سوريا - اقتصاد
انفتاح ذكي بدل الحمائية.. هل ينقذ التكامل الإقليمي الصناعة السورية؟
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ١٢ أغسطس ٢٠٢٦، ١٣:٢٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يمر الاقتصاد السوري بمرحلة دقيقة. لذلك تحتاج السياسات التجارية إلى إعادة صياغة كاملة. يجب الابتعاد عن الحمائية المغلقة والانفتاح غير المنضبط. الهدف هو إيجاد مسار متوازن. يحمي هذا المسار الصناعة الوطنية ويعزز قدرتها على المنافسة. كما يسمح لها بالانخراط في الأسواق الإقليمية والعالمية من خلال التكامل الإقليمي للصناعة السورية.
تخفيض الرسوم الجمركية في إطار إقليمي
يؤكد الدكتور خالد الحمدي في تصريح لـ"العين السورية" أن تخفيض الرسوم أو الإعفاءات المتبادلة يصبح مفيداً للصناعة بشروط أساسية. أبرزها المعاملة بالمثل. كما يجب التمييز بين المواد الخام والمدخلات الإنتاجية من جهة والسلع النهائية المنافسة من جهة أخرى.
إعفاء الآلات والمواد الأولية والسلع الوسيطة يخفض كلفة الإنتاج بشكل مباشر. في المقابل، الإعفاء الكامل عن سلعة نهائية منافسة لصناعة ناشئة قد يضعفها. لذلك يشدد الدكتور الحمدي على ضرورة أن يترافق التحرير مع مكافحة التهريب وتحسين الجودة. بالإضافة إلى ذلك، يجب توفير تمويل ميسر وطاقة مستقرة ولوجستيات فعالة. كما يمكن استخدام حماية مؤقتة مدروسة للصناعات القابلة للنمو.
يخلص الحمدي إلى أن المعادلة الصحيحة هي حماية الصناعة من التشوهات لا من المنافسة. ويتفق الدكتور رازي محي الدين مع هذا الرأي. ويشدد في حديثه لـ"العين السورية" على أن تخفيض الرسوم يكون مفيداً عندما يركز أولاً على المواد الخام والسلع الوسيطة والآلات وقطع الغيار والتكنولوجيا. لأن ذلك ينعكس مباشرة على تكلفة المنتج النهائي. ويؤكد ضرورة التحرير التدريجي للسلع النهائية وفق جداول زمنية تتيح للصناعات إعادة الهيكلة ورفع الإنتاجية.
تكامل إنتاجي عابر للحدود
يرى الدكتور الحمدي أن التكامل الإنتاجي عبر الحدود أكثر واقعية من محاولة كل دولة إنتاج كل شيء بمفردها. ويمكن بناء منظومة إقليمية بين سوريا والأردن ولبنان والعراق. تمتد هذه المنظومة من المواد الأولية إلى التصنيع الوسيط ثم النهائي وصولاً إلى التعبئة والتصدير. نتيجة لذلك تنخفض التكلفة ويزداد حجم السوق ويجذب الاستثمار.
يؤكد محي الدين أن الانتقال من التنافس المباشر إلى التكامل الإنتاجي يسمح لسوريا باستيراد مدخلات تنافسية. بعد ذلك تضيف قيمة محلية ثم تصدر المنتجات النهائية. ويشير إلى أن نجاح الاقتصاد الحديث يقوم على بناء سلاسل قيمة إقليمية قادرة على المنافسة عالمياً. لذلك يمثل التكامل الإقليمي للصناعة السورية خياراً استراتيجياً وليس مجرد خيار تجاري.
تجارب دولية لفتح الأسواق
يستخلص الحمدي دروساً مهمة من تجارب التكامل الناجحة. من أبرزها الأسواق الأمريكية وسلاسل القيمة الآسيوية. يوضح أن التكامل الحقيقي يتجاوز إلغاء الرسوم. فهو يعتمد على التخصص الإنتاجي وربط التجارة بالاستثمار والبنية التحتية والتكنولوجيا.
في بلاد الشام يقترح البدء بقطاعات محددة. تشمل هذه القطاعات الصناعات الغذائية والدوائية والنسيجية والهندسية ومواد البناء والطاقة. ويوضح أن تخفيض الرسوم على المدخلات يمكن أن يخفض التكلفة وسعر المنتج. كما يزيد الطلب والإنتاج والتصدير وفرص العمل. ومع ذلك يحذر من اعتبار نسب مثل 50% نتيجة تلقائية. إذ يعتمد الأمر على نسبة المدخلات المستوردة وأسعار الطاقة والنقل والتمويل وسعر الصرف.
