سوريا - اقتصاد
المحافظ الإلكترونية في سورية .. تنمية اقتصادية رقمية رهن كفاءة إنجاز المتطلبات
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ١٥ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:٢٢
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

يستعد مصرف سورية المركزي لإطلاق إطار تنظيمي لترخيص المحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع الرقمي، وفقاً لأحدث المعايير الدولية.
هذه الخطوة، التي أعلن عنها حاكم المصرف محمد صفوت رسلان، خلال اجتماع طاولة مستديرة جمع مستثمرين سوريين وفرنسيين، تمثل محطة مفصلية في مسار التحول الرقمي والشمول المالي في البلاد. إلا أنها تفتح في الوقت ذاته باباً واسعاً للنقاش حول قدرتها الفعلية على تفكيك العزلة المالية، وتصحيح أوضاع الشركات القائمة، وجذب الاستثمارات الخارجية في ظل ظروف اقتصادية بالغة التعقيد.
تحديات التصحيح والترخيص
يرى الخبير الاقتصادي الدكتور رازي محي الدين أن الشركات الحالية، ستواجه تحديات تقنية وقانونية عدة. وأبرزها مواءمة أنظمتها التقنية مع متطلبات أمن المعلومات، وحماية البيانات، واستمرارية الأعمال، وربطها بالبنية التحتية الوطنية للمدفوعات.
أما التحديات القانونية فتشمل إعادة هيكلة الشركات، وتأمين الحد الأدنى لرأس المال، والالتزام بمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT)، وتطبيق الحوكمة والتدقيق الداخلي. وأكد أن "الشركات التي بادرت إلى بناء أنظمة مؤسسية وحوكمة واضحة ستكون الأكثر قدرة على الحصول على الترخيص".
الأثر على التحويلات الدولية والاستثمار
يتوقع محي الدين أن يؤدي الترخيص – إذا ترافق مع إطار متوافق مع المعايير الدولية – إلى تسريع التحويلات المالية، وخفض تكلفتها، وزيادة شفافيتها، وفتح أبواب التعاون مع شركات الدفع الإقليمية والدولية. لكنه شدد على أن ذلك مرتبط بعودة علاقات المراسلة المصرفية وتخفيف العقوبات الدولية.
أما الخبير الاقتصادي ماهر طرون، فيؤكد في تحليله، أن هذه الخطوة تمثل مدخلاً لإعادة تنظيم جزء واسع من النشاط الاقتصادي، وإدخاله في القنوات الرسمية.
ومن أبرز الآثار المتوقعة: توسيع الشمول المالي لشريحة كبيرة من السوريين الذين لا يمتلكون حسابات مصرفية منتظمة، وتخفيض الاعتماد على النقد مع ما يرتبط به من مخاطر وتكاليف.
كما ستساهم المحافظ الإلكترونية في بناء بيانات دقيقة عن حركة الأموال، مما يدعم التخطيط الاقتصادي ويحسن التحصيل المالي للدولة. وستستفيد المشروعات الصغيرة والمتناهية الصغر بشكل خاص من خلال بناء سجل مالي يساعدها في الحصول على التمويل مستقبلاً.
المعايير الدولية والمخاطر
لضمان نجاح الخطوة وتجنب العقوبات المستقبلية، يجب أن يلتزم المصرف المركزي بأبرز المعايير الدولية، وفق الدكتور محي الدين، ومنها: تطبيق إجراءات "اعرف عميلك" (KYC) والتحقق الإلكتروني من الهوية (e-KYC)، والمنهجية القائمة على تقييم المخاطر، ومعايير الأمن السيبراني وحماية البيانات، وتعزيز الشفافية والإفصاح عن المستفيد الحقيقي.
أما المخاطر فتشمل غسل الأموال، والاحتيال، والهجمات السيبرانية، وسرقة الهوية. ولمواجهتها يوصى بتطبيق مصادقة متعددة العوامل (MFA)، وتشفير البيانات، وإجراء اختبارات أمنية دورية، وإنشاء مركز وطني للاستجابة للحوادث السيبرانية، بالإضافة إلى نشر الثقافة المالية الرقمية.
الإصلاحات المكملة
يحذر ماهر طرون من أن الترخيص وحده لا يكفي لإعادة الاندماج الكامل مع النظام المالي العالمي. ويقترح إصلاحات متكاملة تشمل: إنشاء نظام يسمح بالتحويل بين مختلف المحافظ والمصارف، بدلاً من عمل كل شركة ضمن منظومة منفصلة، وحماية أموال العملاء في حسابات مستقلة، وتحسين جودة الإنترنت والكهرباء، وإصلاح سوق الصرف، وتطوير القطاع المصرفي.
خلال السنة الأولى، يتوقع أن يكون الأثر أوضح على التحويلات المحلية والمدفوعات، وقد ينتقل جزء من تحويلات المغتربين إلى القنوات الرسمية. أما الاستثمار الأجنبي المباشر، فيحتاج إلى استقرار تشريعي واقتصادي وتسهيل تحويل الأرباح.
بداية الاقتصاد الرقمي
يُعد قرار ترخيص المحافظ الإلكترونية خطوة إيجابية مهمة نحو تحديث المنظومة المالية السورية، وتعزيز الثقة الداخلية والخارجية. إلا أن نجاحها يتوقف على تنفيذ إصلاحات شاملة ومتواصلة تضمن الشفافية والأمان والاندماج التدريجي مع الأسواق العالمية. إذا نُفذت هذه الرؤية بكفاءة، فقد تشكل بداية حقيقية لمرحلة جديدة من التنمية الاقتصادية الرقمية في سورية.


