سوريا - ثقافة
الحسكة.. التنقيب غير الشرعي يهدد إرث التلال الأثرية على ضفاف الخابور
عمليات تنقيب غير شرعي تطال عدداً من التلال الأثرية في الحسكة، وسط مخاوف من ضياع ما تبقى من آثار
أ
أحمد العجور
نشر في: ٣١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٩:٢٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

على امتداد نهر الخابور وفي محيط بحيرة السد الجنوبي بريف الحسكة، تتحدث شهادات من أبناء المنطقة عن عمليات تنقيب غير شرعي طالت عدداً من التلال الأثرية، بينها تل عجاجة وتل أمطرية وتل الذهب، وسط مخاوف من ضياع ما تبقى من آثار تعود إلى عصور تاريخية مختلفة.
وتشير الشهادات التي جمعتها «العين السورية» إلى أن الحفر لم يقتصر على استخدام الأدوات اليدوية، بل وصل، بحسب بعض الشهود، إلى استخدام آليات ثقيلة في مواقع أثرية، ما يثير تساؤلات حول حجم الأضرار التي لحقت بهذه المواقع، والجهات المسؤولة عن حمايتها ومراقبتها.
وفي مقابل هذه الشهادات، تقول مديرية الثقافة في الحسكة إنها لم تتلقَّ بلاغات من أبناء المنطقة بشأن التعديات على المواقع الأثرية، مؤكدة أهمية التعاون بين المؤسسات المعنية والسكان المحليين لحماية هذا الإرث وتوثيق ما يتعرض له من أضرار.
تل أمطرية.. حفر في جزيرة وسط البحيرة
يقول خليل السوادي، وهو من أبناء المنطقة، إن تل أمطرية، الواقع وسط مياه بحيرة السد الجنوبي، تعرّض لعمليات حفر وتنقيب غير شرعي. ويضيف أن أشخاصاً كانوا يعبرون إلى الموقع بواسطة السفن، ويحفرون خلال الليل قبل مغادرته.
وبحسب السوادي، يضم التل مقابر قديمة، ويعتقد أن بعض المدفونين فيها كانوا يُدفنون مع مقتنياتهم الشخصية، مثل الخواتم والمجوهرات والأواني الفخارية، وفق ما يصفه من روايات متداولة عن طبيعة الدفن في تلك الفترات.
ويشير إلى أن آثار الحفر والخراب باتت واضحة في الموقع، داعياً إلى معاينته وتوثيق الأضرار التي لحقت به، والتحقق من طبيعة المقابر واللقى الأثرية الموجودة فيه.
ولا تتوافر حتى الآن معاينة أثرية مستقلة تثبت حجم الأضرار في تل أمطرية أو تحدد طبيعة الموجودات التي يُعتقد أنها تعرضت للنهب، ما يجعل الكشف الميداني والتوثيق المتخصص ضرورة لتحديد واقع الموقع.
تل عجاجة.. حفر متواصل وآليات ثقيلة
وفي تل عجاجة، يتحدث السوادي عن عمليات تنقيب يقول إنها استمرت حتى الأيام القريبة من موعد شهادته، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص باتوا يستخدمون آليات ثقيلة، بينها الجرارات والحفارات، بحثاً عن الآثار.
ويضيف أن استخدام هذه الآليات يهدد بتدمير أجزاء من التل وطبقاته الأثرية، التي قد تحمل معلومات عن تاريخ الموقع والحضارات التي تعاقبت عليه.
وكان سالم الحمد، من منطقة عجاجة، قد تحدث بدوره عن عمليات حفر طالت التل من جهات متعددة، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص عثروا، وفق روايته، على قطع أثرية وأوانٍ فخارية تحمل كتابات غير مفهومة بالنسبة إليهم، فضلاً عن مقتنيات أخرى لم يتمكن من التحقق من مصيرها.
ويقول الحمد إن التنقيب غير الشرعي بدأ، بحسب ما شاهده وعرفه من أبناء المنطقة، خلال فترة سيطرة تنظيم «داعش»، وإن عمليات الحفر استمرت في مراحل لاحقة. وتبقى طبيعة القطع التي جرى العثور عليها، وحجم ما فُقد من الموقع، بحاجة إلى توثيق أثري مستقل.
كما يطرح حديث السوادي عن مرور دوريات أمنية قرب الموقع من دون التدخل تساؤلات حول مستوى الرقابة على التل، وهي مسألة تحتاج إلى التحقق والحصول على رد الجهات المعنية.
