سوريا - اقتصاد
" اقتصاد الخردة" في سوريا.. باب رزق محفوف بخطر الموت
ا
العين السورية - ليلى حسين
نشر في: ٢٦ يوليو ٢٠٢٦، ١٢:٠٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تكن تجارة الخردة في سوريا وليدة الحرب، بل عُرفت منذ عقود كمهنة تقوم على جمع الحديد والمعادن والمواد القابلة لإعادة التدوير وبيعها إلى معامل الصهر والتصنيع. غير أن سنوات الحرب وما خلفته من دمار واسع في المدن والبلدات والمنشآت الصناعية والعسكرية، أعادت تشكيل هذا القطاع بصورة غير مسبوقة، بعدما ضاعفت كميات المعادن المتداولة في الأسواق ووسّعت دائرة العاملين فيه في معظم المحافظات السورية.
فُرصة هامشية
ومع تراجع فرص العمل وارتفاع معدلات البطالة، تحولت تجارة الخردة إلى مصدر رزق لآلاف السوريين، لتنشأ سلسلة اقتصادية متكاملة تبدأ من جامعي الخردة، مروراً بالتجار ومراكز التجميع، وصولاً إلى معامل إعادة التدوير التي تعيد إدخال الحديد والنحاس والألمنيوم وسائر المعادن في دورة الإنتاج والصناعة.
عشوائية
هذا التوسع لم يواكبه تنظيم قانوني أو رقابي واضح، ما أثار تساؤلات متزايدة حول مصادر الخردة، وحجم هذا السوق، والجهات المستفيدة منه، والحد الفاصل بين إعادة تدوير المخلفات والاستفادة منها، وبين استنزاف الممتلكات العامة والخاصة، فضلاً عن المخاطر التي تفرضها مخلفات الحرب على العاملين في هذا المجال.
إقرأ أيضاً
https://www.alainsyria.com/article/2627
تجارب واعترافات
في محافظة درعا، التي تعكس جانباً من واقع هذا القطاع في سوريا، يقول محمد الجنادي، أحد العاملين في جمع الخردة الإلكترونية، لـ"العين السورية" إنه يتنقل يومياً على دراجته النارية بين محال صيانة الهواتف المحمولة لجمع اللوحات الإلكترونية (البوردات).
ويوضح أنه يجمع أسبوعياً ما بين كيلوغرام وكيلوغرامين من هذه اللوحات، قبل بيعها إلى أحد التجار في مدينة نوى مقابل نحو خمسين ألف ليرة، ليقوم التاجر لاحقاً بنقلها إلى دمشق، حيث تُباع لورش متخصصة بإعادة تدويرها واستخراج المعادن الموجودة داخلها.
ويشير إلى أن العاملين في هذا المجال يتداولون معلومات عن احتواء بعض اللوحات الإلكترونية على نسب ضئيلة من المعادن الثمينة، وهو ما جعلها مطلوبة في الأسواق رغم صغر حجمها.
أما مبارك كمال علي، الذي يعمل في جمع الخردة مستخدماً سيارة (سوزوكي) ليجوب بها قرى الريف الغربي لمحافظة درعا، فيؤكد أن المهنة أصبحت مصدر دخل لعشرات العائلات، لكنه يرى أن جامع الخردة يبقى الحلقة الأضعف ضمن سلسلة التجارة.
ويقول: إن يوم عمله يبدأ منذ ساعات الصباح بالتنقل بين القرى والأحياء والورش والمنازل لجمع الحديد والنحاس والألمنيوم والأسلاك الكهربائية، ثم فرزها بحسب النوع نظراً لاختلاف أسعار المعادن، موضحاً أن قيمتها ترتفع تدريجياً كلما انتقلت من جامع الخردة إلى التاجر، ثم إلى مراكز التجميع، وصولاً إلى معامل إعادة التدوير.
ويشير إلى أن عدداً من مكبات الخردة في مدينتي طفس وداعل تستقبل يومياً كميات كبيرة من المعادن، حيث يجري فرز الحديد والنحاس والألمنيوم والرصاص والأسلاك الكهربائية كل على حدة، قبل تحميلها في شاحنات كبيرة تتجه إلى محافظات أخرى من بينها محافظة حلب، حيث يُعاد صهرها وتصنيعها لتدخل مجدداً في الصناعات المعدنية.
مخاطر قاتلة
لا يقتصر هذا النشاط على تداول المعادن فحسب، بل يرتبط أحد أخطر جوانبه بمحاولات بعض الأشخاص الوصول إلى الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، لاستخراج ما تحتويه من معادن قابلة للبيع.
