سوريا - اقتصاد
تدفقات رأس المال إلى العقار السوري... تشعل الجدل حول رهان الاستثمار والقدرة الشرائية
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ٥ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٤٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لا خلاف على أهمية استقطاب الاستثمارات العربية في هذه المرحلة، فهي تمثل رافعة يحتاجها الاقتصاد السوري لاستعادة نشاطه وتحريك عجلة التنمية، كما أنها تبعث برسائل ثقة يحتاجها السوق بعد سنوات طويلة من التحديات.
لكن، بالتوازي مع الترحيب بأي استثمار جديد، يبرز سؤال لا يقل أهمية: هل تواكب المشاريع العقارية الجديدة احتياجات السوق الفعلية، أم أنها تستهدف شريحة محددة في وقت تتسع فيه الفجوة بين أسعار العقارات والقدرة الشرائية للمواطنين؟
هذا السؤال أعاد طرح نفسه مع إطلاق مشروع "بارك فيو" في منطقة يعفور باستثمار إماراتي معلن بقيمة 200 مليون دولار، أمس، وهو مشروع يتجاوز كونه مجمعاً سكنياً جديداً، ليفتح نقاشاً أوسع حول اتجاهات الاستثمار العقاري في سوريا، وما إذا كانت المرحلة المقبلة ستشهد مشاريع قادرة على الجمع بين الجدوى الاستثمارية واحتياجات السوق.
رسالة تتجاوز المشروع
ربما يحمل دخول استثمار بهذا الحجم إلى القطاع العقاري السوري، دلالات تتجاوز حدود المشروع نفسه، إذ يأتي في وقت يبحث فيه الاقتصاد عن مؤشرات تعكس عودة النشاط الاستثماري واستعادة الثقة بقدرة السوق المحلية على جذب رؤوس الأموال.
فالقطاع العقاري لا يعمل بمعزل عن بقية القطاعات، بل يرتبط بسلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية، تبدأ من مواد البناء والصناعات المرتبطة بها، مروراً بالنقل والخدمات الهندسية، وصولاً إلى فرص العمل التي يمكن أن يوفرها النشاط الإنشائي.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية أي استثمار لا تقاس فقط بحجم الأموال المعلنة، وإنما بما يمكن أن يخلقه من حركة اقتصادية أوسع، وقدرته على تشجيع استثمارات إضافية، وتحويل المشاريع الفردية إلى مسار استثماري أكثر استدامة.
وفي هذا السياق، اعتبرت الحكومة أن المشروع يمثل مؤشراً على تنامي ثقة المستثمرين بالسوق السورية، حيث أكد وزير السياحة المهندس مازن الصالحاني أن الحكومة تعمل على تهيئة بيئة أكثر جذباً للاستثمار، وتشجيع المستثمرين السوريين في الخارج على العودة والمساهمة في مشاريع التنمية وإعادة الإعمار.
غير أن أهمية جذب الاستثمارات لا تلغي الحاجة إلى طرح سؤال آخر: هل يتناسب المنتج العقاري الذي تقدمه هذه المشاريع مع احتياجات السوق المحلية؟
مساكن لا أرقام فقط
يؤكد الخبير العقاري الدكتور عمار اليوسف قال في حديثه لـ"العين السورية"، وجهة نظر كثيرين ممن يرون أن قراءة أي مشروع عقاري لا ينبغي أن تبدأ من قيمة الاستثمار أو حجم الإنفاق، وإنما من طبيعة المنتج العقاري والفئة التي يستهدفها.
ويشير اليوسف إلى أن السوق السورية لا تعاني اليوم نقصاً في الإعلان عن المشاريع، بقدر ما تعاني فجوة متزايدة بين أسعار العقارات ومستويات الدخل، وهي فجوة جعلت امتلاك مسكن أمراً صعباً بالنسبة لشريحة واسعة من المواطنين.