تل عجاجة.. قيمة تاريخية تتجاوز القطع الأثرية
يوضح الصحفي والباحث المختص في الآثار والتاريخ محمود عبد الفتاح أن تل عجاجة، المعروف تاريخياً باسم شاديكاني (Šadikanni) والمرتبط بمدينة عربان القديمة، يُعد من المواقع الأثرية المهمة في منطقة الجزيرة السورية، لما يحمله من شواهد تاريخية تعود إلى العصور الآشورية، ولا سيما العصرين الآشوري الوسيط والحديث.
ويشير عبد الفتاح إلى أن الموقع شهد مراحل استيطان متعددة، وأن آثاره تعكس الأهمية السياسية والحضارية التي تمتعت بها المنطقة في العصور القديمة. كما يندرج تل عجاجة ضمن الإرث الحضاري لوادي الخابور، الذي شهد قيام مدن ومراكز استيطان قديمة أسهمت في تطور الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في بلاد الرافدين.
ويؤكد أن أهمية الموقع لا تقتصر على ما قد يحتويه من قطع أثرية، بل تشمل أيضاً ما توفره بقايا المنشآت واللقى التاريخية من معلومات تساعد الباحثين على فهم طبيعة الحياة في المنطقة وعلاقاتها بالمراكز الحضارية المجاورة.
ويحذر عبد الفتاح من أن التنقيب غير الشرعي والتخريب لا يؤديان إلى فقدان القطع الأثرية فحسب، بل يتسببان أيضاً في ضياع معلومات تاريخية يصعب استعادتها، نتيجة العبث بطبقات التربة والسياقات التي عُثر فيها على اللقى.
ويشدد على ضرورة تكثيف أعمال الحماية والتوثيق الأثري، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة هذه المواقع باعتبارها جزءاً من الهوية التاريخية والثقافية للمنطقة.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية في ضوء شهادات أبناء المنطقة عن استخدام آليات ثقيلة في الحفر داخل تل عجاجة، إذ إن تحديد حجم الضرر الفعلي يتطلب كشفاً ميدانياً من مختصين يوثق حالة الموقع وطبقاته الأثرية وما تعرض له من تخريب.
تل الذهب.. البحث عن الذهب على حساب التاريخ
وعلى طرف بحيرة السد الجنوبي، قبالة قرية الخمايل، يقع تل الذهب، الذي يقول السوادي إنه تعرّض بدوره لعمليات حفر بحثاً عن الذهب.
ويضيف أن أشخاصاً من مناطق مختلفة كانوا يقصدون الموقع، وأن أعمال الحفر أدت إلى تخريب أجزاء منه. كما تحدث خضر الكوان، من ريف الحسكة الجنوبي، عن العثور في تل الذهب على أوانٍ فخارية وقطع فخارية مزخرفة، وعن تعرض مقتنيات أثرية للنهب، وفق ما ينقله عن أبناء المنطقة.
ولا تتوافر حتى الآن، ضمن المعلومات التي جمعتها «العين السورية»، حصيلة موثقة لحجم الأضرار في التل أو عدد القطع التي فُقدت منه، كما لم يتسنَّ تحديد طبيعة اللقى التي يُقال إنها عُثر عليها، أو التأكد مما إذا كانت قد نُقلت إلى خارج المنطقة.
شهادات عن مواقع أخرى على امتداد الخابور
ولا تقتصر المخاوف على التلال الثلاثة. إذ يقول السوادي إن عمليات الحفر والسرقة طالت أيضاً تل الشدادي وتل المرقدة ومواقع أخرى في المنطقة.
ويتحدث خضر الكوان عن تلال أثرية أخرى في محيط بحيرة السد الجنوبي، بينها تل الذهب وتل أمطرية وتل المشنق وتلال أخرى، مشيراً إلى أن بعض المواقع غمرتها مياه البحيرة بعد إنشاء السد الجنوبي، وهو ما يستدعي التحقق من أوضاعها الحالية، ومدى إمكانية الوصول إليها وحمايتها.
من جهته، يقول زهير خلدون، وهو من قرى الخابور، إن عمليات الحفر ازدادت خلال سنوات النزاع، وإن أشخاصاً كانوا يقصدون المواقع الأثرية بحثاً عن مقتنيات قديمة. ويشير إلى أن بعض المزارعين يعثرون أحياناً على قطع نقدية قديمة أثناء العمل في أراضيهم، خصوصاً بعد هطول الأمطار.
أما شاهد آخر طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً على سلامته، فقال إنه شاهد أشخاصاً مسلحين يستخدمون معدات حديثة للحفر في مواقع أثرية بين الحسكة والشدادي خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية «قسد». واتهم الشاهد جهات مرتبطة بها بالتورط في عمليات التنقيب وتهريب الآثار، وهي اتهامات لم تتمكن «العين السورية» من التحقق منها بصورة مستقلة، ولم تحصل بعد على رد من الجهات المعنية بشأنها.