ويحذر رئيس مجلس مدينة درعا، المهندس محمد عياش، من هذه الممارسات، مؤكداً في حديث لـ " العين السورية"، أن بعض الأشخاص يسارعون إلى مواقع سقوط الصواريخ أو القذائف بهدف تفكيكها واستخراج الحديد أو النحاس أو الرصاص الموجود داخلها.
ويقول: "الصاروخ أو القذيفة قد يحتوي على بقايا مواد شديدة الخطورة، سواء كانت مواد دافعة أو متفجرات أو شظايا معدنية، وأي محاولة لتفكيكه بوسائل بدائية قد تؤدي إلى انفجاره، ما يعرض حياة الشخص نفسه وسكان المنطقة بأكملها للخطر. ومع ذلك، ما زال البعض يخاطر بحياته من أجل الحصول على كمية محدودة من النحاس أو الحديد أو الرصاص لبيعها كتجارة خردة".
ويضيف أن هذا الخطر ازداد بعد سقوط صواريخ ومقذوفات في الأراضي السورية خلال التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، إذ يحاول بعض الأشخاص الوصول إلى مواقع سقوطها قبل إزالة مخلفاتها من قبل الجهات المختصة، طمعاً بالحصول على كمية محدودة من المعادن، من دون إدراك لحجم المخاطر التي قد تنجم عن انفجار تلك الذخائر.
ويؤكد أن قيمة المعادن الموجودة داخل بعض المقذوفات لا تكاد تُذكر مقارنة بحجم الخطر، موضحاً أن انفجار مقذوف واحد أثناء محاولة تفكيكه قد يؤدي إلى سقوط ضحايا وتعريض سكان حي كامل للخطر، في حين أن التعامل مع هذه المخلفات يجب أن يقتصر على الجهات المختصة ووفق إجراءات السلامة المعتمدة.
استغلال
لا تتوقف الإشكاليات عند مخلفات الحرب، إذ يقول أحد المواطنين، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، إن بعض جامعي الخردة يجوبون الأحياء والقرى بصورة يومية ويعرضون شراء الحديد والنحاس والأدوات القديمة من الأهالي بأسعار متدنية.
ويضيف: "ليس جميع العاملين في هذه المهنة سواء، لكن هناك من يستغل حاجة الناس أو عدم معرفتهم بأسعار المعادن، فيشتري كميات كبيرة بأثمان زهيدة ثم يبيعها لاحقاً بأضعاف قيمتها، وهو ما يدفع كثيرين للشعور بأنهم تعرضوا للاستغلال".
وفي المقابل، يؤكد عاملون في هذا القطاع أن هذه الصورة لا تنطبق على جميع جامعي الخردة، مشيرين إلى أن آلاف الأسر تعتمد على هذه المهنة كمصدر رئيسي للدخل، وأن المشكلة الأساسية تكمن في غياب تنظيم السوق ووجود حلقات تجارية تحقق الحصة الأكبر من الأرباح.
غياب التراخيص الرسمية
ومن الجانب التنظيمي، يوضح أمين السجل التجاري في درعا، عبد الكريم داوود، أن تجارة الخردة ما تزال خارج إطار التنظيم التجاري الرسمي.
ويقول لـ " العين السورية": "هذه المهنة غير منظمة لدينا، ولا تُمنح لها تراخيص في السجل التجاري". ويضيف أن غياب الترخيص الخاص بهذا النشاط يعني عدم وجود قاعدة بيانات دقيقة توضح عدد العاملين فيه أو حجم تداولاته، كما يصعب وضع ضوابط تنظم العلاقة بين جامعي الخردة والتجار والجهات الرقابية، أو متابعة مصادر المواد المتداولة في السوق.
ويرى أن إدراج هذا القطاع ضمن إطار قانوني واضح من شأنه أن يسهم في حماية العاملين فيه، وضبط حركة بيع وشراء المعادن، وتعزيز الرقابة على مصادرها، والحد من أي تجاوزات قد تطال الممتلكات العامة أو الخاصة، فضلاً عن تعزيز السلامة العامة في ظل استمرار العثور على مخلفات الحرب في عدد من المناطق السورية.
تنظيم
إذاً، تكشف تجارة الخردة في سوريا عن أحد أبرز ملامح اقتصاد ما بعد الحرب. فهي مهنة قديمة اتسع نطاقها بفعل الدمار والظروف الاقتصادية، وأصبحت مصدر دخل لآلاف الأسر، كما أسهمت في إعادة تدوير كميات كبيرة من المعادن وإعادتها إلى دورة الإنتاج.
