سوريا - محليات
الحسكة.. نصف الراتب للمياه.. قرى تنتظر الفرات وصهاريج تستنزف جيوب الأهالي
نحو 200 ألف نسمة متضررون من توقف محطة ضخ الصور، وفق مؤسسة المياه، والأهالي ينفقون مئات آلاف الليرات شهرياً على الصهاريج، وسط مطالب بإعادة تأهيل خط المياه ودعم النقل وضمان جودة المياه.
أ
أحمد العجور
نشر في: ١٨ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٢:٢٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية – الحسكة
«أنا كل راتبي مليون ومئتين، 500 ألف للمي، ولسه ما أكلت ولا شربت».
بهذه الكلمات يلخص شاهر الخليل، أحد أبناء قرية قانا في ريف الحسكة، جانباً من معاناة عائلات تضطر إلى شراء المياه بالصهاريج لتأمين احتياجاتها اليومية، في ظل عدم كفاية مصادر المياه المتاحة، بحسب شهادات من المنطقة.
لم تعد المياه بالنسبة إلى كثير من هذه العائلات مجرد خدمة أساسية، بل نفقة تستنزف جزءاً كبيراً من دخلها، وتضعها أمام خيارات صعبة بين تأمين مياه الشرب وتلبية احتياجات أخرى، من الغذاء إلى متطلبات الأطفال والمدارس والعلاج.
وفي ريف الحسكة الجنوبي والقرى المحيطة بالشدادي، تتفاوت أسعار المياه بحسب المسافة التي يقطعها الصهريج، فيما يطالب الأهالي بتدخل الجهات المعنية لتخفيف الأعباء عنهم، وإعادة تشغيل خط مياه يقول السكان إنه يصل من منطقة دير الزور باتجاه مدينة الحسكة.
المياه تستهلك جزءاً كبيراً من دخل الأسرة
يقول شاهر الخليل، من قرية قانا، إن سعر تعبئة خزان من خمسة براميل يتراوح، بحسب المنطقة، بين 70 ألفاً و100 ألف ليرة سورية، وقد يصل إلى 150 ألفاً أو 170 ألف ليرة في القرى الأبعد.
ويضيف أن شراء المياه يكلفه نحو 500 ألف ليرة شهرياً، موضحاً أن دخله الشهري يبلغ مليوناً ومئتي ألف ليرة، ما يجعل الإنفاق على المياه عبئاً ثقيلاً على أسرته.
ويقول الخليل إن هذه النفقات لا تترك للأسرة هامشاً كافياً لتغطية بقية احتياجاتها، متسائلاً عن كيفية تدبير مصاريف الطعام والمدارس والعلاج بعد دفع جزء كبير من الدخل مقابل المياه.
ويطالب الجهات الحكومية المعنية بالتحرك لتأمين المياه للقرى، إلى جانب تحسين الخدمات الأساسية الأخرى، وفي مقدمتها الكهرباء والخبز.
ولا تقف المشكلة عند حدود الدخل، وفق شهادة محمد عبد الغني، من ريف الحسكة الجنوبي، الذي يقول إن بعض العائلات تلجأ إلى مياه الآبار رغم مذاقها المر، في محاولة لتقليل الاعتماد على شراء المياه بالصهاريج.
ويذكر عبد الغني أن سعر تعبئة الخزان سعة خمسة براميل يصل إلى 70 ألفاً أو 80 ألف ليرة في بعض المناطق، ويرتفع إلى 100 ألف أو 130 ألفاً في مناطق أخرى، بحسب المسافة.
ويضيف أن الأسرة قد تنفق، وفق تقديره، ما بين 600 ألف و700 ألف ليرة شهرياً على المياه وحدها، معتبراً أن هذه الكلفة تفوق قدرة كثير من العائلات.