مديرية الثقافة: لم نتلقَّ بلاغات عن التعديات
في معرض حديثه عن مسؤولية المؤسسات المعنية في حماية المواقع الأثرية، قال مدير مديرية الثقافة في الحسكة، عبد المجيد محمد خلف، إن التلال الأثرية الممتدة على ضفاف نهر الخابور تمثل جزءاً مهماً من الذاكرة التاريخية والثقافية للسوريين، لما تختزنه من شواهد تساعد على كشف تاريخ المنطقة والحضارات التي تعاقبت عليها.
وأوضح خلف أن سوريا مرّت بظروف صعبة خلال سنوات النزاع، وأن هذه الظروف زادت من احتمالات التخريب والنهب والاعتداء على المواقع الأثرية، مشيراً إلى أن منطقة حوض الخابور في الحسكة لم تكن بمنأى عن هذه المخاطر.
وأضاف أن مديرية الثقافة والجهات المعنية بالآثار والمتاحف عملت، بالتعاون مع الجهات الأمنية والإدارية والأهالي، على الحد من عمليات التخريب والسرقة والتنقيب غير الشرعي قدر الإمكان، مع إقراره بإمكانية وقوع تجاوزات في بعض المواقع.
لكن خلف أوضح أن المديرية لم تتلقَّ شكاوى أو بلاغات من أبناء المنطقة بشأن التعديات على المواقع الأثرية، لافتاً إلى أن الظروف المعيشية الصعبة قد تجعل بعض السكان أقل اهتماماً بمتابعة هذه القضايا، رغم ما وصفه بدور الأهالي في حماية المواقع والمحافظة عليها.
ويضع هذا التصريح مسألة الإبلاغ والتوثيق في صلب القضية؛ ففي حين تتحدث شهادات محلية عن حفر متكرر واستخدام آليات ثقيلة في بعض التلال، تقول المديرية إنها لم تتلقَّ بلاغات بشأن هذه التعديات. ولا يحسم غياب البلاغات ما إذا كانت عمليات الحفر قد وقعت بالفعل، كما لا يغني عن التحقق الميداني من حالة المواقع وتحديد الأضرار التي لحقت بها.
ولم يقدم التصريح حصيلة محددة للأضرار في تل عجاجة أو تل أمطرية أو تل الذهب، كما لم يتضمن نتائج كشف ميداني حديث لهذه المواقع. ولذلك تبقى الحاجة قائمة إلى توثيق رسمي يحدد واقع كل موقع، وطبيعة التعديات التي تعرض لها، والإجراءات المتخذة بشأنها.
الآليات الثقيلة.. خطر على طبقات التاريخ
حذّر خلف من استخدام الآليات الثقيلة في أعمال التنقيب داخل التلال الأثرية، لما تسببه من تكسير للقى وتشويه للمواقع وإتلاف للشواهد التي يمكن أن تساعد المختصين على فهم تاريخها.
وأكد أن البحث عن الآثار والتنقيب عنها يجب أن يتم على أيدي خبراء ومختصين، وفق أسس علمية تضمن استخراج المكتشفات والمحافظة عليها، بدلاً من تعريضها للتلف بفعل الحفر العشوائي.
وتتفق هذه المخاوف مع ما أورده الباحث محمود عبد الفتاح بشأن الأضرار التي يلحقها التنقيب غير الشرعي بالسياقات الأثرية؛ إذ إن قيمة القطعة لا تنفصل عن مكان العثور عليها وعلاقتها بطبقات الموقع وبقية المكتشفات.
غير أن تحديد ما إذا كانت آليات ثقيلة قد استُخدمت في تل عجاجة، والمساحة التي طالتها أعمال الحفر، وحجم الضرر الناتج عنها، يتطلب توثيقاً ميدانياً من الجهات المختصة، وهو ما لم تتوافر نتائجه ضمن المعلومات التي جمعتها «العين السورية».
التوعية والحراسة.. مقترحات لحماية المواقع
وأشار مدير مديرية الثقافة في الحسكة إلى وجود برامج ومبادرات توعوية تستهدف السكان، ولا سيما فئة الشباب، عبر المحاضرات والندوات والمنشورات التي تشرح أهمية المواقع الأثرية ومخاطر التنقيب غير الشرعي والاتجار بالقطع الأثرية.
كما دعا إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات المدنية والحكومية والمنظمات الثقافية والمثقفين والكتّاب والمراكز الثقافية، بما يسهم في ترسيخ المسؤولية المجتمعية تجاه حماية الآثار.
