سوريا - اقتصاد
الرياضة في سوريا.. استثمار بالإنسان لصناعة المستقبل
من حماية الشباب وإعادة بناء الثقة إلى خلق فرص العمل وجذب الاستثمارات، كيف يمكن للرياضة أن تتحول من قطاع يعتمد على الدعم إلى صناعة اقتصادية في سوريا؟
ا
العين السورية
نشر في: ٨ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:١٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في سوريا التي تخرج من سنوات طويلة من الحرب والتآكل الاقتصادي والمؤسسي، لا تبدو الرياضة مجرد نشاط ترفيهي أو مساحة لقضاء وقت الفراغ. خلف كل ملعب مفتوح، وكل أكاديمية تستقبل طفلاً، وكل فريق يجمع شباباً من أحياء ومناطق مختلفة، توجد فرصة لإعادة بناء الإنسان قبل بناء القطاع الرياضي نفسه.
فالجيل الشاب الذي خرج من سنوات الحرب يحمل طاقة كبيرة، لكنه يواجه في الوقت نفسه البطالة والفراغ وتراجع الفرص. وهنا يمكن للرياضة أن تؤدي وظيفة تتجاوز المنافسة والفوز والخسارة: أن تمنح الشاب مكاناً ينتمي إليه، وفريقاً يعمل معه، ومدرباً يوجهه، وهدفاً يسعى إليه.
لكن تحويل هذه الفكرة إلى واقع يحتاج إلى تغيير في النظرة إلى الرياضة نفسها؛ من قطاع ينتظر الدعم إلى قطاع يمكن أن يجذب الاستثمار ويولد الوظائف والإيرادات.
الاستثمار يبدأ من القاعدة لا من الواجهة
الاستثمار الحقيقي في الرياضة السورية لا يبدأ من شراء اللاعبين أو تنظيم البطولات الاستعراضية، بل من المكان الذي يبدأ فيه الطفل أول خطواته.
ملاعب صالحة، أكاديميات تستقبل الأطفال مبكراً، أنظمة لاكتشاف المواهب، مدربون مؤهلون، وتجهيزات مناسبة؛ هذه هي القاعدة التي يمكن أن تُبنى عليها صناعة رياضية حقيقية.
وعندما تتوافر هذه العناصر، لا تكون الفائدة محصورة في اللاعب وحده. فالمنشأة الرياضية تحتاج إلى مدربين وإداريين وعمال صيانة، وتفتح المجال أمام الرعاية والإعلان والإعلام الرياضي والنقل والخدمات والملابس والتجهيزات، وصولاً إلى البطولات وحقوق البث.
بمعنى آخر، يمكن للملعب أن يصبح نقطة البداية لسلسلة اقتصادية كاملة.
الملعب ليس مساحة فارغة.. بل مساحة لحماية الجيل
هناك جانب آخر لا يمكن قياسه فقط بالإيرادات، في مجتمع خرج من حرب طويلة، قد يكون توفير مساحة آمنة للشباب للاستثمار في وقتهم واحداً من أهم أشكال الاستثمار الاجتماعي. فالرياضة تعلم الانضباط والعمل الجماعي واحترام القواعد، وتمنح الشباب بديلاً عن الفراغ الذي قد يقود إلى مسارات أكثر كلفة على الفرد والمجتمع.
ولهذا فإن الحديث عن الرياضة لا يتعلق فقط بعدد الأهداف أو الميداليات، بل أيضاً بعدد الشباب الذين يجدون فيها مكاناً آمناً، وبعدد الأطفال الذين يتعلمون العمل ضمن فريق، وبالروابط الاجتماعية التي يمكن أن تنشأ بين أبناء مناطق وفئات مختلفة.
وهذه عوائد قد لا تظهر مباشرة في ميزانية نادٍ، لكنها تظهر على المدى الطويل في صحة المجتمع وتماسكه وقدرة شبابه على التعلم والعمل والإنتاج.
من النادي إلى الأصل الاقتصادي.. تجربة نادي الوحدة
في هذا السياق، يكتسب دخول الصندوق السيادي السوري إلى نادي الوحدة أهمية تتجاوز النادي نفسه، إذا ما أثبتت التجربة قدرتها على بناء نموذج إداري واستثماري قابل للتكرار.
