سوريا - اقتصاد
لماذا لا يشعر السوري بالتعافي الاقتصادي رغم الحديث عن نمو كبير؟
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٢٤ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٢٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

رغم الحديث عن معدلات نمو مرتفعة وتحسن تدريجي في النشاط الاقتصادي، لا يزال التعافي الاقتصادي في سوريا بعيداً عن الحياة اليومية لكثير من المواطنين. فارتفاع الأسعار، وتراجع القوة الشرائية، وضعف الدخول، واستمرار الفقر والبطالة، تجعل النمو الاقتصادي يبدو منفصلاً عن الواقع المعيشي.
فهل ينمو الاقتصاد السوري فعلاً؟ وهل يقود هذا النمو إلى إنتاج وفرص عمل، أم أنه لا يزال تعافياً هشاً تقوده التجارة والخدمات؟ ومتى يتحول ارتفاع الناتج إلى تحسن ملموس في دخل المواطن؟
نمو اقتصادي لا يشعر به المواطن
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي في حديثه لــ "لعين السورية" أن هناك نمواً فعلياً في الاقتصاد السوري، لكنه لا يزال هشاً وغير مكتمل، ويمكن وصف جزء منه بأنه نمو ريعي أكثر من كونه تحولاً إنتاجياً متكاملاً.
وبحسب الزعبي، بدأ التعافي تدريجياً خلال عام 2025، مع توقعات بنمو نحو 11.3% في العام 2026 وفق تصريحات وزير المالية، إلا أن هذه النسبة لا تكفي لتعويض الخسائر الهيكلية التي تعرض لها الاقتصاد خلال سنوات الحرب، خصوصاً مع استمرار التفاوت الاقتصادي بين المناطق.
لكن المشكلة الأهم، وفق الزعبي، أن المواطن لا يقيس النمو بأرقام الناتج المحلي، وإنما بقدرته على تلبية احتياجاته اليومية، ويشير إلى أن أكثر من 90% من السوريين يعيشون تحت خط الفقر، بينما لا تتناسب دخولهم مع متطلبات المعيشة، ما يجعل تحسين مستوى المعيشة بحاجة إلى تحول اقتصادي واسع يتجاوز مجرد رفع معدلات النمو.
التضخم يلتهم مكاسب النمو
يتفق الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين مع هذه الرؤية، موضحاً أن نمو الناتج المحلي لا يعني بالضرورة ارتفاع الدخل الحقيقي.
ويقول "للعين السورية" إن التعافي الجزئي للنشاط الاقتصادي يتزامن مع ضغوط تضخمية مرتبطة بارتفاع تكاليف الطاقة والوقود والكهرباء والرسوم الجمركية، وهو ما يرفع تكلفة الإنتاج وينعكس على أسعار السلع والخدمات.
ويقدّر الزعبي أن الدخل الشهري لشريحة واسعة من السوريين لا يتجاوز نحو3.5 ملايين ليرة سورية قديمة، في وقت تتراوح فيه كلفة سلة الاحتياجات الأساسية، وفق تقديره، بين 6 و8 ملايين ليرة شهرياً كحد أدنى.
وتكشف هذه الأرقام عن فجوة واضحة بين النمو الاقتصادي المعلن والواقع المعيشي للمواطن؛ فارتفاع الناتج المحلي لا يعني بالضرورة تحسناً في مستوى المعيشة، ما لم يواكبه نمو في الأجور يفوق ارتفاع الأسعار ويحافظ على القوة الشرائية للأسر.
من يقود النمو في سوريا؟
بحسب الزعبي، يقود النمو الحالي عدد من القطاعات، أبرزها الخدمات والتجارة والزراعة، إلى جانب النفط والغاز والثروات المعدنية، فيما سجل قطاع البناء والتشييد معدل نمو مرتفعاً بلغ نحو 45% العام الماضي، بالتزامن مع بدء إعادة الإعمار تدريجياً.
أما محي الدين، فيصف النمو الحالي بأنه مختلط، لكنه يتجه تدريجياً نحو المكون الإنتاجي.
ويشير إلى دخول استثمارات في الإسمنت والسيراميك ومجابل البيتون والتطوير العقاري والسياحة، إلى جانب الكثير من المشاريع الصغيرة والمتوسطة في التجارة والخدمات والتوزيع والتقنية.
ويرى أن هذه الاستثمارات تمثل مؤشراً على عودة تكوين رأس المال والنشاط الخاص، لكنها لا تزال في مرحلة انتقالية، ولا يمكن اعتبارها بعدُ تحولاً إنتاجياً مكتمل الأركان.
الاستثمار الخاص هو الاختبار الحقيقي
يتفق الخبيران على أهمية الاستثمار الخاص في المرحلة المقبلة، لكن محي الدين يحذر من أن عدد المشاريع الجديدة لا يكفي للحكم على نجاح التعافي الاقتصادي في سوريا.
