سوريا - رأي
الطفل السوري بين مدرستين .. تحدّي إعادة التقاط الهوية
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ٢١ يوليو ٢٠٢٦، ١١:٤٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يعود الصيف محملّاً بحرّه، وبهموم السوريين العائدين من بلاد اللجوء إلى الوطن، لتبدأ رحلةً مكثّفةً عن مدرسةٍ تفتح أبوابها لأطفالهم الذين ربما لا يعرفون عن وطنهم إلّا أنّه كان غصّة في حديث الأهالي.
أطفالٌ وُلِدوا في المنفى أو حُملوا إليه صِغاراً، وكبروا على لغةٍ ومناهجٍ وإيقاعٍ مدرسيٍّ صار جزءاً منهم، ثُمّ أُعيدوا إلى بيوتهم. وعند رحلة البحث الأولى عن المدارس يكتشف الأهل أن العودة ليست خاتمة الرحلة، بل بدايةٌ لامتحانٍ جديد.
هذا المشهد ليس قصّةً حزينةً عابرةً تستوقفني وتستدعي التعاطف؛ إنه في جوهره مسألة حقٍّ قانونيٍّ: حق الطفل في التعلّم، وهو من الحقوق الراسخة التي التزمت بها الدول، والتزمت بها سوريا حين صادقت على اتفاقية حقوق الطفل. والسؤال الذي يفتحه هذا المقال: بأيّ معيارٍ تصون الدولة الجديدة حقّاً لا يسقط بالنزوح أو فقدان الوثائق؟
يحمل الطفل العائد في حقيبته ما هو أثقل من كتبه؛ ذاكرة نزوحٍ لم تلتئم، ولغةٌ ثانية صارت أقرب إلى لسانه من لغة أهله، وصورةً عن المدرسة تختلف تماماً عمّا سيجده. كثيرٌ من الأطفال عرف الاقتلاع مرتين: مرّةً حين انتُزِعَ من بيتهِ الأوّل طفلاً، حين صار غريباً في مدرسة اللجوء يصارع لُغةً ومجتمعاً لم يخترهما، ثُمّ جاءت اللحظة الحاسمة من حيث لم يتوقعها: في الوطن نفسه. ومنهم من قطع شوط الاندماج حتى صار من نسيج تلك البلاد التي احتضنت ولادته وتنشئته. فإذا بالعودة تعيده إلى نقطة البداية، تطلب منه أن يتعلّم من جديد كيف ينتمي.
في كلتا الحالتين يدفع الطفل ثمن الجغرافيا التي ليس له يد فيها، ويُمتحَن في أمرٍ صعبٍ على الكبار، فما بالك على ذاك الطفل.
هنا يجب أن ننقل المسألة من ساحة التعاطف إلى ساحة القانون. فتعليم هذا الطفل حقٌّ أصيل كفلته المواثيق التي التزمت بها سوريا: فالمادة الثامنة والعشرون من اتفاقية حقوق الطفل تُلزِم الدول بجعل التعليم الأساسي إلزامياً ومُتاحاً للجميع. والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية يضع التعليم في مصافّ الحقوق التي لا تسقط بناءً على ظرفٍ معيّن. لذلك حين نصف حال الأطفال العائدين بلغة الحقّ لا بلغة التعاطف، يتغيّر السؤال جذريّاً ليصبح: كيف تفي الدولة بالتزامٍ قطعته على نفسها تجاهه.
ولهذا الحق معيارٌ يحكمه، رسّخه القانون الدولي للطفل وصار بوصلةً لكلّ قرارٍ يخصّه: مبدأ " المصلحة الفضلى للطفل". ومقتضاه أنّ كلّ إجراءٍ إداريّ أو تشريعيّ يجب أن يُقاس بأثره عليه هو أولّاً. وبهذا المعيار تحديداً ينبغي أن نزن كلّ خطوةٍ تُتّخذ في ملفّ الأطفال العائدين.
من الإنصاف أن نرى أنّ الدولة الجديدة في مرحلة البناء لم تقف مكتوفةً أمام هذا الملف. فقد أتاحت تسجيل الطفل العائد في صفّه تسجيلاً شرطيّاً، دون انتظار استكمال أوراقٍ قد تكون قد ضاعت في رحلة النزوح. وأوقفت مؤقتاً امتحاناتٍ كانت تشترطها الأنظمة لمعادلة الشهادات المدرسية الأجنبية، تيسيراً على من درسوا في الخارج.
هذه خُطواتٌ واعيةٌ تُحسَب، لأنها تقرأ حاجة أبناء سوريا قبل حاجة تطبيق الأنظمة التي لم تلحظهم، وتضع مصلحة الأطفال حيث ينبغي أن تكون: في المقدمة.
