سوريا - محليات
قشة إنقاذ اقتصادي واجتماعي... "اقتصاد الحوالات" يتقدم كخيار باتجاه واحد
د
درعا ـ العين السورية ـ ليلى حسين
نشر في: ٧ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٧:٢٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

عندما تتراجع فرص العمل وترتفع معدلات البطالة، تكون الحوالات المالية ملاذ الأسر، وتالياً شرياناً اقتصادياً يحرك الأسواق، ويضخ سيولة نقدية يحتاجها الاقتصاد المحلي بشدة.
فالحوالة المالية لم تعد مجرد وسيلة لإسناد العائلات أو مساعدة الأقارب، بل أمست جزءاً أساسياً من دورة الحياة الاقتصادية في معظم المحافظات السورية. لكن قد يكون المشهد أكثر كثافة في محافظة درعا حيث تعتمد أسر كثيرة على مايأتيها من الخارج لتأمين الغذاء والدواء والتعليم والإيجارات.
اقتصاد داخل اقتصاد
لا تنتهي رحلة الحوالة عند المستفيد الذي ينتظر وصول الأموال من الخارج، بل تمر عبر سلسلة من الجهات التي تحقق مكاسب متفاوتة، بدءاً من شركات التحويل ووكلائها مروراً بقطاع الصرافة وصولاً إلى الأسواق المحلية التي تتلقف الأموال الوافدة بمجرد إنفاقها.
وبينما تشكل الحوالات طوق نجاة لآلاف العائلات، فإنها في الوقت ذاته أصبحت ركيزة أساسية لاقتصاد محلي يعتمد بشكل متزايد على الأموال القادمة من الخارج.
أبرز مصادر التدفق
تبدأ رحلة الحوالة من المغترب السوري الذي يقتطع جزءاً من دخله لإرساله إلى أسرته، وغالباً ما تأتي هذه الأموال من دول الخليج مثل الكويت والسعودية والإمارات، أو من الدول الأوروبية التي تضم أعداداً كبيرة من السوريين، إضافة إلى دول أخرى يقيم فيها أبناء المحافظة.
أهم مصادر الدعم المباشر
من وجهة الخبير الاقتصادي الدكتور محمد علي، فإن الحوالات المالية إلى سوريا، أحد أهم مصادر القطع الأجنبي منذ سنوات طويلة نتيجة وجود أعداد كبيرة من السوريين المغتربين وليس فقط منذ سنوات الثورة.
كتلة متغيرة
كتلة متغيرة
ويضيف في حديث لـ "العين السورية"، أن تحديد حجم الحوالات بدقة لا يزال أمراً صعباً بسبب غياب الإحصاءات الرسمية الشاملة، إلا أن متابعة المؤشرات الصادرة عن الدول التي تضم جاليات سورية، إلى جانب تقاطع عدد من البيانات، كلها تشير إلى أن حجم الحوالات الواردة إلى سوريا يناهز ستة إلى سبعة ملايين دولار يومياً، أي ما يزيد على ملياري دولار سنوياً.
ويُلفت د. علي إلى أن تتبع مسار الحوالة يبدأ من شركات التحويل في الدول التي تُرسل منها، حيث يتم جمع بيانات المرسل والمستفيد وفق إجراءات (اعرف عميلك) (KYC) بما يسمح بالتحقق من هوية الأطراف ومعرفة مصدر الأموال وغايتها.
بين التجاري والشخصي
والحوالات تنقسم إلى نوعين رئيسيين تجارية وشخصية. فالحوالات التجارية تكون غالباً بمبالغ كبيرة، قد تصل إلى ملايين الدولارات وتكون مرتبطة بوثائق واضحة مثل الفواتير وبوالص الشحن وعمليات التجارة الخارجية. أما الحوالات الشخصية فتكون عادة أقل قيمة. وتشير بعض الإحصاءات إلى أن نحو 95% منها لا تتجاوز 500 دولار للحوالة الواحدة.
أثر العقوبات
ويتابع الخبير الاقتصادي والمصرفي، مشيراً إلى أن العقوبات المفروضة على سوريا أثرت بشكل مباشر على حركة التحويلات إذ اضطرت الأموال إلى المرور عبر قنوات بديلة ما أدى إلى ارتفاع تكاليف التحويل والعمولات.
ويشير إلى أن بعض الحوالات كانت تتحمل أعباءاً إضافية وصلت إلى نحو 30% نتيجة هذه المسارات، بينما تتركز إجراءات التدقيق داخل سوريا على مطابقة هوية المستفيد وبياناته والغاية من التحويل.