ويطالب بتخصيص صهاريج حكومية لتزويد القرى بالمياه بأسعار رمزية، بما يخفف الأعباء عن السكان الذين لا يستطيعون الاستمرار في شراء المياه بهذه الأسعار.
أصحاب الصهاريج: الوقود والصيانة يرفعان الكلفة
في المقابل، يضع أصحاب الصهاريج ارتفاع تكاليف التشغيل في صلب تفسيرهم للأسعار، ويقولون إن نقل المياه إلى القرى البعيدة يتطلب وقوداً وصيانة متكررة، خصوصاً مع تردي الطرق وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
ويقول علي المطر، وهو صاحب صهريج مدني ينقل المياه إلى قرى ريف الحسكة، إن صهريجه يتسع لنحو 100 برميل، وإن تشغيله يتطلب كميات كبيرة من الوقود، إلى جانب تكاليف الإصلاح ومعدات ضخ المياه إلى خزانات المنازل.
ويشير المطر إلى أن سعر لتر المازوت، بحسب ما ذكره وقت تسجيل شهادته، يبلغ 17 ألفاً و500 ليرة سورية، معتبراً أن هذا السعر ينعكس على كلفة نقل المياه، ولا سيما إلى القرى البعيدة.
ويضيف أن الطرق الوعرة تزيد من أعباء الصيانة، موضحاً أن إصلاح الأعطال قد يكون مكلفاً إلى درجة تهدد قدرته على مواصلة العمل إذا تعرض المحرك لعطل كبير.
وبحسب المطر، يبلغ سعر تعبئة خزان من خمسة براميل نحو 70 ألف ليرة في بعض القرى، فيما يصل إلى 150 ألفاً أو 160 ألف ليرة في القرى الأبعد، تبعاً للمسافة وتكاليف النقل.
ويؤكد أنه لا يعمل ضمن مؤسسة حكومية، بل ينقل المياه بصفته صاحب صهريج مدني، ويقول إنه مستعد، مع عدد من أصحاب الصهاريج الآخرين، للمساهمة في تخفيف معاناة السكان إذا جرى توفير المازوت لهم بسعر مدعوم.
ويقترح تخصيص كميات من الوقود للصهاريج التي تعمل على نقل المياه إلى القرى، بأسعار أقل من السعر المتداول، معتبراً أن هذا الإجراء يمكن أن يساعد على خفض كلفة النقل والتعبئة.
ويؤكد المطر استعداده للتعاون مع الجهات المعنية في حال اعتماد آلية دعم واضحة، مضيفاً أن تأمين المياه للقرى يحتاج إلى حل منظم ومستدام، لا أن يبقى معتمداً على قدرة كل عائلة على دفع ثمن الصهريج.
محطة الصور خارج الخدمة.. و200 ألف نسمة متضررون
في توضيح لأسباب أزمة المياه، قال فرحان العويس، مدير الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في محافظة الحسكة، إن توقف الضخ يعود إلى خروج محطة ضخ الصور عن الخدمة، نتيجة عدم توفر كميات كافية من المياه في قناة الجر، والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، إضافة إلى أعطال في المضخات العمودية وحاجتها إلى الصيانة والتأهيل، فضلاً عن ضرورة صيانة القساطل داخل المحطة.
وأوضح العويس أن القرى المتضررة تمتد في الريف الجنوبي للحسكة من مركدة وصولاً إلى الخمايل، مقدّراً عدد المتضررين بنحو 200 ألف نسمة.
وتضع هذه المعطيات أزمة المياه في إطار يتجاوز ارتفاع أسعار الصهاريج، لتشمل تعطل البنية التحتية المسؤولة عن ضخ المياه ونقلها إلى المناطق السكنية، إلى جانب مشكلات توفر المياه والطاقة اللازمة لتشغيل المحطات.
وبينما يضطر الأهالي إلى شراء المياه بأسعار تتفاوت بحسب المسافة، تقول المؤسسة إن معالجة الأزمة تتطلب إصلاح الأعطال وإعادة تأهيل المحطات والخطوط التي تنقل المياه إلى الريف الجنوبي.
