سوريا - رياضة
كيف نفعل بطولات الأحياء الشعبية لتساهم بتطوير الرياضة السورية؟
ا
العين السورية – أبي شقير
نشر في: ١٢ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٤:٢٠
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

مازالت رياضة الأحياء الشعبية في سوريا مظلومة رغم أنها ليست مجرد نشاط لإضاعة الوقت، بل تعتبر البوابة الأولى لاكتشاف المواهب، فهي المساحة الآمنة للأطفال والشباب لممارسة ألعابهم الرياضية المفضلة في مناطق تفتقر إلى الأندية والمنشآت الرياضية المناسبة، إضافة لكونها تمتلك كل ما تحتاجه الرياضة عادة في بداياتها، لكن هذا الدور ما زال يعتمد غالباً على مبادرات فردية محدودة على ضوء غياب خطة وطنية تضمن استمرارها لتتحول إلى قاعدة حقيقية لرفد الرياضة السورية بالمواهب.
ملاعب الأحياء... المدرسة الأولى
في أغلب المناطق الريفية يبدأ اللاعب مسيرته من ملعب ترابي أو ساحة مدرسية أو ملعب صغير داخل الحي، قبل أن يصل إلى صفوف نادٍ أو منتخب، وتكتسب هذه المساحات أهميتها لأنها متاحة لفئات لا تستطيع تحمل تكاليف الأكاديميات الخاصة أو الانتقال اليومي إلى مراكز المدن.
ففي ريف دير الزور مثلاً أُقيمت مؤخراً بطولة شعبية لكرة القدم في بلدة ذيبان بمشاركة 12 فريقاً من مناطق مختلفة، فيما ضم كل فريق لاعبين وأجهزة تدريبية وطبية. وتكشف هذه البطولات عن وجود قاعدة واسعة من اللاعبين، رغم ضعف أرضيات الملاعب ونقص التجهيزات.
ولا تقتصر أهمية هذه البطولات على المنافسة، فهي تمنح المدربين فرصة لمراقبة اللاعبين في بيئتهم الأصلية، وتساعد على اكتشاف مواهب قد لا تتمكن من الوصول إلى اختبارات الأندية أو مراكز الانتقاء الرسمية.
من المنافسة إلى التماسك الاجتماعي
وتؤدي رياضة الأحياء وظيفة تتجاوز الجانب الفني. ففي المناطق التي عانت من الحرب والنزوح والانقسام المجتمعي، يمكن للمباراة أن تجمع أطفالاً وشباباً من خلفيات مختلفة في مساحة مشتركة قائمة على التعاون والانضباط، وتظهر مبادرات محلية هذا الدور بوضوح، فقد صممت مبادرة «يلا شوت» في الرقة دوري كرة قدم بين عشرة أحياء شعبية، بهدف دعم الفرق المحلية وتقوية الروابط بين الأطفال والشباب وترسيخ قيم التعاون والاحترام.
كما استُخدمت كرة القدم في فعاليات مجتمعية جمعت أبناء المفقودين والشهداء في الغوطة الشرقية، ضمن أنشطة هدفت إلى توفير مساحة للمشاركة والتعبير والاندماج الاجتماعي.
الرياضة وسيلة لحماية الأطفال
تحتاج فئة الأطفال والمراهقين إلى أماكن آمنة ومنظمة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من الفقر أو آثار النزاع أو ضعف الخدمات، وتساعد الأنشطة الرياضية المنتظمة على تنظيم وقتهم، وتعزيز العمل الجماعي، وتطوير مهارات التواصل والانضباط.
وفي حماة دعمت منظمات دولية (UNICEF ) فريقاً لكرة القدم للفتيات ضمن برنامج «الرياضة من أجل التنمية»، وربطت النشاط الرياضي بتدريبات في المهارات الحياتية والتعليم والمبادرات المجتمعية.