يشير محي الدين إلى أن الانفتاح لن ينجح دون معالجة ارتفاع تكلفة الطاقة والتمويل والنقل وضعف الوصول إلى التكنولوجيا. لذا يجب أن تسير سياسة تحرير التجارة بالتوازي مع خفض تكاليف الإنتاج. بالإضافة إلى ذلك ينبغي تحسين البنية التحتية واللوجستيات وربط المصانع بالأسواق العالمية. كما يجب بناء منظومة لمكافحة الإغراق والاحتكار. ويمكن فرض حماية مؤقتة مبنية على الأدلة ومشروطة بتحسين الإنتاجية والجودة والتصدير.
الصادرات الصناعية واستقرار النقد
يرى الحمدي أن الصادرات الصناعية المستدامة توفر تدفقات عملات أجنبية. وتخفف هذه التدفقات الضغط على ميزان المدفوعات. لكنها ليست كافية وحدها لاستقرار سعر الصرف. فالأمر يحتاج منظومة أوسع. تشمل هذه المنظومة ضبط العجز التجاري وزيادة الاستثمار الأجنبي واستقرار السياسة النقدية. كما تتطلب إعادة بناء القطاع المصرفي وزيادة الإنتاج المحلي وضبط التضخم. ويشدد على ضرورة التركيز على تصدير القيمة المضافة لا المواد الأولية فقط.
يتفق محي الدين على أهمية الصادرات الصناعية كمصدر للنقد الأجنبي. على أن تكون جزءاً من منظومة أشمل. تضم هذه المنظومة الاستثمار والسياحة والتحويلات والخدمات والطاقة. مع التركيز على زيادة القيمة المضافة المحلية داخل المنتجات المصدرة. وبذلك يصبح التكامل الإقليمي للصناعة السورية أداة فعالة لدعم استقرار الاقتصاد الكلي.
مؤشرات قياس نجاح التكامل الإقليمي
يقترح الحمدي لوحة مؤشرات واضحة. تشمل نمو الصادرات الصناعية وكلفة الإنتاج وحجم الاستثمار الصناعي وفرص العمل. كما تضم الميزان التجاري وتدفقات العملات الأجنبية والإنتاج الصناعي ونسبة المدخلات المحلية. بالإضافة إلى أسعار السلع وإيرادات الجمارك. ويضيف نسبة السلع السورية في أسواق الشركاء مقارنة بالواردات. لأن النجاح يقاس بتحقيق نفاذ متوازن لا بزيادة الواردات فقط.
يدعو محي الدين إلى متابعة مؤشرات إضافية. من أبرزها نمو الصادرات وتنوع الأسواق والطاقة الإنتاجية وتكلفة الإنتاج. كما تشمل الاستثمار وفرص العمل والإنتاجية والقيمة المضافة. وصافي تدفقات النقد الأجنبي واستقرار الأسعار وسعر الصرف. إلى جانب مؤشرات المنافسة والإغراق والاحتكار.
انفتاح ذكي مدروس
يخلص الدكتور خالد الحمدي إلى أن سوريا لا تستطيع بناء اقتصاد تنافسي خلف جدران جمركية مرتفعة. كما لا تستطيع فتح الأسواق بلا شروط. المطلوب انفتاح ذكي وتدريجي ومشروط. يعتمد على إعفاءات للمواد الخام والآلات والمدخلات. مع حماية مؤقتة للقطاعات الحساسة ومعاملة بالمثل. وربط التجارة بالاستثمار والإنتاج والتصدير. الهدف أن تصبح سوريا جزءاً من منظومة إنتاج إقليمية تصنع وتصدر إلى العالم.
يتطلب ذلك الانتقال من حماية المنتج إلى رفع قدرته التنافسية. مع الاعتماد على الخبرات الاقتصادية والكفاءات الأكاديمية. ويؤكد الدكتور رازي محي الدين الرسالة ذاتها. معتبراً أن مستقبل الاقتصاد السوري يقوم على حماية القدرة التنافسية للصناعة. وجعل الانفتاح أداة للنمو والإنتاج والتصدير ضمن إطار تكاملي إقليمي مدروس. وبذلك يصبح التكامل الإقليمي للصناعة السورية المسار الأكثر واقعية لإنقاذ الصناعة الوطنية وتحقيق نمو مستدام.