خط مياه الفرات.. هل يمكن أن يكون جزءاً من الحل؟
إلى جانب مطالب دعم الصهاريج، يثير سكان وأصحاب صهاريج سؤالاً بشأن خط المياه الواصل من منطقة دير الزور باتجاه محطة العزيزية في مدينة الحسكة، ويطالبون بالتحقق من وضعه الفني وإمكانية الاستفادة منه لتأمين المياه للقرى الواقعة على مساره أو في المناطق التي يمكن أن يخدمها.
ويقول شاهر الخليل إن الخط أُنشئ سابقاً بمساهمة إحدى المنظمات، بحسب روايته، متسائلاً عن أسباب عدم الاستفادة منه حالياً، فيما يطالب علي المطر بإعادة تفعيله، معتبراً أن تشغيله قد يخفف اعتماد السكان على شراء المياه بالصهاريج.
من جهته، أكد العويس أن خط الجر الواصل من محطة الصور إلى محطة العزيزية متوقف عن الخدمة بسبب وجود تعديات وكسور وأعطال في الفوانتوسات الهوائية، موضحاً أن وضعه الفني يحتاج إلى أعمال صيانة وإزالة التعديات على امتداد الخط.
وأضاف أن الشركة تعمل بالشراكة مع المنظمات الدولية المانحة لتنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل، بهدف إعادة الخط إلى الخدمة وتأمين المياه للريف الجنوبي، إلى جانب تأهيل محطات الضخ والتصفية الجنوبية.
ويعني ذلك، وفق توضيحات المؤسسة، أن إعادة تشغيل الخط لا تتوقف على إصلاح عطل واحد، بل تتطلب معالجة مجموعة من المشكلات الفنية والتعديات التي تعيق عمله.
لكن المؤسسة لم تحدد، في الرد المقدم، موعداً متوقعاً للانتهاء من أعمال الصيانة وإعادة الضخ، كما لم توضح المراحل التي أُنجزت حتى الآن أو الجدول الزمني لإيصال المياه إلى القرى المتضررة.
من يراقب جودة المياه وأسعارها؟
مع اعتماد بعض العائلات على الصهاريج، تبرز مسألتان أساسيتان تتعلقان بسلامة المياه وكلفة الحصول عليها.
ويقول العويس إن الأهالي يضطرون إلى شراء المياه من محطات التحلية الخاصة أو من الصهاريج، بسبب عدم توفر مياه صالحة للشرب، موضحاً أن الصهاريج التي يعتمد عليها السكان تُعبّأ من مصادر بعيدة عن المنطقة، ومن مناهل غير تابعة للشركة.
وفيما يتعلق بالأسعار، قال العويس إن الشركة لا تراقب أسعار الصهاريج بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، في إشارة إلى التكاليف التي تؤثر في كلفة نقل المياه.
لكن هذا التوضيح يترك سؤالاً مفتوحاً بشأن الجهة المسؤولة عن مراقبة الأسعار وحماية الأهالي من الارتفاعات، وما إذا كانت هناك آلية بديلة لضبط كلفة المياه في ظل تعطل الإمدادات العامة.
أما من ناحية الجودة، فإن معرفة مصدر المياه لا تكفي وحدها للحكم على صلاحيتها للشرب؛ إذ يتطلب الأمر التحقق من نتائج الفحوص المخبرية، ومصادر التعبئة، ومدى الالتزام بإجراءات تنظيف خزانات النقل والتأكد من سلامتها.
ولا تتضمن إفادة المؤسسة المقدمة تفاصيل عن نتائج فحوص المياه المنقولة بالصهاريج أو آليات الرقابة الصحية عليها، ما يجعل هذه المسألة بحاجة إلى توضيح من الجهات الصحية والرقابية المختصة.
