سوريا - محليات
ادفع ثم اعترض أو لا تعترض أصلاً.. فاتورة الكهرباء تُفرض والاعتراض مضيعة للوقت!
ا
العين السورية
نشر في: ١٤ يونيو ٢٠٢٦، ١٥:٣٨
3 دقيقة

لم تعد علاقة المواطن في سوريا مع فاتورة الكهرباء علاقة خدمة عامة تقليدية يمكن مناقشتها بهدوء، بل تحولت إلى مسار واضح المعالم عنوانه الأبرز: ادفع أولًا، ثم فكّر بالاعتراض لاحقًا.
في الواقع، لم يعد أمام المواطن مساحة حقيقية للمناورة. فمع تشديد إجراءات التحصيل، والحديث الصريح عن سحب العدادات في حال تراكم ثلاث دورات غير مسددة، ومع توفر الدفع الإلكتروني كخيار شبه إلزامي، أصبح التأخير خيارًا مكلفًا لا يُنصح به. الدفع لم يعد قرارًا، بل ضرورة تفرضها المنظومة.
لكن المفارقة لا تكمن في الإلزام وحده، بل في ما يأتي بعده. فبعد الدفع، يبدأ سؤال آخر أكثر إزعاجًاً.. هل كانت الفاتورة دقيقة أصلًا؟
فاتورة مرتفعة… وإجابات غير مكتملة
في كثير من الحالات، يُفاجأ المواطن بقيم فواتير لا تتناسب مع نمط استهلاكه الفعلي، خصوصاً في ظل تفاوت التغذية الكهربائية بين منطقة وأخرى. هنا تبدأ رحلة الشك، ليس في المبدأ، بل في التفاصيل: قراءة العداد، طريقة التسجيل، أو التقدير المعتمد.
ومع غياب وضوح كافٍ في بعض الحالات، يصبح الرقم النهائي على الفاتورة أكثر من مجرد رقم… يصبح سؤالًا مفتوحاً بلا إجابة واضحة.
حق مشروع… وجدوى محدودة
"العين السورية "تابعت ذلك عن قرب خلال جولة على مؤسسة الكهرباء ووجدت أن نظرياً، باب الاعتراض مفتوح عبر “النافذة الواحدة”، ومئات المواطنين يتوجهون يومياً لتقديم طلباتهم. اعتراضاً على الأرقام الفلكية التي سجلتها الفواتير لكن عملياً، وحسب "مصادر معنية في المؤسسة " تبقى النتيجة أقل من التوقعات، إذ لا تتجاوز نسبة الاستفادة من الاعتراضات حدوداً لا تتجاوز 2% مقارنة بحجم الطلبات.
الأسباب تتكرر: صور غير واضحة للعداد، اختلاف في رقم التأشيرة، أو عدم تطابق دقيق في القراءة. ومع هذا التكرار، يتحول الاعتراض من أداة تصحيح إلى عبء إضافي على المواطن ومراكز الخدمة معاً.
خياران أحلاهما.. ادفع
أمام هذا الواقع، لا يملك المواطن الكثير من الخيارات:
إما الدفع لتفادي التراكم والإجراءات، أو الدخول في مسار اعتراض طويل غير مضمون النتائج وفي الحالتين، يبقى هو الطرف الذي يتحمل العبء الأكبر، سواء دفع أو اعترض..
يبدو أن المشكلة ليست في الدفع… بل في الطريق إليه: لا أحد يناقش ضرورة تنظيم قطاع الكهرباء أو استدامة الخدمة، لكن الإشكال الحقيقي يكمن في رحلة الوصول إلى الفاتورة نفسها:
قراءة غير دقيقة أحياناً، إدخال بيانات خاطئ، إجراءات اعتراض معقدة، ازدحام في المراكز، وغياب سرعة في المعالجة … كلها عناصر تجعل النظام يبدو ثقيلاً على المواطن حتى قبل أن يدفع.
إن أردت أن تُطاع… فاطلب المستطاع
في أي منظومة خدمية، تبقى قاعدة الإدارة البسيطة هي الأكثر عمقاً: إذا أردت أن تُطاع فاطلب المستطاع.
وهي قاعدة تبدو اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالمواطن الذي يدفع فواتير تفوق قدرته رغم الظروف الصعبة، لا يطلب إسقاط الفاتورة، بل يطلب ما هو أبسط: فاتورة مفهومة، قراءة دقيقة، واعتراض فعّال لا يتحول إلى رحلة طويلة بلا نتيجة.
دفعٌ محسوم… وإنصاف قيد الانتظار
المشهد اليوم واضح: الدفع أصبح واقعاً لا مفر منه.
لكن العدالة في الفاتورة، وسهولة الاعتراض، ووضوح الإجراءات ما زالت تحتاج إلى مراجعة حقيقية.
فحين يتحول الالتزام إلى إلزام، دون أن يقابله تبسيط كافٍ، تصبح العلاقة بين المواطن والخدمة علاقة ضغط لا علاقة ثقة.
وفي النهاية، تبقى الحقيقة الأهم: لا قيمة لأي نظام تحصيل قوي، إذا لم يكن واضحا لأن الاستدامة في الخدمات لا تتحقق بالتشديد وحده، بل بالتوازن بين القانون والواقع، وبين ما يجب أن يُطبق، وما يمكن أن يُحتمل..