وطرح خلف إمكانية إشراك أبناء القرى المحيطة بالمواقع الأثرية في حمايتها، من خلال تشجيعهم على الإبلاغ عن التجاوزات، وتوفير فرص عمل لهم في مجال حراسة المواقع، بما يتيح الاستفادة من معرفتهم بطبيعة المنطقة وارتباطهم بها.
وشدد كذلك على أهمية تسجيل الروايات المحلية وتوثيق شهادات السكان بشأن التلال التي تعرضت للحفر أو التخريب، معتبراً أن هذه الروايات قد تتضمن معلومات تساعد على فهم تاريخ المواقع والتغيرات التي طرأت عليها.
ومن بين المقترحات التي طرحها أيضاً تنظيم جولات دورية إلى المواقع الأثرية برفقة المسؤولين والجهات المعنية، وإجراء مسوحات ميدانية، والاستعانة بالبعثات الأثرية المتخصصة، إلى جانب تنظيم رحلات تعليمية للطلاب بالتعاون مع المدارس والجامعات لتعريفهم بقيمة الإرث الحضاري لوادي الخابور.
وتبقى هذه المقترحات بحاجة إلى ترجمتها إلى خطوات عملية قابلة للقياس، تشمل تحديد المواقع ذات الأولوية، وتوثيق حالتها، ووضع آليات واضحة للحراسة والإبلاغ والاستجابة للشكاوى.
ما الذي خسرته المواقع الأثرية؟
إلى جانب قيمة القطع الأثرية التي قد تُستخرج من باطن الأرض، فإن الحفر العشوائي قد يؤدي إلى إتلاف الطبقات التي توضح تاريخ الموقع وتسلسل الاستيطان البشري فيه. فالسياق الذي تُعثر فيه القطعة، وعلاقتها بالمقابر والمنشآت واللقى الأخرى، يشكل جزءاً أساسياً من قيمتها العلمية والتاريخية.
ومن هنا، لا تتعلق القضية فقط بما إذا كانت قطع ذهبية أو نقدية قد سُرقت، بل أيضاً بما إذا كانت معلومات تاريخية لا يمكن استعادتها قد ضاعت نتيجة الحفر غير المنظم.
ويرى أبناء المنطقة الذين تحدثوا إلى «العين السورية» أن حماية هذه المواقع تحتاج إلى رقابة فعلية، وتوثيق للأضرار، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن التنقيب غير القانوني، إلى جانب إجراء مسوحات أثرية رسمية لتحديد ما تبقى من المواقع واللقى.
وتبرز في هذا السياق أهمية تحويل شهادات الأهالي إلى معلومات قابلة للتحقق، عبر تحديد مواقع الحفر وتواريخها التقريبية، ومقارنتها بما تكشفه المعاينات الميدانية والصور والوثائق المتاحة.
من المسؤول عن التوثيق والحماية؟
تكشف الشهادات التي جمعتها «العين السورية»، إلى جانب تصريح مدير مديرية الثقافة في الحسكة، عن الحاجة إلى توضيح واقع الحماية الميدانية للتلال الأثرية على امتداد الخابور، ومدى وجود توثيق حديث للأضرار التي قد تكون لحقت بها.
وفي حين أكد عبد المجيد محمد خلف أهمية التنسيق بين مديرية الثقافة والجهات المعنية بالآثار والمتاحف والمؤسسات الأمنية والإدارية، لم يقدم التصريح تفاصيل محددة عن جولات تفتيش حديثة في المواقع التي وردت بشأنها شهادات عن التنقيب، أو نتائج تقييم رسمي لأضرارها.
وتبقى الأسئلة قائمة بشأن آليات مراقبة التلال الواقعة وسط مياه بحيرة السد الجنوبي أو بالقرب منها، ومدى توافر الحراسة والإمكانات اللازمة للوصول إليها، وكيفية التعامل مع أي مكتشفات يُشتبه في استخراجها بصورة غير قانونية.
كما أن غياب البلاغات، وفق ما ذكره خلف، يطرح أهمية إنشاء آلية واضحة وآمنة تتيح للسكان الإبلاغ عن التعديات، ومتابعة البلاغات وتوثيق نتائجها، من دون تعريض المبلغين للخطر.
إن حماية المواقع الأثرية لا تقتصر على التوعية أو إعلان المسؤولية العامة، بل تتطلب إجراءات ملموسة، تبدأ بالكشف الميداني وتوثيق الأضرار، ولا تنتهي عند ضبط المخالفات ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
فالتلال الأثرية في ريف الحسكة ليست مجرد مرتفعات ترابية، بل مواقع تختزن شواهد على تاريخ المنطقة وحضاراتها. وأي تأخير في التحقق من حالتها وتوثيق ما تعرضت له قد يعني خسارة مزيد من هذا الإرث قبل أن تتاح دراسته بصورة علمية.
