سوريا - اقتصاد
المدن الصناعية السورية.. 88 ألف فرصة عمل مقدّرة.. متى تتحول المشاريع إلى إنتاج فعلي؟
بين آلاف المشاريع المرخّصة والمنشآت التي دخلت مراحل التنفيذ، تواجه المدن الصناعية السورية تحدي تحويل الاستثمارات وفرص العمل المقدّرة إلى إنتاج فعلي ووظائف مستدامة.
م
مجد محمد
نشر في: ١١ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٢:١٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
نحو 10 آلاف مشروع صناعي مرخّص منذ بداية 2026، وأكثر من 88 ألف فرصة عمل مقدّرة، مقابل نحو 900 منشأة وصلت إلى مراحل التنفيذ والتسجيل.. أرقام تعكس زخماً استثمارياً متنامياً، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عند انتقال المشاريع من القرارات والتراخيص إلى الإنتاج والتشغيل. فهل تنجح المدن الصناعية في اختصار الطريق نحو طاقات إنتاجية حقيقية ووظائف مستدامة؟
تتجه سوريا إلى تعزيز دور الصناعة في المرحلة المقبلة، عبر زيادة الاستثمار الصناعي، وتبسيط الإجراءات، وتسريع انتقال المشاريع من مرحلة الترخيص إلى التنفيذ والإنتاج، باعتبار القطاع الصناعي أحد المسارات الأساسية لزيادة الإنتاج وخلق فرص العمل ودعم التحول الاقتصادي والتكنولوجي.
لكن ارتفاع عدد المشاريع المرخصة لا يعني بالضرورة أن جميعها دخلت مرحلة الإنتاج، كما أن فرص العمل المقدّرة عند الترخيص لا تمثل بالضرورة وظائف قائمة فعلياً، ما يطرح سؤالاً أساسياً حول المسافة الفاصلة بين القرار الاستثماري والمصنع المنتج، وبين فرصة العمل المقدّرة والوظيفة المستدامة.
وبحسب بيانات خاصة لـ«العين السورية» قدمها مدير الاستثمار الصناعي الخاص والحرفي عبد الله منيني، بلغ عدد المشاريع الصناعية المرخصة منذ بداية 2026 وحتى الآن نحو 10 آلاف مشروع، فيما وصلت نحو 900 منشأة إلى مراحل التنفيذ والتسجيل.

ويرى منيني أن المؤشر الأهم لا يتمثل فقط في عدد القرارات الصناعية الصادرة، وإنما في قدرة هذه المشاريع على الانتقال إلى منشآت عاملة، وتحويل التراخيص إلى طاقات إنتاجية حقيقية.
وتكشف بيانات الإعفاءات من الغرامات الخاصة بالقطاع الصناعي، حتى السابع من تشرين الأول 2026، عن 5618 طلباً، توزعت بين 3952 مصنعاً جديداً، و1200 آلة منفردة، و466 طلب توسعة. وتعكس هذه الأرقام حركة ملموسة في انتقال الاستثمار من مرحلة الترخيص نحو التنفيذ، وإدخال الآلات وتوسيع الطاقات الإنتاجية، لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن جميع هذه المشاريع والمنشآت دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي.
88 ألف فرصة عمل مقدّرة.. مقابل نحو 10 آلاف عامل
وتشير بيانات المشاريع المرخصة إلى أكثر من 88 ألف فرصة عمل مقدّرة، في حين يبلغ عدد العاملين في المنشآت التي وصلت إلى مراحل التنفيذ والتسجيل نحو 10 آلاف عامل.
ويشدد منيني هنا على ضرورة التمييز بين الرقمين، ففرص العمل المقدّرة تُحتسب عند دخول المشروع المسار الاستثماري، بينما يعكس عدد العاملين في المنشآت التي وصلت إلى التنفيذ والتسجيل مرحلة مختلفة من عمر المشروع.
فالمشروع الصناعي يمر بمراحل زمنية وفنية قبل الوصول إلى طاقته الإنتاجية الكاملة، وقد يكون في مرحلة استيراد الآلات أو تركيب خطوط الإنتاج أو استكمال المتطلبات الفنية والإدارية، وبالتالي فإن الهدف هو توفير الظروف التي تسمح بتحويل فرص العمل المقدّرة إلى وظائف فعلية ومستدامة مع وصول المشاريع إلى التشغيل.
عدرا.. عندما تتحول التراخيص إلى منشآت منتجة
وتقدم المدن الصناعية نموذجاً أكثر وضوحاً لقياس الانتقال من الاستثمار على الورق إلى النشاط الإنتاجي.
ففي مدينة عدرا الصناعية، تجاوز عدد المنشآت المنتجة 1000 منشأة، فيما وفرت هذه المنشآت نحو 72 ألف فرصة عمل، بالتوازي مع وجود آلاف المشاريع والمنشآت التي لا تزال في مراحل البناء والتنفيذ.
وخلال النصف الأول من عام 2026، سجلت المدينة 503 تراخيص صناعية، بينها 186 ترخيصاً لأول مرة
وتوضح هذه الأرقام أن المدن الصناعية لا تعمل فقط على استقطاب مشاريع جديدة، وإنما تواجه أيضاً تحدي تحويل هذه الاستثمارات إلى منشآت قادرة على الإنتاج والتشغيل وتوليد قيمة مضافة للاقتصاد.
