الآراء
الكتاب المدرسيّ مصدر المعلومة بأيّ معيارٍ يتم التعديل؟
جدل تعديل الكتب المدرسية يفتح أسئلة عن معايير الحذف والإضافة، وشفافية المراجعة، وحدود التغيير بين إزالة إرث البعث وبناء تعليم ينمّي التفكير النقدي.
ا
العين السورية
نشر في: ٢٦ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٦:٠٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
ظلّ الكتاب المدرسي لأجيالٍ متتالية من حياة السوريين المصدر الأول لصورة الطفل عن بلده وتاريخه والعالم من حوله. فيه تعرّف إلى حدود الوطن على الخريطة، وإلى أبطاله وأحداثه الكبرى، وإلى ما يُعدّ مألوفاً ولائقاً في الحياة العامة. ولم يكن الكتاب وعاءً محايداً للمعلومات.
وقد عرف السوريون هذه السلطة على المعنى أكثر من غيرهم. فطوال العقود التي نصّ فيها الدستور على أن حزب البعث هو «الحزب القائد في المجتمع والدولة»، صار الكتاب المدرسي أداة لصناعة وعي مشوه.
ومن هنا يُنظَر إلى أهمية إحداث التعديلات على الكتب المدرسية. لكن مع مراعاة أنها يجب أن تدخل في صميم صياغة المعنى، عبر لجنة مؤهلة ومعرف عنها لكل السوريين.
ولكن ما حدث أن هذه التعديلات بدأت مطلع 2025، حين أعلنت وزارة التربية أنها حذفت من الكتب ما يمجّد النظام السابق، ووعدت بأن تبقى المناهج على حالها حتى تُشكَّل «لجان مختصة» لمراجعتها.
والمسألة هنا أبعد من إحصاء التعديلات أو محاكمة كلّ صفحةٍ على حدة. فالسؤال الذي يسبق ذلك كله: ما المعنى الذي تريد الكتب الجديدة أن تصيغه، ومن قرّره، وكيف؟ فالتعديل الذي يُعلَن أنه حذفٌ لرموز مرحلة سابقة المفروض أنه تم خلال العامين الماضيين، وما تبقى من تعديلات يجب أن يخضع لسياسة تعليمية واضحة الهدف والرسالة.
ويبقى سؤالٌ لا يقلّ أهمية: عن ماذا يعبر الكتاب المدرسي لمن هم خارج سوريا؟ فالكتاب المدرسي من أول ما تقرؤه المنظمات الدولية والجهات المانحة والجامعات حين تريد أن تفهم أي تعليم تتلقاه أجيال بلد ما، وأي مواطنين يُعدّهم.
وتركت التعديلات وراءها آثاراً تدل على طريقة إجرائها. ففي غير موضع من الكتب المعدّلة جملٌ تحيل إلى فقرات لم تعد موجودة، وفقرات تبدأ من منتصف الفكرة لأن ما قبلها حُذف، وانتقالات مفاجئة لا يربطها رابط، وصور بلا تعليق يشرح سبب وجودها، وشخصيات تتبدل ملامحها بين صفحة وأخرى.
وقد وصف أحد من وثّقوا المقارنات التعديلات بأنها «عشوائية». وقال مسؤول تربوي في إحدى المحافظات لصحيفة عربية إن مكتبه طلب ملاحظات الموجهين على المنهاج، وإن بعض الصور عُدّلت بما يوافق «البيئة الاجتماعية» المحلية، وللعلم فإن معظم الكتب الموزعة نسخا قديمة، فكيف يكون المنهاج موحداً إذا كانت مراجعته تجري بمعايير محلية، وتتداوله طبعات مختلفة في الوقت نفسه؟ يُظهِر ذلك ارتباكاً إدارياً قبل أن يكون موقفاً فكرياً.
لعله من الإنصاف عدم تحميل الوزارة أكثر مما تحتمل. فقد ورثت منظومة تعليمية مزّقتها الحرب، وتعدّدت فيها المناهج بتعدّد مناطق السيطرة، وكان عليها أن توحّدها في وقت قصير. وطبعت هذا العام أكثر من أربعين مليون كتاب بموازنة متواضعة، فيما يبقى نحو مليونين ونصف مليون طفل خارج المدرسة بحسب اليونيسف. وورثت كتباً مشبعة بخطاب الحزب الواحد كان لا بد من تنقيتها.
ولذلك ننتظر من وزارة التربية أن تخرج إلى الناس وتتكلم. أن تشرح المعايير التي جرت عليها التعديلات، وتعلن أسماء من راجعوا الكتب، وتقول لماذا حُذف ما حُذف وأُضيف ما أُضيف. ولا يعتبر البيان الذي أصدرته وزارة التربية اليوم بيانا شافيا بل يبقى بيانا منقوصاً.