من النادي إلى الأصل الاقتصادي.. تجربة نادي الوحدة
في هذا السياق، يكتسب دخول الصندوق السيادي السوري إلى نادي الوحدة أهمية تتجاوز النادي نفسه، إذا ما أثبتت التجربة قدرتها على بناء نموذج إداري واستثماري قابل للتكرار.
فالنادي المحترف لا ينبغي أن يكون مجرد جهة تنفق على فريق كرة قدم، بل مؤسسة تمتلك أصولاً وجمهوراً ومواهب وحقوقاً تجارية وفرصاً للرعاية والإعلان والاستثمار.
نجاح تجربة الوحدة يمكن أن يفتح الباب أمام نموذج أوسع: أندية أكثر احترافاً، أكاديميات قادرة على اكتشاف المواهب وتطويرها، منشآت تستقطب استثمارات خاصة، وبطولات أكثر قدرة على جذب الجمهور والرعاة.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: كم تنفق الدولة على الرياضة؟ بل: كم تستطيع الرياضة أن تنتج إذا أُديرت باعتبارها قطاعاً اقتصادياً؟
الرياضة.. قطاع اقتصادي لا يزال في بدايته
السوق الرياضية السورية لا تزال في مراحلها الأولى، وهو ما يجعل مساحة النمو المحتملة كبيرة.
يمكن أن تبدأ الفرص من إعادة تأهيل المنشآت القائمة، وتطوير الأكاديميات، وتحويل الأندية إلى كيانات إدارية أكثر احترافاً، ثم الانتقال إلى الرعاية وحقوق البث والتسويق والمنتجات الرياضية والاستضافات والمعسكرات.
كما يمكن للرياضة أن تخلق سوقاً محلية للمواهب. فكلما تحسن اكتشاف اللاعبين وتطويرهم، أصبحت الأندية قادرة على الاستثمار في المواهب السورية بدلاً من الاعتماد فقط على التعاقدات الجاهزة.
ومع الوقت، يمكن للاعب السوري نفسه أن يتحول من مستهلك للإنفاق الرياضي إلى أصل قابل للاستثمار والتصدير، سواء من خلال الاحتراف الخارجي أو الشراكات مع أندية عربية ودولية.
لكن هذا كله يحتاج إلى شرط أساسي: الاحتراف يبدأ من الإدارة قبل أن يبدأ من الملعب.
رواندا.. حين أصبح الملعب مساحة للمصالحة
بعد الإبادة الجماعية عام 1994، واجهت رواندا مهمة هائلة لإعادة بناء مجتمع ممزق. وفي هذا المسار، استخدمت الرياضة كأحد الأدوات التي تساعد على إعادة بناء الروابط الاجتماعية والمصالحة.
أقيمت مباريات وبطولات جمعت أبناء المجتمعات المختلفة، وتحولت الرياضة إلى مساحة للقاء والعمل الجماعي وإعادة بناء الثقة. وتقول وزارة الرياضة الرواندية إن الرياضة أصبحت جزءاً من جهود التماسك الاجتماعي وبناء السلام، قبل أن تتوسع النظرة إليها لاحقاً لتشمل التنمية الاقتصادية والاستثمار واستضافة الأحداث الرياضية.
كولومبيا.. كرة القدم في مواجهة الشارع
في كولومبيا، حيث ترك النزاع والعنف آثاراً عميقة على المجتمعات، استُخدمت كرة القدم في برامج تستهدف الشباب في المناطق الهشة، ليس بهدف صناعة لاعبين فقط، وإنما لتعليمهم مهارات الحياة والعمل الجماعي وحل النزاعات.
وتشير دراسة حديثة حول مؤسسة Colombianitos إلى أن برامجها استخدمت كرة القدم لتعزيز المهارات الحياتية والتواصل غير العنيف والاندماج الاجتماعي، مع امتداد آثارها إلى الأسر والمجتمعات المحيطة.
الفكرة هنا بسيطة: حين يجد الشاب ملعباً ومدرباً وفريقاً ينتمي إليه، يصبح لديه بديل حقيقي عن الشارع.
وهذا تحديداً ما يجعل الاستثمار في الرياضة استثماراً في الإنسان، وليس فقط في القطاع الرياضي.