ويؤكد أن الطلب الحقيقي في السوق، يتركز لدى أصحاب الدخل المحدود والمتوسط، ما يجعل الحاجة قائمة إلى مشاريع سكنية توفر خيارات تتناسب مع قدراتهم الشرائية، إلى جانب المشاريع الموجهة للشرائح الأعلى دخلاً.
وبحسب اليوسف، فإن المشاريع العقارية الموجهة إلى أصحاب القدرة الشرائية المرتفعة قد تحقق نجاحاً استثمارياً، لكنها لا تعني بالضرورة أن أزمة السكن بدأت بالانحسار، لأن التحدي الأساسي لا يرتبط فقط بعدد الوحدات السكنية الموجودة، وإنما بقدرة المواطنين على الوصول إليها.
ويضيف، أن نجاح القطاع العقاري لا يُقاس بعدد الأبنية أو بحجم رؤوس الأموال المعلنة، بل بقدرته على تحقيق توازن بين العرض والطلب، وتوفير منتجات عقارية متنوعة تلائم الواقع الاقتصادي والاجتماعي للسوق.
وفي رؤيته لحال العقارات في المرحلة المقبلة، يتوقع اليوسف استمرار ارتفاع أسعار العقارات والإيجارات، نتيجة تراجع القدرة الشرائية وتقلبات سعر الصرف، معتبراً أن معالجة تحديات السوق تحتاج إلى رؤية إسكانية أكثر شمولاً، لا تقتصر على زيادة عدد المشاريع فقط.
ما بعد العقار
في المقابل، يرى اقتصاديون أن أهمية هذه المشاريع لا ترتبط فقط بالقطاع العقاري، بل بالدور الذي يمكن أن تلعبه في تحريك الاقتصاد بشكل عام.
ويؤكد خبراء الاقتصاد أن دخول استثمار إماراتي بهذا الحجم يمثل رسالة مهمة للسوق، لأن رؤوس الأموال الكبيرة عادة تبحث عن فرص حقيقية وبيئة قادرة على استيعاب المشاريع وتحقيق عوائد مستقبلية.
لكن الأثر الاقتصادي الحقيقي، بحسب الدكتور اليوسف، لا يتحدد بقيمة الاستثمار المعلنة فقط، وإنما بما يخلقه من نشاط مرتبط به، سواء عبر تشغيل العمالة، أو تحريك القطاعات الإنتاجية والخدمية، أو جذب استثمارات جديدة.
ويضيف، أن القطاع العقاري يحتاج في المرحلة المقبلة إلى تنوع في المشاريع، بحيث لا تقتصر الاستثمارات على فئة محددة من المنتجات، بل تشمل مختلف الشرائح، لأن قوة السوق لا تأتي من حجم المشاريع فقط، وإنما من قدرتها على تحقيق توازن بين الجدوى الاقتصادية والاحتياجات الاجتماعية.
بين جذب الاستثمار وأولوية السوق
وأخيراً، نجد أن النقاش اليوم حول أهمية الاستثمارات الجديدة لا يبدو هو الأهم، لأن الحاجة إليها باتت واضحة في ظل التحديات الاقتصادية التي تواجه البلاد. لكن النقاش الحقيقي يتعلق بكيفية توظيف هذه الاستثمارات وتحويلها إلى عامل تنمية طويل الأمد.
فمشروع "بارك فيو" يحمل من جهة رسالة إيجابية حول إمكانية عودة رؤوس الأموال إلى السوق السورية، لكنه من جهة أخرى يعيد طرح أسئلة أوسع حول مستقبل القطاع العقاري، وطبيعة المشاريع التي تحتاجها المرحلة المقبلة.
فالنجاح لن يُقاس فقط بحجم الأموال التي تدخل السوق، وإنما بقدرتها على خلق أثر اقتصادي واسع، وتحريك القطاعات المرتبطة بها، وبناء سوق عقارية أكثر توازناً، تجمع بين جذب المستثمرين وتلبية الاحتياجات الفعلية للمواطنين.