ورث السوريون عن البعث كتاباً مدرسياً يُحفظ ولا يُصدَّق. واليوم تُعدَّل الكتب من جديد، بلا لجان معلنة ولا معايير منشورة. فهل نكتب لأطفالنا كتباً مختلفة، أم نكرر الطريقة القديمة بمضمون جديد؟
ظلّ الكتاب المدرسي لأجيالٍ متتالية من حياة السوريين المصدر الأول لصورة الطفل عن بلده وتاريخه والعالم من حوله. فيه تعرّف إلى حدود الوطن على الخريطة، وإلى أبطاله وأحداثه الكبرى، وإلى ما يُعدّ مألوفاً ولائقاً في الحياة العامة. ولم يكن الكتاب وعاءً محايداً للمعلومات.
فهو يختار ما يُروى وما يُسكت عنه، ويقرر أي الصور تستحق أن تُرى، وأي الكلمات تصف الحدث. ولذلك يمكن لحذف جملة أن يغيّر الدرس كله، ويمكن لصورة توضع في غير موضعها أن تقول للتلميذ شيئاً لم يقصده أحد.
وقد عرف السوريون هذه السلطة على المعنى أكثر من غيرهم. فطوال العقود التي نصّ فيها الدستور على أن حزب البعث هو «الحزب القائد في المجتمع والدولة»، صار الكتاب المدرسي أداة لصناعة وعي مشوه.
كانت مادة كاملة تُدرَّس لتلقين عقيدة الحزب، وكان التلميذ يردد شعاراته في طابور الصباح قبل أن يفتح كتابه، ويُضمّ إلى منظماته منذ سنواته الدراسية الأولى. ولم يكن المطلوب منه أن يفهم أو يسأل، كان المطلوب أن يحفظ ويردد. وبهذا صادر البعث التفكير نفسه، وأغلق كل باب يمكن أن يدخل منه سؤال، حتى صار الشك في رواية الكتاب تهمة، وانطفأ في المدرسة كل مشروع يقوم على التفكير الحر قبل أن يولد.
ومن هنا يُنظَر إلى أهمية إحداث التعديلات على الكتب المدرسية. لكن مع مراعاة أنها يجب أن تدخل في صميم صياغة المعنى، عبر لجنة مؤهلة ومعرف عنها لكل السوريين.
ولكن ما حدث أن هذه التعديلات بدأت مطلع 2025، حين أعلنت وزارة التربية أنها حذفت من الكتب ما يمجّد النظام السابق، ووعدت بأن تبقى المناهج على حالها حتى تُشكَّل «لجان مختصة» لمراجعتها.
ثم تتابعت التعديلات في طبعاتٍ لاحقة. وفي الرابع والعشرين من تشرين الأول الجاري أكدت بعض المنصّات والمواقع الالكترونية مقارنات بين طبعات قديمة وحديثة تُظهر دروساً حُذفت، وصوراً غُطّيت أو استُبدلت، وأعمالاً فنية أُزيلت.
ونشر ناشطون مقارنات أخرى عن أوصاف تبدّلت لأحداث وشخصيات من التاريخ السوري، وعن فقرات حلّت محلها صور بلا شرح. وفي آب أعلنت الوزارة منهاجاً موحداً لجميع المحافظات، وتحدثت عن معايير وطنية للمناهج، ولم تُنشر هذه المعايير حتى اليوم.
والمسألة هنا أبعد من إحصاء التعديلات أو محاكمة كلّ صفحةٍ على حدة. فالسؤال الذي يسبق ذلك كله: ما المعنى الذي تريد الكتب الجديدة أن تصيغه، ومن قرّره، وكيف؟ فالتعديل الذي يُعلَن أنه حذفٌ لرموز مرحلة سابقة المفروض أنه تم خلال العامين الماضيين، وما تبقى من تعديلات يجب أن يخضع لسياسة تعليمية واضحة الهدف والرسالة.
ويبقى سؤالٌ لا يقلّ أهمية: عن ماذا يعبر الكتاب المدرسي لمن هم خارج سوريا؟ فالكتاب المدرسي من أول ما تقرؤه المنظمات الدولية والجهات المانحة والجامعات حين تريد أن تفهم أي تعليم تتلقاه أجيال بلد ما، وأي مواطنين يُعدّهم.
وقد بدأت تقارير أجنبية تقرأ كتبنا الجديدة وتقدّمها للعالم على طريقتها، ولكلٍّ منها حساباته. وفي غياب رواية رسمية واضحة، تصبح هذه التقارير هي ما يعرفه الآخرون عن مدارسنا. ويتصل هذا بمستقبل أطفالنا أنفسهم؛ بفرص من سيدرس منهم في جامعات العالم، وبقدرة من عادوا مع أسرهم من بلدان اللجوء على أن يجدوا في المدرسة السورية ما يشبه ما تعلّموه من انفتاح وتفكير نقدي، وبقدرة الجيل كله على العيش والعمل في عالم مفتوح.