وتشير الشهادات التي جمعتها «العين السورية» إلى أن الحفر لم يقتصر على استخدام الأدوات اليدوية، بل وصل، بحسب بعض الشهود، إلى استخدام آليات ثقيلة في مواقع أثرية، ما يثير تساؤلات حول حجم الأضرار التي لحقت بهذه المواقع، والجهات المسؤولة عن حمايتها ومراقبتها.
وفي مقابل هذه الشهادات، تقول مديرية الثقافة في الحسكة إنها لم تتلقَّ بلاغات من أبناء المنطقة بشأن التعديات على المواقع الأثرية، مؤكدة أهمية التعاون بين المؤسسات المعنية والسكان المحليين لحماية هذا الإرث وتوثيق ما يتعرض له من أضرار.
تل أمطرية.. حفر في جزيرة وسط البحيرة
يقول خليل السوادي، وهو من أبناء المنطقة، إن تل أمطرية، الواقع وسط مياه بحيرة السد الجنوبي، تعرّض لعمليات حفر وتنقيب غير شرعي. ويضيف أن أشخاصاً كانوا يعبرون إلى الموقع بواسطة السفن، ويحفرون خلال الليل قبل مغادرته.
وبحسب السوادي، يضم التل مقابر قديمة، ويعتقد أن بعض المدفونين فيها كانوا يُدفنون مع مقتنياتهم الشخصية، مثل الخواتم والمجوهرات والأواني الفخارية، وفق ما يصفه من روايات متداولة عن طبيعة الدفن في تلك الفترات.

ويشير إلى أن آثار الحفر والخراب باتت واضحة في الموقع، داعياً إلى معاينته وتوثيق الأضرار التي لحقت به، والتحقق من طبيعة المقابر واللقى الأثرية الموجودة فيه.
ولا تتوافر حتى الآن معاينة أثرية مستقلة تثبت حجم الأضرار في تل أمطرية أو تحدد طبيعة الموجودات التي يُعتقد أنها تعرضت للنهب، ما يجعل الكشف الميداني والتوثيق المتخصص ضرورة لتحديد واقع الموقع.
تل عجاجة.. حفر متواصل وآليات ثقيلة
وفي تل عجاجة، يتحدث السوادي عن عمليات تنقيب يقول إنها استمرت حتى الأيام القريبة من موعد شهادته، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص باتوا يستخدمون آليات ثقيلة، بينها الجرارات والحفارات، بحثاً عن الآثار.
ويضيف أن استخدام هذه الآليات يهدد بتدمير أجزاء من التل وطبقاته الأثرية، التي قد تحمل معلومات عن تاريخ الموقع والحضارات التي تعاقبت عليه.
وكان سالم الحمد، من منطقة عجاجة، قد تحدث بدوره عن عمليات حفر طالت التل من جهات متعددة، مشيراً إلى أن بعض الأشخاص عثروا، وفق روايته، على قطع أثرية وأوانٍ فخارية تحمل كتابات غير مفهومة بالنسبة إليهم، فضلاً عن مقتنيات أخرى لم يتمكن من التحقق من مصيرها.
ويقول الحمد إن التنقيب غير الشرعي بدأ، بحسب ما شاهده وعرفه من أبناء المنطقة، خلال فترة سيطرة تنظيم «داعش»، وإن عمليات الحفر استمرت في مراحل لاحقة. وتبقى طبيعة القطع التي جرى العثور عليها، وحجم ما فُقد من الموقع، بحاجة إلى توثيق أثري مستقل.
كما يطرح حديث السوادي عن مرور دوريات أمنية قرب الموقع من دون التدخل تساؤلات حول مستوى الرقابة على التل، وهي مسألة تحتاج إلى التحقق والحصول على رد الجهات المعنية.
تل عجاجة.. قيمة تاريخية تتجاوز القطع الأثرية
يوضح الصحفي والباحث المختص في الآثار والتاريخ محمود عبد الفتاح أن تل عجاجة، المعروف تاريخياً باسم شاديكاني (Šadikanni) والمرتبط بمدينة عربان القديمة، يُعد من المواقع الأثرية المهمة في منطقة الجزيرة السورية، لما يحمله من شواهد تاريخية تعود إلى العصور الآشورية، ولا سيما العصرين الآشوري الوسيط والحديث.