كما استُخدمت النشاطات الرياضية في السويداء ضمن برنامج لإعادة دمج الأطفال المتضررين من الحرب في المجتمع، مع التركيز على منحهم فرصة للمشاركة وبناء الثقة بالنفس، وتشير هذه التجارب إلى أن ملعب الحي يمكن أن يكون مكاناً للتعلم والدعم النفسي، وليس فقط مساحة لممارسة كرة القدم.
انتاج لاعبين محترفين
رغم وجود المواهب، تواجه رياضة الأحياء عدة عقبات تمنعها من إنتاج لاعبين قادرين على الوصول إلى مستوى المنافسة الرسمية ولعل أبرزها سوء الملاعب فالاعتماد على أرضيات ترابية أو ملاعب غير آمنة يزيد مخاطر الإصابات ويحد من تطور المهارات، إضافة لغياب المدربين المتخصصين حيث تعتمد معظم الفرق على لاعبين سابقين أو متطوعين لا يملكون دائماً تأهيلاً تدريبياً.
آلية الربط
أبرز المشاكل التي تواجه رياضة الأحياء الشعبية عدم وجود آلية واضحة تربط فرق الأحياء بالأندية والاتحادات، إضافة لضعف التمويل حيث تقام البطولات أحياناً بجهود الأهالي أو التبرعات الفردية، ما يجعل استمرارها مرتبطاً بقدرة المنظمين على جمع الأموال التي يخصص معظمها لتأمين التجهيزات والمعدات على ضوء افتقار معظم الفرق للكرات واللباس الرياضي الموحد والوسائل الطبية.
منشآت صغيرة يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً
لا يحتاج تطوير رياضة الأحياء دائماً إلى إنشاء ملاعب ضخمة، ففي بصرى الشام، افتُتح ملعب سداسيات صغير، مع توجه لإنشاء مرافق إضافية مثل صالات كرة الطاولة والبلياردو، بهدف استيعاب عدد أكبر من الشباب. وتتميز ملاعب السداسيات بانخفاض كلفة إنشائها مقارنة بالملاعب الكبيرة، وبقدرتها على خدمة أعداد واسعة من اللاعبين.
لكن إنشاء الملعب وحده لا يكفي فالمنشأة تحتاج لوضع جدول استخدام واضح ومتاح لجميع سكان الحي، إضافة لصيانة دورية للأرضيات والإنارة والشباك والمرافق، والتعاقد مع مدربين أو مشرفين مؤهلين واعتماد نظام بسيط لتسجيل اللاعبين ومتابعة تطورهم.
من المبادرات الفردية إلى سياسة رياضية
تطرح تجارب الأحياء سؤالاً أساسياً هل تُعامل الرياضة الشعبية كحل مؤقت، أم تعتبر جزءاً من استراتيجية تطوير الرياضة السورية؟
فالمطلوب اليوم بناء مسار واضح يبدأ من الحي وينتهي بالمنتخب، عبرتنظيم دوري وطني أو مناطقي لفرق الأحياء، واعتماد بطولات مدرسية مرتبطة بالأندية والاتحادات وإنشاء قاعدة بيانات للمواهب في كرة القدم والسلة وألعاب القوى والألعاب الفردية، إضافة لمنح تراخيص والاستمرار بتأهيل المدربين المحليين، والعمل على تخصيص مكافآت مناسبة للفرق الشعبية الأكثر نشاطاً، وإشراك البلديات والمدارس والمنظمات الأهلية في إدارة الملاعب، إضافة لتوفير تأمين صحي وإسعافات أولية خلال البطولات وإلزام الأندية بمتابعة البطولات الشعبية وإجراء اختبارات دورية للاعبين.