وحين يكون التعليم بحاجة أصلاً إلى دعم خارجي، في الوقت الذي يتراجع فيه التمويل عالمياً وهو ما تحذّر اليونيسف منه وهو يهدد ما تحقق، تصير صورة الكتاب جزءاً من صورة البلد كله.
وتركت التعديلات وراءها آثاراً تدل على طريقة إجرائها. ففي غير موضع من الكتب المعدّلة جملٌ تحيل إلى فقرات لم تعد موجودة، وفقرات تبدأ من منتصف الفكرة لأن ما قبلها حُذف، وانتقالات مفاجئة لا يربطها رابط، وصور بلا تعليق يشرح سبب وجودها، وشخصيات تتبدل ملامحها بين صفحة وأخرى.
وفي بعضها أخطاء في الصياغة واللغة ما كانت لتمرّ لو راجع النص محرر واحد قبل الطباعة. وقد لا تلفت هذه الأخطاء نظر الكبار، لكنها تصل إلى التلميذ الذي يتعلم اللغة نفسها من هذه الصفحات، ويتعلم منها كيف تُبنى الفكرة وكيف يُكتب النص. ويبدو ذلك علامة على العجلة أكثر منها علامة على القصد، وهذا وحده سبب كافٍ لمراجعة لغوية وتربوية شاملة قبل الطبعة القادمة.
وقد وصف أحد من وثّقوا المقارنات التعديلات بأنها «عشوائية». وقال مسؤول تربوي في إحدى المحافظات لصحيفة عربية إن مكتبه طلب ملاحظات الموجهين على المنهاج، وإن بعض الصور عُدّلت بما يوافق «البيئة الاجتماعية» المحلية، وللعلم فإن معظم الكتب الموزعة نسخا قديمة، فكيف يكون المنهاج موحداً إذا كانت مراجعته تجري بمعايير محلية، وتتداوله طبعات مختلفة في الوقت نفسه؟ يُظهِر ذلك ارتباكاً إدارياً قبل أن يكون موقفاً فكرياً.
لعله من الإنصاف عدم تحميل الوزارة أكثر مما تحتمل. فقد ورثت منظومة تعليمية مزّقتها الحرب، وتعدّدت فيها المناهج بتعدّد مناطق السيطرة، وكان عليها أن توحّدها في وقت قصير. وطبعت هذا العام أكثر من أربعين مليون كتاب بموازنة متواضعة، فيما يبقى نحو مليونين ونصف مليون طفل خارج المدرسة بحسب اليونيسف. وورثت كتباً مشبعة بخطاب الحزب الواحد كان لا بد من تنقيتها.
وقد يكون كثير مما يُتداول أخطاء عجلة، أو اجتهادات موظفين في مكاتب محلية حاولوا مراعاة حساسيات بيئاتهم. وقد يكون بعضه مبالغاً فيه أو منزوعاً من سياقه. كل هذه احتمالات مفهومة، ولا أحد يملك أن يُرجّح أحدها، فمن يملك الجواب هو الوزارة وحدها. والخطأ في هذه المرحلة مفهوم، والذي يصعب فهمه أن يبقى بلا تفسير.
ولذلك ننتظر من وزارة التربية أن تخرج إلى الناس وتتكلم. أن تشرح المعايير التي جرت عليها التعديلات، وتعلن أسماء من راجعوا الكتب، وتقول لماذا حُذف ما حُذف وأُضيف ما أُضيف. ولا يعتبر البيان الذي أصدرته وزارة التربية اليوم بيانا شافيا بل يبقى بيانا منقوصاً.
ومن حق المواطن والإعلام أن يسألوا: لماذا حدث هذا، وكيف حدث؟ ومن حق الوزارة في المقابل أن تدافع عن قراراتها، وأن تحاول إقناع السوريين بأنها على صواب. فقد تملك حججاً لم نسمعها بعد. وهذا لا يتبيّن إلا بالنقاش العلني. أما الصمت، فيترك الكتاب في يد التلميذ، ويترك تفسيره لغيرنا.
يذكر أن وزارة التربية والتعليم، قالت في بيان أصدرته اليوم الإثنين 26 تشرين الأول، أن التعديلات على المناهج منذ التحرير اقتصرت على تعديل واحد أُعلن ونُشرت تفاصيله في كانون الثاني 2025. موضحة أنه شمل حذف رموز النظام السابق ومضامينه الأيديولوجية، وتصحيح الصور والمحتوى المرتبط بها، ولا سيما في مناهج الدراسات الاجتماعية والتربية الإسلامية بعد توحيدها، بما يعكس تنوع المجتمع السوري، خلافاً لما وصفته بمعلومات غير دقيقة متداولة عبر وسائل التواصل الاجتماعي.


