سوريا - اقتصاد
بين اللازم والممكن.. الإنتاج الزراعي السوري في أزمة
ا
العين السورية – شمس الدين مطعون
نشر في: ٨ أغسطس ٢٠٢٦، ١٠:٥٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بنا أنه لا إنتاج بلا مستلزمات إنتاج، والنقص أو الاختناقات السعرية في ما يلزم يعني أن ثمة تأثيرات سلبية ستظهر في الحقل عند مواسم الحصاد وجني المحاصيل.
فلم يكن علاء مهند أبو محمود، وهو مزارع من ريف دمشق، يتوقع أن يقضي ساعات وهو يحسب كمية السماد التي يستطيع شراءها هذا الموسم. حاول قدر الإمكان تجنب تقليص الكمية، مدركاً أن أي نقص في التسميد سينعكس على إنتاجه، لكنه لم يجد في النهاية سوى خفضها إلى النصف "ما في باليد حيلة" يقول أبو محمود، مرجعاً ذلك إلى الارتفاع الكبير في أسعار الأسمدة.
ولا تختلف معاناة أبو محمود عن مئات المزارعين السوريين، مع ارتفاع أسعار الأسمدة، والتي تتزامن مع أزمة محلية ناجمة عن توقف معامل الشركة العامة للأسمدة في حمص، ما جعل السوق تعتمد بصورة شبه كاملة على الأسمدة المستوردة الأكثر تأثراً بتقلبات الأسعار العالمية وتكاليف الشحن.
ارتفاع عالمي
بحسب بيانات البنك الدولي، فقد ارتفعت أسعار الأسمدة عالمياً بنحو 31% خلال عام 2026، بينما يُتوقع أن تقفز أسعار اليوريا بنحو 60%، مع تراجع القدرة الشرائية للأسمدة إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2022. وهي مؤشرات تنذر بموسم زراعي أكثر كلفة، في وقت لا يزال فيه القطاع الزراعي السوري يحاول التعافي بعد سنوات طويلة من الحرب وتراجع الإنتاج.
الإنتاج المحلي متوقف
لا ترتبط أزمة ارتفاع أسعار الأسمدة في سوريا بالأسواق العالمية وحدها، بل أيضاً بتوقف الإنتاج المحلي. فالشركة العامة للأسمدة، المنتج الحكومي الوحيد للأسمدة الكيميائية، كانت تنتج اليوريا والكالنترو والسماد الفوسفاتي، إلا أن إنتاجها خلال عام 2025 اقتصر على نحو 3500 طن من الكالنترو و3800 طن من السماد الفوسفاتي، قبل أن تتوقف المعامل بالكامل.
وفي أيار الماضي، أوضح مدير الشركة أن سبب التوقف يعود إلى عدم توفر الغاز الطبيعي اللازم للتشغيل، بعدما جرى توجيه الكميات المنتجة محلياً إلى محطات توليد الكهرباء.
ومع توقف الإنتاج، باتت السوق السورية تعتمد بصورة شبه كاملة على الأسمدة المستوردة، سواء اليوريا أو الأسمدة المركبة (NPK) أو الأسمدة الفوسفاتية والبوتاسية القادمة من مصر والأردن والسعودية وتركيا والصين.
ولم يقتصر أثر الأزمة على ارتفاع الأسعار، بل امتد إلى جودة بعض المستلزمات الزراعية المتداولة في الأسواق.
"أفخاخ" السوق السوداء
يشير المزارع مالك العدي من ريف حمص إلى أنه اضطر إلى شراء أسمدة ومبيدات مستوردة أو مهربة تُباع بأسعار أقل ويمكن الحصول عليها بالدين، لافتاً إلى أنها لا تحقق النتائج المطلوبة حيث لا تخضع لرقابة كافية.
ويضيف المزارع لـ "العين السورية"، أن بعض المبيدات التي استخدمها لمكافحة الآفات لم تحقق أي فعالية؛ ما اضطره إلى إعادة الرش وتحمل تكاليف إضافية، في وقت ترتفع فيه أسعار مستلزمات الإنتاج وتتراجع فيه هوامش الربح.
وكانت أسعار بعض أنواع الأسمدة قد انخفضت لفترة قصيرة بعد سقوط النظام، نتيجة تحسن حركة الاستيراد وتراجع بعض القيود التجارية، إلا أن هذا التراجع لم يدم طويلاً مع عودة موجة الارتفاع العالمية.