غير أن هذا القطاع، الممتد من جامعي الخردة إلى التجار ومراكز التجميع ومعامل إعادة التدوير، ما يزال يفتقر إلى إطار قانوني ينظم آليات عمله، ويحدد مصادر المواد المتداولة، ويعزز الرقابة عليها، بما يحفظ حقوق العاملين، ويصون الممتلكات العامة والخاصة، ويحمي سلامة المواطنين.
وبين الحاجة إلى العمل وكسب الرزق، وضرورة حماية الممتلكات والحد من مخاطر مخلفات الحرب، يبقى السؤال مطروحاً: هل آن الأوان لتنظيم تجارة الخردة في سوريا ضمن إطار قانوني واضح، يحقق الاستفادة من إعادة التدوير، ويمنع تحولها إلى مدخل لاستنزاف الممتلكات أو العبث بمخلفات الحروب؟
تجارب واعترافات
في محافظة درعا، التي تعكس جانباً من واقع هذا القطاع في سوريا، يقول محمد الجنادي، أحد العاملين في جمع الخردة الإلكترونية، لـ"العين السورية" إنه يتنقل يومياً على دراجته النارية بين محال صيانة الهواتف المحمولة لجمع اللوحات الإلكترونية (البوردات).
ويوضح أنه يجمع أسبوعياً ما بين كيلوغرام وكيلوغرامين من هذه اللوحات، قبل بيعها إلى أحد التجار في مدينة نوى مقابل نحو خمسين ألف ليرة، ليقوم التاجر لاحقاً بنقلها إلى دمشق، حيث تُباع لورش متخصصة بإعادة تدويرها واستخراج المعادن الموجودة داخلها.
ويشير إلى أن العاملين في هذا المجال يتداولون معلومات عن احتواء بعض اللوحات الإلكترونية على نسب ضئيلة من المعادن الثمينة، وهو ما جعلها مطلوبة في الأسواق رغم صغر حجمها.
أما مبارك كمال علي، الذي يعمل في جمع الخردة مستخدماً سيارة (سوزوكي) ليجوب بها قرى الريف الغربي لمحافظة درعا، فيؤكد أن المهنة أصبحت مصدر دخل لعشرات العائلات، لكنه يرى أن جامع الخردة يبقى الحلقة الأضعف ضمن سلسلة التجارة.
ويقول: إن يوم عمله يبدأ منذ ساعات الصباح بالتنقل بين القرى والأحياء والورش والمنازل لجمع الحديد والنحاس والألمنيوم والأسلاك الكهربائية، ثم فرزها بحسب النوع نظراً لاختلاف أسعار المعادن، موضحاً أن قيمتها ترتفع تدريجياً كلما انتقلت من جامع الخردة إلى التاجر، ثم إلى مراكز التجميع، وصولاً إلى معامل إعادة التدوير.
ويشير إلى أن عدداً من مكبات الخردة في مدينتي طفس وداعل تستقبل يومياً كميات كبيرة من المعادن، حيث يجري فرز الحديد والنحاس والألمنيوم والرصاص والأسلاك الكهربائية كل على حدة، قبل تحميلها في شاحنات كبيرة تتجه إلى محافظات أخرى من بينها محافظة حلب، حيث يُعاد صهرها وتصنيعها لتدخل مجدداً في الصناعات المعدنية.
مخاطر قاتلة
لا يقتصر هذا النشاط على تداول المعادن فحسب، بل يرتبط أحد أخطر جوانبه بمحاولات بعض الأشخاص الوصول إلى الذخائر غير المنفجرة ومخلفات الحرب، لاستخراج ما تحتويه من معادن قابلة للبيع.
ويحذر رئيس مجلس مدينة درعا، المهندس محمد عياش، من هذه الممارسات، مؤكداً في حديث لـ " العين السورية"، أن بعض الأشخاص يسارعون إلى مواقع سقوط الصواريخ أو القذائف بهدف تفكيكها واستخراج الحديد أو النحاس أو الرصاص الموجود داخلها.
ويقول: "الصاروخ أو القذيفة قد يحتوي على بقايا مواد شديدة الخطورة، سواء كانت مواد دافعة أو متفجرات أو شظايا معدنية، وأي محاولة لتفكيكه بوسائل بدائية قد تؤدي إلى انفجاره، ما يعرض حياة الشخص نفسه وسكان المنطقة بأكملها للخطر. ومع ذلك، ما زال البعض يخاطر بحياته من أجل الحصول على كمية محدودة من النحاس أو الحديد أو الرصاص لبيعها كتجارة خردة".