ما الحلول التي تطرحها مؤسسة المياه؟
قال العويس إن الشركة تعمل على إعادة تأهيل محطات الضخ والتصفية الجنوبية وصيانة خط الجر الواصل من محطة الصور إلى محطة العزيزية، بالتعاون مع المنظمات الدولية، بهدف إدخاله في الخدمة وتأمين المياه للريف الجنوبي.
وأضاف أن الشركة تعمل على تفعيل محطات تصفية المياه ومحطات التحلية التابعة لها لتلبية احتياجات الأهالي، والحد من اضطرارهم إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة، مؤكداً أن الشركة تعمل بكامل طاقتها لإيصال المياه إلى السكان بأسرع وقت ممكن.
وأشار العويس إلى أن الشركة تتعاون مع مديري المناطق لتزويد الأهالي بالمياه وفق الإمكانات المتاحة.
وتتقاطع هذه الإجراءات مع مطالب الأهالي وأصحاب الصهاريج، الذين يدعون إلى إيجاد حلول تخفف الكلفة إلى حين عودة الإمدادات العامة. فشاهر الخليل يطالب بتأمين المياه للقرى وتحسين الخدمات الأساسية، فيما يقترح علي المطر توفير المازوت المدعوم للصهاريج التي تنقل المياه إلى المناطق المتضررة.
غير أن تنفيذ هذه المقترحات يحتاج إلى توضيح آليات توزيع المياه، وعدد القرى التي يمكن خدمتها بصورة عاجلة، والموارد المتاحة لتشغيل الصهاريج ومحطات الضخ، إضافة إلى تحديد المدة اللازمة لإعادة تأهيل الخط والمحطات.
بين معاناة الأهالي وخطط التأهيل.. متى تعود المياه؟
تكشف الشهادات التي جمعتها «العين السورية» عن حجم الأعباء التي يتحملها سكان الريف الجنوبي للحسكة لتأمين المياه، في وقت أقرت فيه مؤسسة المياه بخروج محطة ضخ الصور عن الخدمة، وقدّرت عدد المتضررين بنحو 200 ألف نسمة.
وبينما يقول الأهالي إن كلفة شراء المياه تستنزف جزءاً كبيراً من دخلهم، يشير أصحاب الصهاريج إلى أن ارتفاع تكاليف التشغيل يحد من قدرتهم على خفض الأسعار، فيما تقول المؤسسة إنها تعمل بالتعاون مع منظمات دولية لإصلاح الأعطال وإعادة تشغيل الخط ومحطات الضخ والتصفية.
لكن حجم المعاناة التي تصفها الشهادات يطرح أسئلة عن المدة اللازمة لإنجاز أعمال التأهيل، والإجراءات العاجلة لتأمين المياه للقرى المتضررة إلى حين عودة الضخ، وآليات ضمان جودة المياه التي تصل إلى المنازل، فضلاً عن إمكانية تنظيم أسعار الصهاريج وتخفيف كلفتها عن العائلات محدودة الدخل.
ويبقى من الضروري توضيح الجهة المسؤولة عن مراقبة أسعار المياه المنقولة بالصهاريج، والإجراءات المتخذة لضمان عدم استغلال حاجة الأهالي، إلى جانب توفير معلومات عن فحوص جودة المياه ومصادرها.
وتبقى إعادة تشغيل الخط وحدها غير كافية ما لم تترافق مع ضمان توفر المياه ومصادر الطاقة، وصيانة محطات الضخ وشبكات التوزيع، ووضع آلية واضحة لتأمين مياه آمنة ومنتظمة للسكان.
وبالنسبة إلى الأهالي، لا تتعلق القضية بمجرد إصلاح محطة أو خط مياه، بل بموعد انتهاء اضطرارهم إلى تخصيص مئات آلاف الليرات شهرياً لتأمين حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، وبحقهم في الحصول على مياه آمنة وخدمة عامة منتظمة، من دون أن يتحول الوصول إليها إلى عبء يلتهم جزءاً كبيراً من دخل الأسرة.