ليس رفاهية
يؤكد المهندس الزراعي غسان عزالدين، في حديثه لـ "العين السورية"، أن السماد ليس مادة يمكن الاستغناء عنها، لأن النباتات تحتاج إلى عناصر أساسية مثل الآزوت والفوسفور والبوتاسيوم لضمان النمو والإنتاج.
ويضيف أن أول ما يلجأ إليه المزارع عند ارتفاع الأسعار هو تقليل كميات السماد، إلا أن ذلك يؤدي غالباً إلى انخفاض الإنتاج وتراجع جودة المحاصيل وضعف مقاومتها للأمراض والجفاف.
ولا تتأثر جميع المحاصيل بالدرجة نفسها، إذ تعد الحبوب، ولا سيما القمح والشعير والذرة، من أكثر المحاصيل اعتماداً على التسميد، إلى جانب البطاطا والخضراوات والأشجار المثمرة، فيما قد يؤدي استمرار نقص التسميد لعدة مواسم إلى استنزاف خصوبة التربة وانخفاض إنتاجيتها.
ويحذر عزالدين من أن تقليل كميات الأسمدة لا ينعكس على جودة المحصول فحسب، بل قد يؤدي إلى خسائر مباشرة في الإنتاج.
تقارير علمية تُحذّر
وتشير تقديرات دارسات زراعية إلى أن نقص التسميد قد يخفض إنتاجية محاصيل الحبوب بنسبة تتراوح بين 15 و40%، بينما قد تتراجع إنتاجية الخضراوات والمحاصيل الأكثر استهلاكاً للعناصر الغذائية، مثل البطاطا والبندورة والقرعيات، بنسبة تتراوح بين 20 و50%.
أما في حال تفشي الأمراض الفطرية أو الآفات وعدم مكافحتها في الوقت المناسب، فقد تتجاوز خسائر بعض المحاصيل الحساسة، مثل البطاطا والخيار والبطيخ والشمام، 70% من الإنتاج.
بدائل غير كافية
وبالنسبة للأسمدة العضوية، التي عاد الحديث عنها مع ارتفاع الأسعار، فلا يمكنها - بحسب عزالدين – في أن تحل محل الأسمدة الكيماوية بالزراعات التجارية، رغم أهميتها في تحسين بنية التربة وزيادة قدرتها على الاحتفاظ بالمياه. يبقى الخيار الأفضل هو الدمج بين النوعين، مع إجراء تحليل للتربة لتحديد الاحتياجات الفعلية وتجنب هدر السماد.
كما يمكن تحسين كفاءة استخدام الأسمدة عبر تقسيم الكميات على دفعات، وربط التسميد بمواعيد الري، واختيار الأصناف الأكثر كفاءة في الاستفادة من العناصر الغذائية، إلا أن هذه الإجراءات رغم أهميتها، لا تعوض غياب الإنتاج المحلي أو استمرار ارتفاع الأسعار.
ولا تقتصر آثار الأزمة على المزارعين وحدهم، إذ إن انخفاض استخدام الأسمدة أو تقليص المساحات المزروعة قد يؤدي إلى تراجع الإنتاج الزراعي؛ وهو ما ينعكس لاحقاً على أسعار الخضراوات والحبوب.
عقود وتجارب لم تنضج بعد
في حين أن الجهود الحكومية تسعى لإيجاد حلول طويلة الأمد حيث المؤسسة العامة للجيولوجيا والثروة المعدنية خلال العام الجاري مذكرة تفاهم مع شركة Sami Rock السعودية لدراسة استثمار السجيل الزيتي في منطقة خناصر لإنتاج سماد ثنائي فوسفات الأمونيوم (DAP)، أحد أهم الأسمدة الفوسفاتية المستخدمة في الزراعة.
وقد تسهم مثل هذه المشاريع مستقبلاً في تقليل الاعتماد على الاستيراد، إلا أنها تحتاج إلى سنوات قبل دخول مرحلة الإنتاج الفعلي، وأما خلال الموسم الحالي فلا يزال الخيار محصوراً بين شراء السماد بأسعار مرتفعة أو تقليص الكميات والمخاطرة بمحصول أقل، في معادلة يُخشى أن تمتد آثارها من المحاصيل إلى الأسواق، ومنها إلى جيب المواطن.


