سوريا - اقتصاد
بعد وصمة "الامتياز" الخارجة على القانون..أصول الدولة ستتحول إلى رافعة للاستثمار والتنمية
القاسم لـ"العين السورية ": قاعدة بيانات وطنية وخريطة استثمارية شاملة لأملاك الدولة في سورية
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٢ أغسطس ٢٠٢٦، ١٧:٠٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم يعد ملف أملاك الدولة بالنسبة للهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة مجرد ملف خدمي أو إداري، بل أصبح أحد الملفات الاقتصادية التي تعول عليها الدولة لإعادة تنظيم الأصول العامة وتعزيز مواردها.
فبعد سنوات طويلة من غياب الحصر الدقيق، وضعف العوائد، والعقود التي لم تعكس القيمة الحقيقية للأصول، تؤكد الهيئة أنها بدأت مرحلة جديدة عنوانها إعادة بناء هذا الملف وفق أسس علمية، وتحويل أملاك الدولة إلى مورد اقتصادي قادر على دعم الاستثمار والخزينة العامة.
وفي تصريح خاص لـ "للعين السورية "، أكد مدير الهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة عدنان القاسم، أن الهيئة تنظر إلى أملاك الدولة باعتبارها ثروة وطنية يجب أن تُدار وفق معايير اقتصادية حديثة، لا باعتبارها مجرد أراضٍ أو عقارات تدار بالأساليب التقليدية.
مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تشهد إعادة تأسيس شاملة لهذا الملف، بعد عقود من الإهمال والتشوهات التي انعكست على كفاءة إدارة المال العام.
نفع عام
وأوضح القاسم أن أملاك الدولة العامة تبقى مخصصة للنفع العام، ولا يجوز التصرف بها إلا بعد زوال هذه الصفة واستكمال جميع الإجراءات القانونية، بينما تخضع أملاك الدولة الخاصة لأنظمة الاستثمار والإدارة بما يحقق المصلحة العامة ويضمن تعظيم العائد الاقتصادي منها.
اختلالات كبيرة
وأضاف أن الهيئة، منذ مباشرتها العمل على هذا الملف، رصدت اختلالات كبيرة تراكمت عبر سنوات، في مقدمتها اعتماد بدلات إيجار متدنية استندت إلى تقييمات قديمة لم تعد تعكس القيمة السوقية الحقيقية للعقارات، الأمر الذي ألحق خسائر كبيرة بالخزينة العامة، إلى جانب استمرار العمل بعقود كانت تُمدد في كثير من الأحيان بصورة مكتبية دون إجراء كشف ميداني أو تقييم فعلي لواقع الاستثمار ومدى التزام المستثمرين بشروط العقود.
مراجعة
وأكد أن الهيئة بدأت مراجعة جميع العقود السابقة، والتحقق من مدى قانونيتها وجدواها الاقتصادية، وأن أي عقد يثبت أنه أضر بحقوق الدولة أو جاء نتيجة استغلال النفوذ أو خالف أحكام القانون سيخضع للمراجعة واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، بما يضمن استعادة حقوق الدولة وصون المال العام.
نفوذ وامتياز
وأشار إلى أن أعمال التدقيق الأولية أظهرت وجود عقارات وأراضٍ واسعة جرى الاستيلاء عليها أو استثمارها بعوائد لا تتناسب مع قيمتها الحقيقية، مستفيداً منها أصحاب نفوذ وشخصيات ارتبطت بالنظام السابق، ولا سيما في محافظتي ريف دمشق واللاذقية، إضافة إلى حالات أخرى في عدد من المحافظات، مؤكداً أن الهيئة ماضية في مراجعة هذه الملفات واستعادة حقوق الدولة وفق الأصول القانونية.
تحري عن البيانات
وأوضح القاسم أن الإصلاح الحقيقي لهذا الملف يبدأ من امتلاك بيانات دقيقة، ولذلك أطلقت الهيئة مشروعاً شاملاً لحصر وجرد أملاك الدولة في جميع المحافظات، بهدف بناء قاعدة بيانات متكاملة تحدد الوضع القانوني والفني والاستثماري لكل عقار، بما يتيح للدولة لأول مرة امتلاك صورة واضحة وشاملة عن أصولها العامة.
حصر وتشخيص
وكشف أن أعمال الحصر حققت تقدماً ملحوظاً، حيث تمكنت الهيئة حتى الآن من حصر ما يقارب 60 ألف عقار من أملاك الدولة، موضحاً أن هذا الرقم هو الذي تم حتى الان وهناك عقارات اخرى لم تحدد بعد و لا تزال أعمال الجرد مستمرة في عدد من المناطق التي لم تستكمل فيها إجراءات التوثيق ..