الاستثمار الأفضل
إن الاستثمار في رياضة الأحياء لا يعني بناء ملاعب فقط، بل إنشاء نظام لاكتشاف المواهب وحمايتها وتطويرها. ومن دون هذا النظام ستبقى البطولات الشعبية مناسبات مؤقتة تنتهي بانتهاء المباراة، بينما يمكن تحويلها إلى قاعدة مستدامة تعيد بناء الرياضة السورية من القاعدة إلى رأس الهرم، وإذا مثلاً أردنا المقارنة بالمدرسة الكروية الأقوى على مستوى العالم(البرازيل) فإننا لا نضيف الكثير عندما نستذكر أن الكرة البرازيلية تعتمد على بطولات الأحياء الشعبية الفقيرة والتي تقام غالباً على شاطئ البحر لاكتشاف أفضل المواهب.
ملاعب الأحياء... المدرسة الأولى
في أغلب المناطق الريفية يبدأ اللاعب مسيرته من ملعب ترابي أو ساحة مدرسية أو ملعب صغير داخل الحي، قبل أن يصل إلى صفوف نادٍ أو منتخب، وتكتسب هذه المساحات أهميتها لأنها متاحة لفئات لا تستطيع تحمل تكاليف الأكاديميات الخاصة أو الانتقال اليومي إلى مراكز المدن.
ففي ريف دير الزور مثلاً أُقيمت مؤخراً بطولة شعبية لكرة القدم في بلدة ذيبان بمشاركة 12 فريقاً من مناطق مختلفة، فيما ضم كل فريق لاعبين وأجهزة تدريبية وطبية. وتكشف هذه البطولات عن وجود قاعدة واسعة من اللاعبين، رغم ضعف أرضيات الملاعب ونقص التجهيزات.
ولا تقتصر أهمية هذه البطولات على المنافسة، فهي تمنح المدربين فرصة لمراقبة اللاعبين في بيئتهم الأصلية، وتساعد على اكتشاف مواهب قد لا تتمكن من الوصول إلى اختبارات الأندية أو مراكز الانتقاء الرسمية.
من المنافسة إلى التماسك الاجتماعي
وتؤدي رياضة الأحياء وظيفة تتجاوز الجانب الفني. ففي المناطق التي عانت من الحرب والنزوح والانقسام المجتمعي، يمكن للمباراة أن تجمع أطفالاً وشباباً من خلفيات مختلفة في مساحة مشتركة قائمة على التعاون والانضباط، وتظهر مبادرات محلية هذا الدور بوضوح، فقد صممت مبادرة «يلا شوت» في الرقة دوري كرة قدم بين عشرة أحياء شعبية، بهدف دعم الفرق المحلية وتقوية الروابط بين الأطفال والشباب وترسيخ قيم التعاون والاحترام.
كما استُخدمت كرة القدم في فعاليات مجتمعية جمعت أبناء المفقودين والشهداء في الغوطة الشرقية، ضمن أنشطة هدفت إلى توفير مساحة للمشاركة والتعبير والاندماج الاجتماعي.
الرياضة وسيلة لحماية الأطفال
تحتاج فئة الأطفال والمراهقين إلى أماكن آمنة ومنظمة، خصوصاً في المناطق التي تعاني من الفقر أو آثار النزاع أو ضعف الخدمات، وتساعد الأنشطة الرياضية المنتظمة على تنظيم وقتهم، وتعزيز العمل الجماعي، وتطوير مهارات التواصل والانضباط.
وفي حماة دعمت منظمات دولية (UNICEF ) فريقاً لكرة القدم للفتيات ضمن برنامج «الرياضة من أجل التنمية»، وربطت النشاط الرياضي بتدريبات في المهارات الحياتية والتعليم والمبادرات المجتمعية.
كما استُخدمت النشاطات الرياضية في السويداء ضمن برنامج لإعادة دمج الأطفال المتضررين من الحرب في المجتمع، مع التركيز على منحهم فرصة للمشاركة وبناء الثقة بالنفس، وتشير هذه التجارب إلى أن ملعب الحي يمكن أن يكون مكاناً للتعلم والدعم النفسي، وليس فقط مساحة لممارسة كرة القدم.