غير أن التيسير المؤقت شيء، والضمانة الدائمة شيءٌ آخر. فالإجراء الاستثنائي، بطبيعته يبقى مُعلّقاً على قرارٍ قابلٍ للتبدّل، والحق لا يُطمئن صاحبه ما لم يستقر في نصٍّ ثابت. وهنا يبرز ما يحتاجه الملف في المرحلة القادمة: أن تتحوّل التسهيلات الإدارية حسنة النية إلى إطارٍ قانونيٍّ واضح المعالم، يعرف فيه كلّ طفلٍ عائد ووالديه أنّ مِقعَدهُ مكفولٌ بحكم القانون، لأنّ المصلحة الفُضلى للطفل تستلزم أن يكون الإجراء الاستثنائي حقّاً لا يُنتَزَع حتى آخر طفلٍ عائد.
الجدير بالذكر أنه لسنا أوّل من يقف أمام هذا السؤال. فدولٌ كثيرة خرجت من حروبها وأمامها أجيالٌ تهجرت أو فقدت وثائقها، فأدركت مُبكّراً أن فقدان الأوراق لا يعني فقدان الحق. في البوسنة والهرسك أبلغ مثال، حيث أعادة الحرب عشرات آلاف العائلات إلى بلدٍ مُمزّق، لم يُترك الأطفال أسرى وثائقهم الضائعة؛ فاستُحدِثَت "مدارس استقبال" تحتضن كلّ عائدٍ في محيطها، وبرامج "لحاقٍ بالركب" تضغط سنوات الدراسة الفائتة لِتُعيد الطفل الأكبر سنّاً إلى مِقعَده، وتعليمٍ يُراعي لغته المكتسبة في المنفى، والأهم أنّ تلك التسهيلات لم تبقَ مُبادراتٍ مُؤقّتة، بل تُوِّجت لاحقاً بقانونٍ إطاريٍّ لإصلاح التعليم. فكانت البوسنة والهرسك درساً واضحاً عن البلد الذي يريد لأبنائه العائدين أن يبقوا.
على أنّ الطفل العائد ليس الغريب الوحيد في هذه الحكاية. هو فقط من يعكس العطب بوضوحٍ أكبر، لأنه جاء من خارجه. فما ورّثنا إياه النظام البائد لم يكن مدارس متهالكة وصفوفاً مكتظّة فحسب، بل مدرسةً علّمت أبناءنا أن يصمتوا. مدرسةٌ تبدأ يومها بترديد الشعارات، وتكافئ الطفل الذي يحفظ ويطيع، وتنظر بعين الريبة إلى من يسأل كثيراً. الطفل الذي بقي، كبر على هذا كلّه حتى ظنّه طبيعة الأشياء، والعائد لم يعرفه، فبدا الاثنان غريبين، كلٌّ على طريقته. ولهذا فإنّ ما ننشغل به اليوم أوسع من مقاعد العائدين: إنه سؤالٌ عن أيّ مدرسةٍ نريد لأطفالنا جميعاً. فسوريا التي نبنيها ليست مطالَبةً باستيعاب من عادوا وحدهم، بل بأن تنصف كلّ طفلٍ جلس، ذات يوم، في صفٍّ عُلّم فيه أن يخفض صوته.
إنّ أصدق ما تُقاس به الأوطان الناهضة، طفلٌ صغيرٌ يجد لنفسه مقعداً في صفٍّ، ويشعر، ولو بعد حين، أنه في مكانه. هؤلاء الأطفال العائدون ليسوا رقماً في جدول وزارة، ولا حالاتٍ تنتظر البتّ؛ إنهم جزءٌ من جيلٍ سيرث سوريا حين نتركها نحن، ويحمل عنها ما زرعناه فيه اليوم من عدلٍ أو إهمال. وأن نصون حقّهم في التعلّم ليس واجباً أخلاقياً نتكرّم به، إنه استثمارٌ في البلد نفسه: فكلّ طفلٍ نعيده إلى مقعده، نعيد معه احتمالَ أن تكون سوريا الغد أرحب مما كانت. تبقى الغصّة التي حملها هؤلاء عن آبائهم، لكنّ في وسعنا أن نَحُول دون توريثها لأبنائهم. والمدرسة التي تفتح لهم بابها اليوم لا تمنحهم درساً فحسب، إنها تردّ إليهم فكرةً كادوا يفقدونها في الطريق: أنّ لهم وطناً، وأنّ هذا الوطن ينتظرهم.