وأكد أن الهيئة لا تستهدف مجرد إعداد قوائم بالعقارات، وإنما تعمل على إعادة بناء منظومة الإدارة بالكامل، من خلال إعادة تقييم جميع الأصول وفق منهجيات علمية حديثة تراعي الموقع الجغرافي، وطبيعة الأرض، ونوعية التربة، والقرب من المدن والطرق والخدمات، إضافة إلى الاستخدام الأمثل لكل عقار، بما يضمن الوصول إلى قيمته السوقية الحقيقية بعيداً عن أي تقديرات عشوائية أو تدخلات شخصية.
وأضاف أن هذه المنهجية ستنعكس أيضاً على إعادة احتساب العوائد الاستثمارية، بما يحقق أفضل مردود ممكن للخزينة العامة، ويضمن إدارة أكثر كفاءة للأصول العامة، بدلاً من استمرارها بعوائد منخفضة لا تتناسب مع قيمتها الحقيقية.
خريطة وطنية
وكشف القاسم أن الهيئة تعمل بالتوازي على تنفيذ مشروع رقمي يعد الأول من نوعه لإعداد قاعدة بيانات وطنية وخريطة استثمارية شاملة لأملاك الدولة في سوريا، تتضمن معلومات دقيقة عن كل عقار، تشمل موقعه، ومساحته، وتصنيفه، ووضعه القانوني، وما إذا كان مستثمراً أو مؤجراً أو متعدى عليه، إضافة إلى تحديد أفضل الاستخدامات الاستثمارية الممكنة له.
وأوضح أن هذه المنظومة ستمنح المستثمرين وللمرة الأولى صورة واضحة عن الأصول المتاحة للاستثمار، وستختصر الوقت والإجراءات، وتوفر معلومات دقيقة تساعد في اتخاذ القرار الاستثماري، كما ستمنح الدولة قدرة أكبر على إدارة أصولها ومتابعة أي تغيير يطرأ عليها، ضمن قاعدة بيانات مركزية تعتمد على الرقمنة والشفافية.
حقوق الخزينة
وشدد القاسم على أن الهيئة لن تتهاون مع أي حالة تعدٍ على أملاك الدولة، مؤكداً أن جميع المخالفات التي يتم اكتشافها ستخضع للإجراءات القانونية، وأن كل أرض أو عقار ثبت الاستيلاء عليه أو استثماره بصورة مخالفة سيعاد إلى الدولة، مع تحصيل حقوق الخزينة ومحاسبة كل من تسبب بالإضرار بالمال العام وفق أحكام القانون.
ورأى أن الهدف من هذه الإجراءات لا يقتصر على معالجة أخطاء الماضي، بل يتعداه إلى بناء نموذج حديث لإدارة أملاك الدولة، يقوم على الحوكمة والرقمنة والشفافية، ويحول هذه الأصول إلى رافعة حقيقية للاستثمار والتنمية الاقتصادية، بما يعزز موارد الدولة ويؤسس لمرحلة جديدة من الإدارة الرشيدة للأصول العامة.
محاور
وفي ختام تصريحه، أوضح القاسم أن هذه الرؤية تُترجم عملياً من خلال الحملة الوطنية لمراجعة استثمارات وعقود أملاك الدولة، التي أطلقتها الهيئة العامة لإدارة وحماية أملاك الدولة بالتعاون مع وزارة المالية، وتحت إشراف ومتابعة اللجنة الوطنية لمكافحة الكسب غير المشروع، مشيراً إلى أن الحملة ترتكز على ثلاثة محاور رئيسية تتمثل في إعادة تصويب آليات استثمار أملاك الدولة، ومعالجة جميع التعديات على الأملاك العامة، وتحويل أملاك الدولة إلى رافعة استثمارية للاقتصاد الوطني. كما تشمل تنفيذ برنامج متكامل لحصر وجرد جميع أملاك الدولة، وإعادة تقييم الأصول وفق أسس علمية، وإعادة احتساب العوائد الاستثمارية، ومراجعة العقود والمحاضر السابقة، وتحصيل حقوق الدولة المالية، بما يعيد الاعتبار للمال العام ويؤسس لمرحلة جديدة في إدارة واستثمار الأصول العامة بكفاءة وشفافية.