إنجلترا.. عندما تحولت الرياضة إلى صناعة
أما التجربة الإنجليزية فتقدم الوجه الاقتصادي للمعادلة.
الدوري الإنجليزي الممتاز لم يعد مجرد بطولة لكرة القدم، بل أصبح صناعة ترتبط بها الأندية وحقوق البث والإعلانات والسياحة والضيافة والإعلام والخدمات والوظائف.
وبحسب تقرير EY الصادر في 2026، من المتوقع أن يولد الدوري الممتاز نحو 33 مليار جنيه إسترليني من القيمة المضافة للاقتصاد البريطاني بين 2025 و2028، إلى جانب 14.8 مليار جنيه من الإيرادات الضريبية ودعم نحو 107,600 وظيفة سنوياً. كما سجل موسم 2025/2026 نحو 15.9 مليون حضور للمباريات، بينهم نحو 1.1 مليون زيارة لجماهير دولية في موسم 2023/2024.
لكن الأهم أن القيمة الاقتصادية لا تقف عند الفرق المحترفة؛ فالاستثمار الرياضي يمتد إلى برامج الشباب والمجتمعات المحلية. وفي 2026، أعلنت رابطة الدوري أن برامجها المجتمعية وصلت إلى أكثر من 2.5 مليون مستفيد، بما يشمل برامج تستهدف الشباب المعرضين للسلوكيات المعادية للمجتمع والتعليم والتدريب والاندماج المجتمعي.
وهنا تظهر الصورة كاملة: الرياضة يمكن أن تخدم الإنسان والمجتمع والاقتصاد في الوقت نفسه.
سوريا.. من أين تبدأ الرحلة؟
لا تحتاج سوريا إلى استنساخ التجارب السابقة، ولا تملك بالضرورة الموارد نفسها التي تملكها الدول المتقدمة. لكنها تستطيع أن تبدأ من النقطة الأكثر أهمية: الإنسان.
إعادة تأهيل ملعب في حي، إنشاء أكاديمية للأطفال، تدريب مدرب، اكتشاف موهبة، تنظيم بطولة محلية، أو تحويل نادٍ إلى مؤسسة أكثر احترافاً، قد تبدو خطوات صغيرة منفردة، لكنها يمكن أن تشكل معاً نواة قطاع اقتصادي جديد.
وإذا نجحت تجربة نادي الوحدة في تقديم نموذج قابل للقياس، يمكن أن تتبعها أندية أخرى. وإذا دخل القطاع الخاص في الرعاية والاستثمار، يمكن أن تتوسع السوق. وإذا تحسنت المنشآت والإدارة والبطولات، تصبح حقوق البث والإعلان والاستضافة فرصاً حقيقية، لا مجرد أفكار.
الأهم أن الرياضة يمكن أن تقدم شيئاً تحتاجه سوريا بشدة: إعادة بناء الثقة بالعمل الجماعي، وإعطاء الشباب مساحة ليكونوا جزءاً من المستقبل بدلاً من أن يبقوا عالقين في آثار الماضي.
الاستثمار في الرياضة يبدأ من الإنسان، لكنه لا يتوقف عنده.
الطفل الذي يجد ملعباً ومدرباً قد يصبح لاعباً، أو مدرباً، أو إدارياً، أو صحفياً، أو مستثمراً في الرياضة. والمنشأة التي تبدأ كملعب قد تتحول إلى مركز نشاط اقتصادي يخدم حياً أو مدينة. والنادي الذي كان يعتمد على الدعم يمكن أن يصبح مؤسسة قادرة على توليد الإيرادات واستقطاب الاستثمار.
لهذا، فإن السؤال في سوريا الجديدة ليس ما إذا كانت الرياضة تستحق الاستثمار، بل كيف يمكن تحويل هذا الاستثمار إلى قيمة اقتصادية واجتماعية قابلة للقياس؟ فالملعب ليس إسمنتاً وعشباً ومدرجات فقط.
إنه مكان يمكن أن يبدأ فيه بناء جيل جديد، أكثر انضباطاً وثقة وقدرة على صناعة مستقبله، وبالتالي صناعة مستقبل بلاده.