ويضيف أن هذا الخطر ازداد بعد سقوط صواريخ ومقذوفات في الأراضي السورية خلال التصعيد العسكري الأخير في المنطقة، إذ يحاول بعض الأشخاص الوصول إلى مواقع سقوطها قبل إزالة مخلفاتها من قبل الجهات المختصة، طمعاً بالحصول على كمية محدودة من المعادن، من دون إدراك لحجم المخاطر التي قد تنجم عن انفجار تلك الذخائر.
ويؤكد أن قيمة المعادن الموجودة داخل بعض المقذوفات لا تكاد تُذكر مقارنة بحجم الخطر، موضحاً أن انفجار مقذوف واحد أثناء محاولة تفكيكه قد يؤدي إلى سقوط ضحايا وتعريض سكان حي كامل للخطر، في حين أن التعامل مع هذه المخلفات يجب أن يقتصر على الجهات المختصة ووفق إجراءات السلامة المعتمدة.
استغلال
لا تتوقف الإشكاليات عند مخلفات الحرب، إذ يقول أحد المواطنين، الذي فضل عدم الكشف عن اسمه، إن بعض جامعي الخردة يجوبون الأحياء والقرى بصورة يومية ويعرضون شراء الحديد والنحاس والأدوات القديمة من الأهالي بأسعار متدنية.
ويضيف: "ليس جميع العاملين في هذه المهنة سواء، لكن هناك من يستغل حاجة الناس أو عدم معرفتهم بأسعار المعادن، فيشتري كميات كبيرة بأثمان زهيدة ثم يبيعها لاحقاً بأضعاف قيمتها، وهو ما يدفع كثيرين للشعور بأنهم تعرضوا للاستغلال".
وفي المقابل، يؤكد عاملون في هذا القطاع أن هذه الصورة لا تنطبق على جميع جامعي الخردة، مشيرين إلى أن آلاف الأسر تعتمد على هذه المهنة كمصدر رئيسي للدخل، وأن المشكلة الأساسية تكمن في غياب تنظيم السوق ووجود حلقات تجارية تحقق الحصة الأكبر من الأرباح.
غياب التراخيص الرسمية
ومن الجانب التنظيمي، يوضح أمين السجل التجاري في درعا، عبد الكريم داوود، أن تجارة الخردة ما تزال خارج إطار التنظيم التجاري الرسمي.
ويقول لـ " العين السورية": "هذه المهنة غير منظمة لدينا، ولا تُمنح لها تراخيص في السجل التجاري". ويضيف أن غياب الترخيص الخاص بهذا النشاط يعني عدم وجود قاعدة بيانات دقيقة توضح عدد العاملين فيه أو حجم تداولاته، كما يصعب وضع ضوابط تنظم العلاقة بين جامعي الخردة والتجار والجهات الرقابية، أو متابعة مصادر المواد المتداولة في السوق.
ويرى أن إدراج هذا القطاع ضمن إطار قانوني واضح من شأنه أن يسهم في حماية العاملين فيه، وضبط حركة بيع وشراء المعادن، وتعزيز الرقابة على مصادرها، والحد من أي تجاوزات قد تطال الممتلكات العامة أو الخاصة، فضلاً عن تعزيز السلامة العامة في ظل استمرار العثور على مخلفات الحرب في عدد من المناطق السورية.
تنظيم
إذاً، تكشف تجارة الخردة في سوريا عن أحد أبرز ملامح اقتصاد ما بعد الحرب. فهي مهنة قديمة اتسع نطاقها بفعل الدمار والظروف الاقتصادية، وأصبحت مصدر دخل لآلاف الأسر، كما أسهمت في إعادة تدوير كميات كبيرة من المعادن وإعادتها إلى دورة الإنتاج.
غير أن هذا القطاع، الممتد من جامعي الخردة إلى التجار ومراكز التجميع ومعامل إعادة التدوير، ما يزال يفتقر إلى إطار قانوني ينظم آليات عمله، ويحدد مصادر المواد المتداولة، ويعزز الرقابة عليها، بما يحفظ حقوق العاملين، ويصون الممتلكات العامة والخاصة، ويحمي سلامة المواطنين.
وبين الحاجة إلى العمل وكسب الرزق، وضرورة حماية الممتلكات والحد من مخاطر مخلفات الحرب، يبقى السؤال مطروحاً: هل آن الأوان لتنظيم تجارة الخردة في سوريا ضمن إطار قانوني واضح، يحقق الاستفادة من إعادة التدوير، ويمنع تحولها إلى مدخل لاستنزاف الممتلكات أو العبث بمخلفات الحروب؟


