنية مؤقتة تضمن لها حرية الحركة الجوية والبرية عند الضرورة، من دون الالتزام بمعاهدات رسمية قد تقيد قدرتها على التدخل العسكري مستقبلاً، ومن ثم، يبقى ملف الجولان المحتل أبرز العقبات أمام أي سلام حقيقي، في ظل هيمنة اليمين على المشهد السياسي الإسرائيلي، حيث يُعد الانسحاب من الجولان خطاً أحمر غير قابل للنقاش.
سلام غير منطقي
على الرغم من طرح مفهوم السلام مع إسرائيل، فإنه يبدو، في الظروف الحالية، خياراً بعيداً عن الواقعية السياسية، فضلاً عن وجود محددات دستورية وقانونية تعيق المضي فيه.
يرى الخبير في الشؤون الأمنية موسى أن الوصول إلى سلام يتطلب أولاً توقيع اتفاق أمني يراعي ترتيبات خفض التصعيد والأمن الحدودي، إضافة إلى توفير شرعية دستورية وغطاء سياسي يتجاوز القرار التنفيذي الفردي، سواء عبر استفتاء شعبي أو تصديق من برلمان منتخب، وهو ما تفتقر إليه المرحلة الانتقالية الراهنة، كما يتطلب التزاماً إسرائيلياً بعدم استخدام ملفات داخلية، مثل السويداء، كورقة ضغط للاستثمار السياسي.
ويضيف موسى بأن إسرائيل ترفض بصورة قاطعة إدراج ملف الجولان على جدول التفاوض، باعتباره شرطاً مسبقاً غير قابل للنقاش، الأمر الذي يدل على أنها تعتبر نفسها معنية فقط باحتواء التهديدات الأمنية وليس الدخول في مسار يقود إلى اعتراف كامل بالسيادة السورية على حدودها.
من جهته، يؤكد الباحث أبو شريفة أن الجولان المحتل يشكل الإطار المرجعي والقانوني لأي عملية سلام، ولا يمكن تجاوز هذا الملف أو القفز فوقه، ويرى أن أي تسوية مستقبلية تتطلب صياغة حزمة مرنة لمعالجة قضية الجولان، تستند إلى ترتيبات سيادية، بالتوازي مع استعادة الدولة السورية احتكارها الكامل للسلاح والقرار السيادي، وتقديم ضمانات دولية بإنهاء العزلة الاقتصادية والسياسية المفروضة على دمشق، وعندها فقط تصبح السيادة والاعتراف المتبادل الركيزتين الأساسيتين لبناء سلام مستدام، بدلاً من الاقتصار على ترتيبات أمنية محدودة.


