سوريا - اقتصاد
الرافعة المالية في بورصة دمشق.. هل تضخ السيولة أم تضخم المخاطر؟
التداول بالهامش قد يرفع أحجام التداول ويعمّق السيولة، لكنه يضاعف مخاطر الهبوط إذا دخل سوقاً تتركز فيه السيولة قبل استكمال أدوات الحماية والرقابة.
ا
العين السورية
نشر في: ٥ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٠:٤٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

هل تحتاج بورصة دمشق إلى مزيد من السيولة، أم إلى سوق أكثر عمقاً قبل ضخ سيولة جديدة بأدوات تمويلية أكثر تعقيداً؟
يبرز التداول بالهامش، أو ما يعرف بـ"Margin Trading"، كإحدى الأدوات التي يمكن أن تغيّر طريقة تداول الأسهم في السوق السورية، إذ تتيح للمستثمر شراء أوراق مالية بقيمة تتجاوز رأس ماله الفعلي، عبر تمويل جزء من الصفقة وفق ضوابط محددة. لكن هذه القدرة الإضافية على الشراء تحمل وجهاً آخر؛ فالرافعة التي تضخم المكاسب في فترات الصعود يمكن أن تضخم الخسائر أيضاً عندما تنعكس الأسعار.
بالنسبة إلى بورصة دمشق، لا تبدو المسألة مجرد إدخال أداة مالية جديدة، بل اختباراً لمدى جاهزية السوق لاستيعاب آثارها.
سيولة أكبر.. ولكن لمن؟
يرى خبير أسواق المال رامي عطار في حديثه مع "العين السورية" أن التأثير الأول للتداول بالهامش سيكون في زيادة حجم التداول والسيولة بصورة مباشرة، لأن المستثمر سيتمكن من التعامل بقوة شرائية تفوق رأس ماله الفعلي.
لكن ضخ السيولة لا يعني بالضرورة توزيعها بالتساوي على السوق. فإذا تركزت عمليات التمويل في عدد محدود من الأسهم القيادية، فقد يتحسن عمق هذه الأسهم على جانب الطلب، بينما تبقى أسهم أخرى منخفضة السيولة.
كما أن المستفيد الأكبر في المرحلة الأولى، بحسب عطار، قد يكون المستثمر الموجود أصلاً في السوق، والذي يمتلك معرفة مسبقة بآليات التداول والتمويل، أكثر من كونه أداة كافية لجذب المستثمرين المؤسسيين. وقد تستقطب الرافعة المالية مضاربين جدد يبحثون عن عوائد سريعة، لكن جذب المؤسسات الاستثمارية يحتاج إلى بيئة أكثر استقراراً وشفافية.
عندما تتحول الرافعة إلى ضغط بيع
تكمن حساسية التداول بالهامش في الاتجاه المعاكس للسوق، في مرحلة الصعود، قد تدفع القدرة التمويلية الإضافية المستثمرين إلى زيادة مراكزهم بسرعة، خصوصاً إذا كانت السيولة مركزة في عدد محدود من الأسهم. ومع استمرار الطلب، يمكن أن تتسارع حركة الأسعار.
لكن عند حدوث تصحيح، تتغير المعادلة. فتراجع قيمة المحفظة قد يدفع الوسيط إلى مطالبة المستثمر بتغطية النقص، وهو ما يعرف بـ"Margin Call". وإذا لم يتمكن المستثمر من ضخ أموال إضافية، قد تبدأ عملية تصفية إجبارية للمراكز.
ويحذر عطار من أن هذه الآلية تصبح أكثر حساسية في سوق تتركز فيها السيولة في عدد قليل من الأسهم، إذ يمكن للبيع الإجباري المتزامن أن يزيد المعروض في السوق في الوقت الذي لا تكون فيه أوامر الشراء كافية لاستيعابه، ما يعمق الهبوط ويزيد اضطراب السيولة.
بمعنى آخر، الرافعة المالية لا تضخم اتجاه السوق وحده، وإنما يمكن أن تضخم سرعة الانتقال من الصعود إلى الهبوط أيضاً.
هل تبدأ الرافعة من الأسهم القيادية؟
يرى عطار أن إدخال الأداة، في حال اعتماده، يجب أن يكون تدريجياً، مع حصر التداول بالهامش في الأسهم القيادية خلال المرحلة الأولى، ووضع حدود لحجم المراكز الممولة على السهم الواحد.
ومن بين الضوابط التي يقترحها ألا تتجاوز إجمالي مراكز الهامش على سهم معين نحو 10 إلى 15% من أسهمه الحرة، إلى جانب وضع متطلبات واضحة للهامش الأولي وهامش الصيانة وآليات التعامل السريع مع حالات التعثر.
وتتوزع المخاطر هنا بين ثلاثة أطراف رئيسية. فالمستثمر يتحمل الخسارة الأولى في حدود رأس ماله المستخدم كهامش، بينما قد يتعرض الوسيط لخطر عدم تمكنه من تصفية المركز بالسرعة الكافية في حال حدوث هبوط حاد، ويتحمل المصرف الممول بدوره مخاطر التعثر إذا عجزت شركة الوساطة عن الوفاء بالتزاماتها التمويلية.
بناء السوق قبل تمويلها
وراء هذه المخاطر سؤال أكبر يتعلق بأولويات بورصة دمشق نفسها.
فبدلاً من النظر إلى التداول بالهامش باعتباره حلاً لمشكلة السيولة، يرى عطار أن الأولوية في المرحلة الحالية تتمثل في معالجة التحديات الهيكلية للسوق، وفي مقدمتها توسيع قاعدة الشركات المدرجة وإدخال قطاعات أكثر تنوعاً، خصوصاً الصناعة والطاقة والخدمات، بما يقلل من تركّز النشاط في عدد محدود من الشركات والقطاعات.
وتأتي الحوكمة والإفصاح في المسار نفسه، من خلال رفع جودة القوائم المالية وتسريع الإفصاح عن الأحداث الجوهرية، بالتوازي مع تطوير الاستثمار المؤسسي عبر صناديق الاستثمار والمحافظ المدارة مهنياً.
بعد ذلك يمكن، وفق هذا التصور، الانتقال تدريجياً إلى التداول بالهامش، بالتزامن مع التأكد من جاهزية أنظمة المقاصة والتسوية والوسطاء والرقابة.
وهكذا، فإن السؤال بالنسبة لبورصة دمشق ليس ما إذا كانت الرافعة المالية قادرة على زيادة التداول، فهذه إحدى وظائفها الأساسية، وإنما ما إذا كانت السوق قادرة على تحمل المخاطر التي تأتي معها.
فالسيولة قد تكون وقوداً ضرورياً لأي سوق مالية، لكن الرافعة المالية تجعل أثر هذا الوقود أكبر في الاتجاهين؛ ولذلك فإن نجاحها في دمشق سيتوقف على ما إذا دخلت سوقاً أكثر عمقاً وتنوعاً، أم استُخدمت لتعويض نقص السيولة قبل معالجة أسبابه الأساسية.