ويشير عبد الفتاح إلى أن الموقع شهد مراحل استيطان متعددة، وأن آثاره تعكس الأهمية السياسية والحضارية التي تمتعت بها المنطقة في العصور القديمة. كما يندرج تل عجاجة ضمن الإرث الحضاري لوادي الخابور، الذي شهد قيام مدن ومراكز استيطان قديمة أسهمت في تطور الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية في بلاد الرافدين.
ويؤكد أن أهمية الموقع لا تقتصر على ما قد يحتويه من قطع أثرية، بل تشمل أيضاً ما توفره بقايا المنشآت واللقى التاريخية من معلومات تساعد الباحثين على فهم طبيعة الحياة في المنطقة وعلاقاتها بالمراكز الحضارية المجاورة.
ويحذر عبد الفتاح من أن التنقيب غير الشرعي والتخريب لا يؤديان إلى فقدان القطع الأثرية فحسب، بل يتسببان أيضاً في ضياع معلومات تاريخية يصعب استعادتها، نتيجة العبث بطبقات التربة والسياقات التي عُثر فيها على اللقى.
ويشدد على ضرورة تكثيف أعمال الحماية والتوثيق الأثري، وتعزيز الوعي المجتمعي بقيمة هذه المواقع باعتبارها جزءاً من الهوية التاريخية والثقافية للمنطقة.
وتكتسب هذه التحذيرات أهمية في ضوء شهادات أبناء المنطقة عن استخدام آليات ثقيلة في الحفر داخل تل عجاجة، إذ إن تحديد حجم الضرر الفعلي يتطلب كشفاً ميدانياً من مختصين يوثق حالة الموقع وطبقاته الأثرية وما تعرض له من تخريب.
تل الذهب.. البحث عن الذهب على حساب التاريخ
وعلى طرف بحيرة السد الجنوبي، قبالة قرية الخمايل، يقع تل الذهب، الذي يقول السوادي إنه تعرّض بدوره لعمليات حفر بحثاً عن الذهب.
ويضيف أن أشخاصاً من مناطق مختلفة كانوا يقصدون الموقع، وأن أعمال الحفر أدت إلى تخريب أجزاء منه. كما تحدث خضر الكوان، من ريف الحسكة الجنوبي، عن العثور في تل الذهب على أوانٍ فخارية وقطع فخارية مزخرفة، وعن تعرض مقتنيات أثرية للنهب، وفق ما ينقله عن أبناء المنطقة.
ولا تتوافر حتى الآن، ضمن المعلومات التي جمعتها «العين السورية»، حصيلة موثقة لحجم الأضرار في التل أو عدد القطع التي فُقدت منه، كما لم يتسنَّ تحديد طبيعة اللقى التي يُقال إنها عُثر عليها، أو التأكد مما إذا كانت قد نُقلت إلى خارج المنطقة.
شهادات عن مواقع أخرى على امتداد الخابور
ولا تقتصر المخاوف على التلال الثلاثة. إذ يقول السوادي إن عمليات الحفر والسرقة طالت أيضاً تل الشدادي وتل المرقدة ومواقع أخرى في المنطقة.

ويتحدث خضر الكوان عن تلال أثرية أخرى في محيط بحيرة السد الجنوبي، بينها تل الذهب وتل أمطرية وتل المشنق وتلال أخرى، مشيراً إلى أن بعض المواقع غمرتها مياه البحيرة بعد إنشاء السد الجنوبي، وهو ما يستدعي التحقق من أوضاعها الحالية، ومدى إمكانية الوصول إليها وحمايتها.
من جهته، يقول زهير خلدون، وهو من قرى الخابور، إن عمليات الحفر ازدادت خلال سنوات النزاع، وإن أشخاصاً كانوا يقصدون المواقع الأثرية بحثاً عن مقتنيات قديمة. ويشير إلى أن بعض المزارعين يعثرون أحياناً على قطع نقدية قديمة أثناء العمل في أراضيهم، خصوصاً بعد هطول الأمطار.
أما شاهد آخر طلب عدم الكشف عن هويته خوفاً على سلامته، فقال إنه شاهد أشخاصاً مسلحين يستخدمون معدات حديثة للحفر في مواقع أثرية بين الحسكة والشدادي خلال فترة سيطرة قوات سوريا الديمقراطية «قسد». واتهم الشاهد جهات مرتبطة بها بالتورط في عمليات التنقيب وتهريب الآثار، وهي اتهامات لم تتمكن «العين السورية» من التحقق منها بصورة مستقلة، ولم تحصل بعد على رد من الجهات المعنية بشأنها.