فالمعيار الحقيقي هو قدرة هذه المشاريع على الاستمرار والتوسع وخلق قيمة مضافة وزيادة الإنتاج والتصدير وإعادة استثمار الأرباح.
ويعتبر الزعبي الاستثمار الخاص "العامل الحاسم" في خلق فرص العمل وزيادة الدخل، خصوصاً مع عودة رجال الأعمال السوريين وإعادة تشغيل المصانع والمنشآت الاقتصادية. لكن توسع الاستثمار لا يزال يصطدم بعقبات عديدة.
الطاقة والتمويل والتشريعات.. عقبات أمام الاقتصاد
يضع الزعبي ضعف البنية التحتية، ولا سيما الكهرباء والطاقة، وهشاشة القطاع المصرفي وعدم قدرته على تمويل الاقتصاد، في مقدمة التحديات التي تواجه المستثمرين.
كما يشير إلى تعقيد البيئة القانونية والبيروقراطية وغياب الاستقرار التشريعي. من جانبه، يرى محي الدين أن المشكلة الأساسية تكمن في ارتفاع تكلفة ممارسة الأعمال وضعف القدرة التنافسية.
ويحذر من أن ارتفاع أسعار الطاقة والرسوم الجمركية، خصوصاً على المواد الأولية ونصف المصنعة، يرفع تكاليف الإنتاج ويضعف قدرة المنتجات السورية على المنافسة والتصدير.
ويضيف أن الحماية الجمركية قد توفر حماية مؤقتة للصناعة المحلية، لكنها إذا استمرت بمستويات مرتفعة يمكن أن تتحول إلى عائق أمام بناء صناعة تنافسية قادرة على دخول الأسواق الخارجية.
متى يتحول النمو إلى وظائف ودخل؟
بحسب محي الدين، يتحول النمو إلى وظائف ودخل أعلى عندما ينتقل الاقتصاد من زيادة النشاط إلى توسيع الاستثمار الإنتاجي.
فالاستثمار الخاص هو القناة الأساسية لخلق فرص العمل، لكن أثره على الدخول يحتاج إلى ارتفاع الإنتاجية وزيادة الطلب على العمالة وتوسع الشركات.
لذلك، فإن المؤشر الأهم ليس عدد المشاريع الجديدة، وإنما قدرتها على خلق قيمة مضافة والتوسع والتصدير وإعادة الاستثمار. وهذا ما يجعل جودة النمو أهم من نسبته.
كيف نعرف أن الاقتصاد السوري تعافى فعلاً؟
بالنسبة إلى الزعبي، فإن المؤشر الأهم على التعافي ليس ارتفاع الناتج المحلي، بل استدامة تحسن مستوى معيشة المواطن.
ويجب أن يظهر ذلك من خلال انخفاض الفقر والبطالة، واستقرار سعر الصرف وتحسن القوة الشرائية، وانتظام الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وإعادة تشغيل المصانع والمشاريع المنتجة.
أما محي الدين، فيضيف انخفاض التضخم وارتفاع الدخل الحقيقي وتحسن توافر السلع والخدمات بجودة وأسعار تنافسية.
وعلى مستوى الاقتصاد الكلي، يجب أن يظهر التعافي في ارتفاع مستدام للاستثمار والإنتاجية والصادرات، وليس مجرد توسع في الاستهلاك.
متى يشعر السوري بالتعافي؟
يضع الخبيران معياراً واضحاً للسنوات المقبلة: التعافي الحقيقي يجب أن ينتقل من مؤشرات الاقتصاد الكلي إلى حياة المواطن اليومية.
فإذا انخفض التضخم، وتحسنت القوة الشرائية، وارتفعت فرص العمل والدخول الحقيقية، وتحسنت الخدمات والطاقة، وأصبح الاقتصاد أكثر قدرة على الإنتاج والتصدير، عندها يمكن الحديث عن تعافٍ اقتصادي أكثر رسوخاً.
أما استمرار النمو مع ارتفاع الأسعار وضعف الأجور، فلن يكون كافياً لإقناع المواطن بأن الاقتصاد قد تعافى.
يبدو الاقتصاد السوري أمام فرصة حقيقية لإعادة تشغيل قطاعات متوقفة وجذب استثمارات جديدة والاستفادة من مشاريع إعادة الإعمار، لكن الطريق نحو التعافي الاقتصادي في سوريا لا يزال طويلاً.
فالنمو المرتفع لا يصبح تعافياً حقيقياً إلا عندما يتحول إلى إنتاج وفرص عمل ودخول أعلى وقوة شرائية أفضل.
وفي النهاية، لن يقيس السوري نجاح الاقتصاد بنسبة النمو، بل بسؤال أبسط وأكثر مباشرة: هل أصبح دخله يكفيه أكثر؟ وهل أصبح قادراً على العمل والإنفاق والادخار وبناء مستقبل أفضل؟
عندها فقط، يتحول النمو من رقم في التقارير الاقتصادية إلى تعافٍ يشعر به السوري في حياته اليومية.


