سوريا - اقتصاد
بوابات النفط السورية تُفتح لكبرى الشركات.. هل يعيد الاتفاق رسم خريطة الطاقة في الشرق الأوسط؟
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٥ أغسطس ٢٠٢٦، ١٥:٣٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في مشهد يحمل دلالات تجاوزت حدود الجيولوجيا إلى أعماق الجيوسياسية، أعلن الرئيس التنفيذي للشركة السورية للبترول ونظيره من شركة "إتش كي إن إنرجي" الأمريكية في حقل رميلان بالحسكة، ليعلنا بدء تنفيذ اتفاق لتأهيل أكبر حقول النفط السورية.
هذا الإعلان، الذي جاء بعد سنة وثمانية أشهر من التحرير، ليس مجرد صفقة خدمية لتطوير آبار، بل هو – وفق خبراء الطاقة - مؤشر استراتيجي على إعادة تشكيل تحالفات الطاقة في سوريا، واختبار حقيقي لقدرة الإدارة الجديدة على جذب الاستثمار الغربي في بيئة ما زالت تعج بالتحديات الأمنية والعقوبات المعلقة.
خاصيّة التوقيت
اللافت في هذا الاتفاق ليس مضمونه الهندسي فقط، بل توقيته وهويته – وفقاً لما يراه خبير طاقة سوري لـ " العين السورية". فبينما كانت الحقول النفطية السورية لسنوات ساحة تنافس بين قوى إقليمية ودولية (روسيا وإيران من جهة، وقسد وقوات التحالف من جهة أخرى)، يأتي هذا العقد مع شركة أمريكية خاصة لتعلن واشنطن، عبر ذراعها الاقتصادي، أنها تراهن على الاستقرار في المناطق الشرقية. فاختيار "إتش كي إن"، التي تملك خبرة في العراق، يشير إلى نموذج عمل قائم على "التشغيل المحلي" وليس الوجود العسكري، مما يعكس تحولاً في التكتيك الأمريكي من إدارة الأزمات عسكرياً إلى إعادة الإعمار عبر القطاع الخاص، مع الاحتفاظ بورقة الضغط الاقتصادية.
أما على الجانب السوري، فالإعلان عن هذا الاتفاق في مؤتمر صحفي داخل الحقل، وحضور مسؤولين محليين من الحسكة، يحمل رسالة مزدوجة: الأولى للسوريين بأن عوائد النفط ستعود لمناطقهم، والثانية للمجتمع الدولي بأن سوريا الجديدة منفتحة على الاستثمار الغربي، بعيداً عن الشركاء التقليديين (إيران وروسيا) الذين هيمنوا على قطاع الطاقة خلال العقد الماضي.
الطموح والواقع
تكشف التقارير عن فجوة هائلة بين ما كان عليه الحقل وما يسعى إليه. فإنتاج رميلان الذي بلغ 200 ألف برميل يومياً في سبعينيات القرن الماضي، انهار بسبب الحرب والإهمال والتدمير الممنهج للبنية التحتية. لذا فإن إعلان الجانبين عن استهداف الوصول إلى نفس الرقم تدريجياً هو اعتراف بأن الحقل لم يُستنفد جيولوجياً، بل دمّر إدارياً. ولكن السؤال الأكثر إلحاحاً الذي يطرحه الخبير هو: هل البنية التحتية الحالية، التي تعاني من تآكل خطوط الأنابيب ومشاكل معالجة المياه المصاحبة، قادرة على استيعاب قفزة إنتاجية من 110 آلاف برميل حالياً إلى 250 ألفاً بحلول 2027 وفق التوقعات ؟
الجدول الزمني المطروح (3 مراحل تمتد لـ 15 سنة) يبدو واقعياً من الناحية الفنية، لكنه طموح جداً من الناحية السياسية. فرفع الإنتاج يتطلب أكثر من مجرد حفر آبار، يحتاج إلى تأمين الطرق، وحماية المنشآت من الهجمات (سواء من فلول التنظيمات أو النزاعات المحلية)، وإعادة تأهيل مصفاة الحسكة، ناهيك عن تسويق النفط في ظل العقوبات الأمريكية المفروضة أصلاً على سوريا، وهو تناقض صارخ يُجمع عليه الخبراء وكل المهتمين بالتطورات الجارية: شركة أمريكية تستثمر في نفط سوري بينما العقوبات قائمة، مما يعني أن واشنطن قد تمنح استثناءات ضمنية لهذه الصفقة، أو أن العقد صُمم ليكون متوافقاً مع آلية "الإعفاءات الإنسانية" التي تسمح بتدفق الطاقة داخل السوق المحلية وليس للتصدير.
اختبار للثقة
التفاصيل المالية للعقد، التي تقضي بتصاعد حصة سوريا من 60% إلى 70% على ثلاث مراحل، تعكس نموذجاً شائعاً في عقود الخدمة النفطية، لكنه يحمل في طياته إشكالية، وهي أن الشركة الأمريكية تتحمل المخاطر التشغيلية الأولية (التأهيل والحفر) مقابل حصة أقل في السنوات الخمس الأولى، وهو ما قد يكون مغرياً للجانب السوري الذي لا يملك السيولة اللازمة للاستثمار المسبق.
لكن التحدي يكمن في آلية احتساب الأرباح والتكاليف، وهل ستكون الشفافية كافية لمنع أي نزاعات مستقبلية؟ خاصة أن تجارب سابقة في المنطقة (العراق وليبيا) أظهرت أن عقود تقاسم الإنتاج غالباً ما تتحول إلى ساحة جدال حول التكاليف المرفوعة، مما قد يهدد استمرارية الشراكة.
البعد الاجتماعي
والواقع أن تصريح رولينز عن استقطاب 90% من الكوادر من المجتمع المحلي، وتقديم رواتب تنافسية، هو أكثر من مجرد بند إنساني، إنه استراتيجية ذكية لنزع فتيل التوتر في منطقة تشهد نزاعات قبلية وقومية. إشراك أبناء الحسكة في عوائد النفط وتشغيلهم في وظائف تقنية ونوعية، قد يحول رميلان من بؤرة جذب للنزاعات إلى مركز للتنمية المحلية.