«أنا كل راتبي مليون ومئتين، 500 ألف للمي، ولسه ما أكلت ولا شربت».
بهذه الكلمات يلخص شاهر الخليل، أحد أبناء قرية قانا في ريف الحسكة، جانباً من معاناة عائلات تضطر إلى شراء المياه بالصهاريج لتأمين احتياجاتها اليومية، في ظل عدم كفاية مصادر المياه المتاحة، بحسب شهادات من المنطقة.
لم تعد المياه بالنسبة إلى كثير من هذه العائلات مجرد خدمة أساسية، بل نفقة تستنزف جزءاً كبيراً من دخلها، وتضعها أمام خيارات صعبة بين تأمين مياه الشرب وتلبية احتياجات أخرى، من الغذاء إلى متطلبات الأطفال والمدارس والعلاج.
وفي ريف الحسكة الجنوبي والقرى المحيطة بالشدادي، تتفاوت أسعار المياه بحسب المسافة التي يقطعها الصهريج، فيما يطالب الأهالي بتدخل الجهات المعنية لتخفيف الأعباء عنهم، وإعادة تشغيل خط مياه يقول السكان إنه يصل من منطقة دير الزور باتجاه مدينة الحسكة.
المياه تستهلك جزءاً كبيراً من دخل الأسرة
يقول شاهر الخليل، من قرية قانا، إن سعر تعبئة خزان من خمسة براميل يتراوح، بحسب المنطقة، بين 70 ألفاً و100 ألف ليرة سورية، وقد يصل إلى 150 ألفاً أو 170 ألف ليرة في القرى الأبعد.
ويضيف أن شراء المياه يكلفه نحو 500 ألف ليرة شهرياً، موضحاً أن دخله الشهري يبلغ مليوناً ومئتي ألف ليرة، ما يجعل الإنفاق على المياه عبئاً ثقيلاً على أسرته.
ويقول الخليل إن هذه النفقات لا تترك للأسرة هامشاً كافياً لتغطية بقية احتياجاتها، متسائلاً عن كيفية تدبير مصاريف الطعام والمدارس والعلاج بعد دفع جزء كبير من الدخل مقابل المياه.
ويطالب الجهات الحكومية المعنية بالتحرك لتأمين المياه للقرى، إلى جانب تحسين الخدمات الأساسية الأخرى، وفي مقدمتها الكهرباء والخبز.
ولا تقف المشكلة عند حدود الدخل، وفق شهادة محمد عبد الغني، من ريف الحسكة الجنوبي، الذي يقول إن بعض العائلات تلجأ إلى مياه الآبار رغم مذاقها المر، في محاولة لتقليل الاعتماد على شراء المياه بالصهاريج.
ويذكر عبد الغني أن سعر تعبئة الخزان سعة خمسة براميل يصل إلى 70 ألفاً أو 80 ألف ليرة في بعض المناطق، ويرتفع إلى 100 ألف أو 130 ألفاً في مناطق أخرى، بحسب المسافة.
ويضيف أن الأسرة قد تنفق، وفق تقديره، ما بين 600 ألف و700 ألف ليرة شهرياً على المياه وحدها، معتبراً أن هذه الكلفة تفوق قدرة كثير من العائلات.
ويطالب بتخصيص صهاريج حكومية لتزويد القرى بالمياه بأسعار رمزية، بما يخفف الأعباء عن السكان الذين لا يستطيعون الاستمرار في شراء المياه بهذه الأسعار.
أصحاب الصهاريج: الوقود والصيانة يرفعان الكلفة
في المقابل، يضع أصحاب الصهاريج ارتفاع تكاليف التشغيل في صلب تفسيرهم للأسعار، ويقولون إن نقل المياه إلى القرى البعيدة يتطلب وقوداً وصيانة متكررة، خصوصاً مع تردي الطرق وصعوبة الوصول إلى بعض المناطق.