عند حلقة الإنفاق ألف حكاية
خلف الأرقام والتحليلات الاقتصادية تظهر الحوالات كقصة يومية تعيشها آلاف العائلات في درعا، حيث تتحول الأموال القادمة من الخارج بسرعة إلى مصاريف أساسية لا يمكن تأجيلها.
ويقول المواطن محمد الشولي، الذي يتلقى حوالات مالية من إخوته المقيمين في الكويت: إن هذه الأموال أصبحت مصدراً أساسياً يساعد أسرته على مواجهة أعباء الحياة اليومية. ويوضح في حديثه مع "العين السورية"، أن الحوالة لا تبقى لفترة طويلة بعد وصولها، إذ يتم توزيعها مباشرة بين الاحتياجات الضرورية من شراء المواد الغذائية وتأمين تكاليف العلاج إلى سداد الديون ودفع نفقات التعليم.
ويضيف الشولي، أن ارتفاع الأسعار خلال السنوات الماضية غير من تأثير الحوالة على حياة الأسر، فالمبلغ الذي كان قادراً على تغطية احتياجات الأسرة لفترة أطول أصبح ينفق خلال وقت أقصر، ما جعل الاعتماد على وصول الحوالات بشكل منتظم أكثر أهمية من السابق.
أما معتز اللافي الذي يعتمد على الحوالات التي يرسلها أبناؤه العاملون في النمسا، فيقول لـ "العين السورية": إن هذه الأموال أصبحت جزءاً رئيسياً من ميزانية الأسرة. ويوضح أن الحوالة تتحول فور وصولها إلى مصاريف يومية لا يمكن تأجيلها مثل الإيجار وفواتير الخدمات وشراء الاحتياجات الأساسية.
ويشير إلى أن الحوالة لم تعد في كثير من الحالات وسيلة لتحسين مستوى المعيشة أو تكوين مدخرات، بل أصبحت وسيلة للحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار وتجنب تراجع أكبر في الظروف الاقتصادية، خاصة مع استمرار ارتفاع الأسعار وتراجع القدرة الشرائية.
فرص وسيطة
لا يتوقف أثر الحوالات عند الأسر المستفيدة فقط، إذ تشكل شركات التحويل ووكلاؤها المحليون حلقة أساسية في هذه الدورة الاقتصادية، إذ تحصل على رسوم مقابل تنفيذ عمليات التحويل وتسليم الأموال، كما يستفيد قطاع الصرافة من حركة العملات الأجنبية وتبديلها خصوصاً خلال فترات التقلبات في أسعار الصرف.
كما تنتقل أموال الحوالات سريعاً إلى الأسواق المحلية تحت ضغط استحقاقات الإنفاق الأسري في شراء المواد الغذائية ، والأدوية والمحروقات، ودفع الإيجارات، وتغطية نفقات التعليم. وهو ما يجعل التجار وأصحاب الخدمات جزءاً من المستفيدين غير المباشرين من هذه الأموال.
ويقول سامر الخطيب تاجر جملة للمواد الغذائية في مدينة درعا: إن فترات الأعياد وبداية العام الدراسي تشهد عادة زيادة في حركة البيع والشراء نتيجة ارتفاع الإنفاق المرتبط بزيادة السيولة لدى الأسر، والتي يكون جزءاً مهماً منها مصدره الحوالات القادمة من الخارج.
هشاشة محلية
ورغم الدور الكبير الذي تلعبه الحوالات في دعم الأسر وتنشيط الأسواق فإن الاعتماد المتزايد عليها يكشف في الوقت ذاته عن ضعف مصادر الدخل المحلية، فهذه الأموال رغم أهميتها تبقى مرتبطة بعوامل خارجية مثل ظروف عمل المغتربين وسياسات التحويل في الدول الأخرى وتقلبات أسعار الصرف.
وبذلك أصبحت الحوالة في درعا أكثر من مجرد مبلغ مالي ينتقل من شخص إلى آخر، فهي دورة اقتصادية كاملة تبدأ من المغترب الذي يرسل جزءاً من دخله وتمر عبر شركات التحويل والصرافة وتنتهي في الأسواق التي تعتمد على إنفاق الأسر.
تطلع نحو الاستدامة
وبينما تبقى الحوالات طوق نجاة لآلاف العائلات يبقى السؤال الأوسع مطروحاً هل يستطيع الاقتصاد المحلي في درعا بناء مصادر دخل أكثر استدامة، أم سيظل جزء كبير من حياة السكان مرتبطاً بما يرسله أبناؤهم من الخارج؟