مديرية الثقافة: لم نتلقَّ بلاغات عن التعديات
في معرض حديثه عن مسؤولية المؤسسات المعنية في حماية المواقع الأثرية، قال مدير مديرية الثقافة في الحسكة، عبد المجيد محمد خلف، إن التلال الأثرية الممتدة على ضفاف نهر الخابور تمثل جزءاً مهماً من الذاكرة التاريخية والثقافية للسوريين، لما تختزنه من شواهد تساعد على كشف تاريخ المنطقة والحضارات التي تعاقبت عليها.
وأوضح خلف أن سوريا مرّت بظروف صعبة خلال سنوات النزاع، وأن هذه الظروف زادت من احتمالات التخريب والنهب والاعتداء على المواقع الأثرية، مشيراً إلى أن منطقة حوض الخابور في الحسكة لم تكن بمنأى عن هذه المخاطر.
وأضاف أن مديرية الثقافة والجهات المعنية بالآثار والمتاحف عملت، بالتعاون مع الجهات الأمنية والإدارية والأهالي، على الحد من عمليات التخريب والسرقة والتنقيب غير الشرعي قدر الإمكان، مع إقراره بإمكانية وقوع تجاوزات في بعض المواقع.
لكن خلف أوضح أن المديرية لم تتلقَّ شكاوى أو بلاغات من أبناء المنطقة بشأن التعديات على المواقع الأثرية، لافتاً إلى أن الظروف المعيشية الصعبة قد تجعل بعض السكان أقل اهتماماً بمتابعة هذه القضايا، رغم ما وصفه بدور الأهالي في حماية المواقع والمحافظة عليها.
ويضع هذا التصريح مسألة الإبلاغ والتوثيق في صلب القضية؛ ففي حين تتحدث شهادات محلية عن حفر متكرر واستخدام آليات ثقيلة في بعض التلال، تقول المديرية إنها لم تتلقَّ بلاغات بشأن هذه التعديات. ولا يحسم غياب البلاغات ما إذا كانت عمليات الحفر قد وقعت بالفعل، كما لا يغني عن التحقق الميداني من حالة المواقع وتحديد الأضرار التي لحقت بها.
ولم يقدم التصريح حصيلة محددة للأضرار في تل عجاجة أو تل أمطرية أو تل الذهب، كما لم يتضمن نتائج كشف ميداني حديث لهذه المواقع. ولذلك تبقى الحاجة قائمة إلى توثيق رسمي يحدد واقع كل موقع، وطبيعة التعديات التي تعرض لها، والإجراءات المتخذة بشأنها.
الآليات الثقيلة.. خطر على طبقات التاريخ
حذّر خلف من استخدام الآليات الثقيلة في أعمال التنقيب داخل التلال الأثرية، لما تسببه من تكسير للقى وتشويه للمواقع وإتلاف للشواهد التي يمكن أن تساعد المختصين على فهم تاريخها.
وأكد أن البحث عن الآثار والتنقيب عنها يجب أن يتم على أيدي خبراء ومختصين، وفق أسس علمية تضمن استخراج المكتشفات والمحافظة عليها، بدلاً من تعريضها للتلف بفعل الحفر العشوائي.

وتتفق هذه المخاوف مع ما أورده الباحث محمود عبد الفتاح بشأن الأضرار التي يلحقها التنقيب غير الشرعي بالسياقات الأثرية؛ إذ إن قيمة القطعة لا تنفصل عن مكان العثور عليها وعلاقتها بطبقات الموقع وبقية المكتشفات.
غير أن تحديد ما إذا كانت آليات ثقيلة قد استُخدمت في تل عجاجة، والمساحة التي طالتها أعمال الحفر، وحجم الضرر الناتج عنها، يتطلب توثيقاً ميدانياً من الجهات المختصة، وهو ما لم تتوافر نتائجه ضمن المعلومات التي جمعتها «العين السورية».
التوعية والحراسة.. مقترحات لحماية المواقع
وأشار مدير مديرية الثقافة في الحسكة إلى وجود برامج ومبادرات توعوية تستهدف السكان، ولا سيما فئة الشباب، عبر المحاضرات والندوات والمنشورات التي تشرح أهمية المواقع الأثرية ومخاطر التنقيب غير الشرعي والاتجار بالقطع الأثرية.
كما دعا إلى تعزيز التعاون بين المؤسسات المدنية والحكومية والمنظمات الثقافية والمثقفين والكتّاب والمراكز الثقافية، بما يسهم في ترسيخ المسؤولية المجتمعية تجاه حماية الآثار.
وطرح خلف إمكانية إشراك أبناء القرى المحيطة بالمواقع الأثرية في حمايتها، من خلال تشجيعهم على الإبلاغ عن التجاوزات، وتوفير فرص عمل لهم في مجال حراسة المواقع، بما يتيح الاستفادة من معرفتهم بطبيعة المنطقة وارتباطهم بها.