ويقول علي المطر، وهو صاحب صهريج مدني ينقل المياه إلى قرى ريف الحسكة، إن صهريجه يتسع لنحو 100 برميل، وإن تشغيله يتطلب كميات كبيرة من الوقود، إلى جانب تكاليف الإصلاح ومعدات ضخ المياه إلى خزانات المنازل.
ويشير المطر إلى أن سعر لتر المازوت، بحسب ما ذكره وقت تسجيل شهادته، يبلغ 17 ألفاً و500 ليرة سورية، معتبراً أن هذا السعر ينعكس على كلفة نقل المياه، ولا سيما إلى القرى البعيدة.
ويضيف أن الطرق الوعرة تزيد من أعباء الصيانة، موضحاً أن إصلاح الأعطال قد يكون مكلفاً إلى درجة تهدد قدرته على مواصلة العمل إذا تعرض المحرك لعطل كبير.
وبحسب المطر، يبلغ سعر تعبئة خزان من خمسة براميل نحو 70 ألف ليرة في بعض القرى، فيما يصل إلى 150 ألفاً أو 160 ألف ليرة في القرى الأبعد، تبعاً للمسافة وتكاليف النقل.
ويؤكد أنه لا يعمل ضمن مؤسسة حكومية، بل ينقل المياه بصفته صاحب صهريج مدني، ويقول إنه مستعد، مع عدد من أصحاب الصهاريج الآخرين، للمساهمة في تخفيف معاناة السكان إذا جرى توفير المازوت لهم بسعر مدعوم.
ويقترح تخصيص كميات من الوقود للصهاريج التي تعمل على نقل المياه إلى القرى، بأسعار أقل من السعر المتداول، معتبراً أن هذا الإجراء يمكن أن يساعد على خفض كلفة النقل والتعبئة.
ويؤكد المطر استعداده للتعاون مع الجهات المعنية في حال اعتماد آلية دعم واضحة، مضيفاً أن تأمين المياه للقرى يحتاج إلى حل منظم ومستدام، لا أن يبقى معتمداً على قدرة كل عائلة على دفع ثمن الصهريج.
محطة الصور خارج الخدمة.. و200 ألف نسمة متضررون
في توضيح لأسباب أزمة المياه، قال فرحان العويس، مدير الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي في محافظة الحسكة، إن توقف الضخ يعود إلى خروج محطة ضخ الصور عن الخدمة، نتيجة عدم توفر كميات كافية من المياه في قناة الجر، والانقطاعات المتكررة للتيار الكهربائي، إضافة إلى أعطال في المضخات العمودية وحاجتها إلى الصيانة والتأهيل، فضلاً عن ضرورة صيانة القساطل داخل المحطة.
وأوضح العويس أن القرى المتضررة تمتد في الريف الجنوبي للحسكة من مركدة وصولاً إلى الخمايل، مقدّراً عدد المتضررين بنحو 200 ألف نسمة.
وتضع هذه المعطيات أزمة المياه في إطار يتجاوز ارتفاع أسعار الصهاريج، لتشمل تعطل البنية التحتية المسؤولة عن ضخ المياه ونقلها إلى المناطق السكنية، إلى جانب مشكلات توفر المياه والطاقة اللازمة لتشغيل المحطات.
وبينما يضطر الأهالي إلى شراء المياه بأسعار تتفاوت بحسب المسافة، تقول المؤسسة إن معالجة الأزمة تتطلب إصلاح الأعطال وإعادة تأهيل المحطات والخطوط التي تنقل المياه إلى الريف الجنوبي.