انتاج لاعبين محترفين

رغم وجود المواهب، تواجه رياضة الأحياء عدة عقبات تمنعها من إنتاج لاعبين قادرين على الوصول إلى مستوى المنافسة الرسمية ولعل أبرزها سوء الملاعب فالاعتماد على أرضيات ترابية أو ملاعب غير آمنة يزيد مخاطر الإصابات ويحد من تطور المهارات، إضافة لغياب المدربين المتخصصين حيث تعتمد معظم الفرق على لاعبين سابقين أو متطوعين لا يملكون دائماً تأهيلاً تدريبياً.
آلية الربط
أبرز المشاكل التي تواجه رياضة الأحياء الشعبية عدم وجود آلية واضحة تربط فرق الأحياء بالأندية والاتحادات، إضافة لضعف التمويل حيث تقام البطولات أحياناً بجهود الأهالي أو التبرعات الفردية، ما يجعل استمرارها مرتبطاً بقدرة المنظمين على جمع الأموال التي يخصص معظمها لتأمين التجهيزات والمعدات على ضوء افتقار معظم الفرق للكرات واللباس الرياضي الموحد والوسائل الطبية.
منشآت صغيرة يمكن أن تصنع فرقاً كبيراً
لا يحتاج تطوير رياضة الأحياء دائماً إلى إنشاء ملاعب ضخمة، ففي بصرى الشام، افتُتح ملعب سداسيات صغير، مع توجه لإنشاء مرافق إضافية مثل صالات كرة الطاولة والبلياردو، بهدف استيعاب عدد أكبر من الشباب. وتتميز ملاعب السداسيات بانخفاض كلفة إنشائها مقارنة بالملاعب الكبيرة، وبقدرتها على خدمة أعداد واسعة من اللاعبين.
لكن إنشاء الملعب وحده لا يكفي فالمنشأة تحتاج لوضع جدول استخدام واضح ومتاح لجميع سكان الحي، إضافة لصيانة دورية للأرضيات والإنارة والشباك والمرافق، والتعاقد مع مدربين أو مشرفين مؤهلين واعتماد نظام بسيط لتسجيل اللاعبين ومتابعة تطورهم.
من المبادرات الفردية إلى سياسة رياضية
تطرح تجارب الأحياء سؤالاً أساسياً هل تُعامل الرياضة الشعبية كحل مؤقت، أم تعتبر جزءاً من استراتيجية تطوير الرياضة السورية؟
فالمطلوب اليوم بناء مسار واضح يبدأ من الحي وينتهي بالمنتخب، عبرتنظيم دوري وطني أو مناطقي لفرق الأحياء، واعتماد بطولات مدرسية مرتبطة بالأندية والاتحادات وإنشاء قاعدة بيانات للمواهب في كرة القدم والسلة وألعاب القوى والألعاب الفردية، إضافة لمنح تراخيص والاستمرار بتأهيل المدربين المحليين، والعمل على تخصيص مكافآت مناسبة للفرق الشعبية الأكثر نشاطاً، وإشراك البلديات والمدارس والمنظمات الأهلية في إدارة الملاعب، إضافة لتوفير تأمين صحي وإسعافات أولية خلال البطولات وإلزام الأندية بمتابعة البطولات الشعبية وإجراء اختبارات دورية للاعبين.
الاستثمار الأفضل
إن الاستثمار في رياضة الأحياء لا يعني بناء ملاعب فقط، بل إنشاء نظام لاكتشاف المواهب وحمايتها وتطويرها. ومن دون هذا النظام ستبقى البطولات الشعبية مناسبات مؤقتة تنتهي بانتهاء المباراة، بينما يمكن تحويلها إلى قاعدة مستدامة تعيد بناء الرياضة السورية من القاعدة إلى رأس الهرم، وإذا مثلاً أردنا المقارنة بالمدرسة الكروية الأقوى على مستوى العالم(البرازيل) فإننا لا نضيف الكثير عندما نستذكر أن الكرة البرازيلية تعتمد على بطولات الأحياء الشعبية الفقيرة والتي تقام غالباً على شاطئ البحر لاكتشاف أفضل المواهب.