وشدد كذلك على أهمية تسجيل الروايات المحلية وتوثيق شهادات السكان بشأن التلال التي تعرضت للحفر أو التخريب، معتبراً أن هذه الروايات قد تتضمن معلومات تساعد على فهم تاريخ المواقع والتغيرات التي طرأت عليها.
ومن بين المقترحات التي طرحها أيضاً تنظيم جولات دورية إلى المواقع الأثرية برفقة المسؤولين والجهات المعنية، وإجراء مسوحات ميدانية، والاستعانة بالبعثات الأثرية المتخصصة، إلى جانب تنظيم رحلات تعليمية للطلاب بالتعاون مع المدارس والجامعات لتعريفهم بقيمة الإرث الحضاري لوادي الخابور.
وتبقى هذه المقترحات بحاجة إلى ترجمتها إلى خطوات عملية قابلة للقياس، تشمل تحديد المواقع ذات الأولوية، وتوثيق حالتها، ووضع آليات واضحة للحراسة والإبلاغ والاستجابة للشكاوى.
ما الذي خسرته المواقع الأثرية؟
إلى جانب قيمة القطع الأثرية التي قد تُستخرج من باطن الأرض، فإن الحفر العشوائي قد يؤدي إلى إتلاف الطبقات التي توضح تاريخ الموقع وتسلسل الاستيطان البشري فيه. فالسياق الذي تُعثر فيه القطعة، وعلاقتها بالمقابر والمنشآت واللقى الأخرى، يشكل جزءاً أساسياً من قيمتها العلمية والتاريخية.
ومن هنا، لا تتعلق القضية فقط بما إذا كانت قطع ذهبية أو نقدية قد سُرقت، بل أيضاً بما إذا كانت معلومات تاريخية لا يمكن استعادتها قد ضاعت نتيجة الحفر غير المنظم.
ويرى أبناء المنطقة الذين تحدثوا إلى «العين السورية» أن حماية هذه المواقع تحتاج إلى رقابة فعلية، وتوثيق للأضرار، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته عن التنقيب غير القانوني، إلى جانب إجراء مسوحات أثرية رسمية لتحديد ما تبقى من المواقع واللقى.
وتبرز في هذا السياق أهمية تحويل شهادات الأهالي إلى معلومات قابلة للتحقق، عبر تحديد مواقع الحفر وتواريخها التقريبية، ومقارنتها بما تكشفه المعاينات الميدانية والصور والوثائق المتاحة.
من المسؤول عن التوثيق والحماية؟
تكشف الشهادات التي جمعتها «العين السورية»، إلى جانب تصريح مدير مديرية الثقافة في الحسكة، عن الحاجة إلى توضيح واقع الحماية الميدانية للتلال الأثرية على امتداد الخابور، ومدى وجود توثيق حديث للأضرار التي قد تكون لحقت بها.
وفي حين أكد عبد المجيد محمد خلف أهمية التنسيق بين مديرية الثقافة والجهات المعنية بالآثار والمتاحف والمؤسسات الأمنية والإدارية، لم يقدم التصريح تفاصيل محددة عن جولات تفتيش حديثة في المواقع التي وردت بشأنها شهادات عن التنقيب، أو نتائج تقييم رسمي لأضرارها.
وتبقى الأسئلة قائمة بشأن آليات مراقبة التلال الواقعة وسط مياه بحيرة السد الجنوبي أو بالقرب منها، ومدى توافر الحراسة والإمكانات اللازمة للوصول إليها، وكيفية التعامل مع أي مكتشفات يُشتبه في استخراجها بصورة غير قانونية.
كما أن غياب البلاغات، وفق ما ذكره خلف، يطرح أهمية إنشاء آلية واضحة وآمنة تتيح للسكان الإبلاغ عن التعديات، ومتابعة البلاغات وتوثيق نتائجها، من دون تعريض المبلغين للخطر.
إن حماية المواقع الأثرية لا تقتصر على التوعية أو إعلان المسؤولية العامة، بل تتطلب إجراءات ملموسة، تبدأ بالكشف الميداني وتوثيق الأضرار، ولا تنتهي عند ضبط المخالفات ومحاسبة المسؤولين عنها وفق القانون.
فالتلال الأثرية في ريف الحسكة ليست مجرد مرتفعات ترابية، بل مواقع تختزن شواهد على تاريخ المنطقة وحضاراتها. وأي تأخير في التحقق من حالتها وتوثيق ما تعرضت له قد يعني خسارة مزيد من هذا الإرث قبل أن تتاح دراسته بصورة علمية.