خط مياه الفرات.. هل يمكن أن يكون جزءاً من الحل؟
إلى جانب مطالب دعم الصهاريج، يثير سكان وأصحاب صهاريج سؤالاً بشأن خط المياه الواصل من منطقة دير الزور باتجاه محطة العزيزية في مدينة الحسكة، ويطالبون بالتحقق من وضعه الفني وإمكانية الاستفادة منه لتأمين المياه للقرى الواقعة على مساره أو في المناطق التي يمكن أن يخدمها.
ويقول شاهر الخليل إن الخط أُنشئ سابقاً بمساهمة إحدى المنظمات، بحسب روايته، متسائلاً عن أسباب عدم الاستفادة منه حالياً، فيما يطالب علي المطر بإعادة تفعيله، معتبراً أن تشغيله قد يخفف اعتماد السكان على شراء المياه بالصهاريج.
من جهته، أكد العويس أن خط الجر الواصل من محطة الصور إلى محطة العزيزية متوقف عن الخدمة بسبب وجود تعديات وكسور وأعطال في الفوانتوسات الهوائية، موضحاً أن وضعه الفني يحتاج إلى أعمال صيانة وإزالة التعديات على امتداد الخط.
وأضاف أن الشركة تعمل بالشراكة مع المنظمات الدولية المانحة لتنفيذ أعمال الصيانة والتأهيل، بهدف إعادة الخط إلى الخدمة وتأمين المياه للريف الجنوبي، إلى جانب تأهيل محطات الضخ والتصفية الجنوبية.
ويعني ذلك، وفق توضيحات المؤسسة، أن إعادة تشغيل الخط لا تتوقف على إصلاح عطل واحد، بل تتطلب معالجة مجموعة من المشكلات الفنية والتعديات التي تعيق عمله.
لكن المؤسسة لم تحدد، في الرد المقدم، موعداً متوقعاً للانتهاء من أعمال الصيانة وإعادة الضخ، كما لم توضح المراحل التي أُنجزت حتى الآن أو الجدول الزمني لإيصال المياه إلى القرى المتضررة.
من يراقب جودة المياه وأسعارها؟
مع اعتماد بعض العائلات على الصهاريج، تبرز مسألتان أساسيتان تتعلقان بسلامة المياه وكلفة الحصول عليها.
ويقول العويس إن الأهالي يضطرون إلى شراء المياه من محطات التحلية الخاصة أو من الصهاريج، بسبب عدم توفر مياه صالحة للشرب، موضحاً أن الصهاريج التي يعتمد عليها السكان تُعبّأ من مصادر بعيدة عن المنطقة، ومن مناهل غير تابعة للشركة.
وفيما يتعلق بالأسعار، قال العويس إن الشركة لا تراقب أسعار الصهاريج بسبب ارتفاع أسعار المحروقات، في إشارة إلى التكاليف التي تؤثر في كلفة نقل المياه.
لكن هذا التوضيح يترك سؤالاً مفتوحاً بشأن الجهة المسؤولة عن مراقبة الأسعار وحماية الأهالي من الارتفاعات، وما إذا كانت هناك آلية بديلة لضبط كلفة المياه في ظل تعطل الإمدادات العامة.
أما من ناحية الجودة، فإن معرفة مصدر المياه لا تكفي وحدها للحكم على صلاحيتها للشرب؛ إذ يتطلب الأمر التحقق من نتائج الفحوص المخبرية، ومصادر التعبئة، ومدى الالتزام بإجراءات تنظيف خزانات النقل والتأكد من سلامتها.
ولا تتضمن إفادة المؤسسة المقدمة تفاصيل عن نتائج فحوص المياه المنقولة بالصهاريج أو آليات الرقابة الصحية عليها، ما يجعل هذه المسألة بحاجة إلى توضيح من الجهات الصحية والرقابية المختصة.
ما الحلول التي تطرحها مؤسسة المياه؟
قال العويس إن الشركة تعمل على إعادة تأهيل محطات الضخ والتصفية الجنوبية وصيانة خط الجر الواصل من محطة الصور إلى محطة العزيزية، بالتعاون مع المنظمات الدولية، بهدف إدخاله في الخدمة وتأمين المياه للريف الجنوبي.
وأضاف أن الشركة تعمل على تفعيل محطات تصفية المياه ومحطات التحلية التابعة لها لتلبية احتياجات الأهالي، والحد من اضطرارهم إلى شراء المياه بأسعار مرتفعة، مؤكداً أن الشركة تعمل بكامل طاقتها لإيصال المياه إلى السكان بأسرع وقت ممكن.
وأشار العويس إلى أن الشركة تتعاون مع مديري المناطق لتزويد الأهالي بالمياه وفق الإمكانات المتاحة.
وتتقاطع هذه الإجراءات مع مطالب الأهالي وأصحاب الصهاريج، الذين يدعون إلى إيجاد حلول تخفف الكلفة إلى حين عودة الإمدادات العامة. فشاهر الخليل يطالب بتأمين المياه للقرى وتحسين الخدمات الأساسية، فيما يقترح علي المطر توفير المازوت المدعوم للصهاريج التي تنقل المياه إلى المناطق المتضررة.
غير أن تنفيذ هذه المقترحات يحتاج إلى توضيح آليات توزيع المياه، وعدد القرى التي يمكن خدمتها بصورة عاجلة، والموارد المتاحة لتشغيل الصهاريج ومحطات الضخ، إضافة إلى تحديد المدة اللازمة لإعادة تأهيل الخط والمحطات.
بين معاناة الأهالي وخطط التأهيل.. متى تعود المياه؟
تكشف الشهادات التي جمعتها «العين السورية» عن حجم الأعباء التي يتحملها سكان الريف الجنوبي للحسكة لتأمين المياه، في وقت أقرت فيه مؤسسة المياه بخروج محطة ضخ الصور عن الخدمة، وقدّرت عدد المتضررين بنحو 200 ألف نسمة.
وبينما يقول الأهالي إن كلفة شراء المياه تستنزف جزءاً كبيراً من دخلهم، يشير أصحاب الصهاريج إلى أن ارتفاع تكاليف التشغيل يحد من قدرتهم على خفض الأسعار، فيما تقول المؤسسة إنها تعمل بالتعاون مع منظمات دولية لإصلاح الأعطال وإعادة تشغيل الخط ومحطات الضخ والتصفية.
لكن حجم المعاناة التي تصفها الشهادات يطرح أسئلة عن المدة اللازمة لإنجاز أعمال التأهيل، والإجراءات العاجلة لتأمين المياه للقرى المتضررة إلى حين عودة الضخ، وآليات ضمان جودة المياه التي تصل إلى المنازل، فضلاً عن إمكانية تنظيم أسعار الصهاريج وتخفيف كلفتها عن العائلات محدودة الدخل.
ويبقى من الضروري توضيح الجهة المسؤولة عن مراقبة أسعار المياه المنقولة بالصهاريج، والإجراءات المتخذة لضمان عدم استغلال حاجة الأهالي، إلى جانب توفير معلومات عن فحوص جودة المياه ومصادرها.
وتبقى إعادة تشغيل الخط وحدها غير كافية ما لم تترافق مع ضمان توفر المياه ومصادر الطاقة، وصيانة محطات الضخ وشبكات التوزيع، ووضع آلية واضحة لتأمين مياه آمنة ومنتظمة للسكان.
وبالنسبة إلى الأهالي، لا تتعلق القضية بمجرد إصلاح محطة أو خط مياه، بل بموعد انتهاء اضطرارهم إلى تخصيص مئات آلاف الليرات شهرياً لتأمين حاجة أساسية لا يمكن الاستغناء عنها، وبحقهم في الحصول على مياه آمنة وخدمة عامة منتظمة، من دون أن يتحول الوصول إليها إلى عبء يلتهم جزءاً كبيراً من دخل الأسرة.