توسع المدن الصناعية لاستيعاب الاستثمار
وفي هذا الإطار، لا يقتصر العمل على المنشآت القائمة، بل يتجه أيضاً إلى توسيع قاعدة المدن الصناعية لتكون قادرة على استيعاب الطلب الاستثماري المتزايد.
ويشير مدير المدن والمناطق الصناعية أحمد كردي إلى أهمية تطوير وتوسيع المدن الصناعية القائمة، وفي مقدمتها عدرا وحسياء والشيخ نجار، بالتوازي مع التوجه نحو إنشاء مدن صناعية جديدة في الرقة وإدلب ودرعا.
ويأتي هذا التوسع بهدف زيادة المساحات المخصصة للنشاط الصناعي، وتوفير البنية التحتية اللازمة لاستيعاب الاستثمارات الجديدة، ورفع قدرة المدن الصناعية على مواكبة الطلب على المنشآت والمقاسم والخدمات الصناعية.
وتتضمن خطط التوسع زيادة المساحات الصناعية في حسياء، إلى جانب استحداث مناطق جديدة في الشيخ نجار، بما يفتح المجال أمام توسع المنشآت القائمة ودخول استثمارات جديدة إلى القطاع.
ولا تنفصل هذه الخطط عن المعادلة الأساسية للاستثمار الصناعي؛ إذ إن زيادة عدد المشاريع تحتاج إلى قاعدة مكانية وتجهيزية قادرة على استقبالها، فيما يبقى التحدي في ضمان انتقالها بعد ذلك من المساحات والتراخيص إلى الإنتاج الفعلي.
حسياء.. استثمارات جديدة وقدرات إنتاجية إضافية
وفي مدينة حسياء الصناعية، دخل خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 15 مستثمراً جديداً، بإجمالي رؤوس أموال يقارب 230 مليار ليرة سورية، مع توقع توفير نحو 655 فرصة عمل، إلى جانب تراخيص جديدة لبدء الإنتاج.
وتعكس هذه الاستثمارات استمرار الطلب على البيئة الصناعية، لكنها تضع في الوقت نفسه مسؤولية إضافية على إدارة المدن والجهات المعنية، تتمثل في تأمين الظروف التي تتيح لهذه المشاريع الانتقال بأسرع وقت ممكن إلى الإنتاج، وتحقيق الوظائف والقيمة المضافة المرتبطة بها.
لماذا تتأخر بعض المشاريع عن الإنتاج؟
يربط مدير الاستثمار الصناعي عبد الله منيني أحد أبرز التحديات التي واجهت القطاع الصناعي منذ بداية 2026 بالتعقيد الإجرائي وطول الدورة الإدارية، الأمر الذي يطيل المدة الزمنية بين الحصول على الترخيص والبدء بالتنفيذ ثم الوصول إلى الإنتاج.
وبموجب التعميم رقم 10، يمكن للمستثمر الحصول على القرار الصناعي، لكن الانتقال إلى السجل الصناعي يرتبط باستكمال متطلبات الترخيص الإداري.
ولمعالجة هذه الإشكالية، شُكلت لجنة مشتركة من الوزارات والجهات المعنية، توصلت إلى مشروع مرسوم لتصنيف وتنظيم الأنشطة الاقتصادية، بما يوفر إطاراً حديثاً يحدد أنواع الأنشطة الاقتصادية وشروطها ومواقعها، ويوحد المراجع التنظيمية ذات الصلة.
ومن المتوقع أن يسهم إقرار هذا الإطار في معالجة جزء كبير من مشكلة التراخيص الإدارية، وتقليص الوقت الفاصل بين مراحل المشروع.
التحدي لم يعد الاستثمار فقط.. بل الزمن
لكن منيني يرى أن التحدي الأكبر في المرحلة الراهنة أصبح الوقت.
فالتغيرات الصناعية والتكنولوجية في العالم تتسارع، وسوريا لا تملك رفاهية الوقت، ما يتطلب قفزات نوعية ومدروسة في التشريعات والتكنولوجيا والاستثمار والقدرات الإنتاجية والأتمتة والذكاء الاصطناعي.
ومن هنا، فإن الهدف لم يعد إصدار مزيد من القرارات الصناعية بحد ذاته، بل تسريع تحويل المشاريع المرخصة إلى منشآت منتجة، ورفع طاقاتها الإنتاجية، وتحويل فرص العمل المقدّرة إلى وظائف فعلية ومستدامة.
كما أن الاستثمار الصناعي، وفق هذا التصور، يجب أن يكون أداة للتحول الاقتصادي والتكنولوجي، من خلال استقطاب الاستثمارات النوعية والاستراتيجية، وتوطين التكنولوجيا والمعرفة، وتحديث خطوط الإنتاج، ودعم التوسعات، ورفع القيمة المضافة والقدرة التنافسية للصناعة السورية، وصولاً إلى تعزيز فرص التصدير.
الصناعة تحتاج مهارات جديدة
ووفقا لمنيني لا يكتمل هذا التحول من دون تأهيل الكوادر البشرية القادرة على التعامل مع الصناعة الحديثة.
وفي هذا السياق، يرتبط تطوير القطاع الصناعي بالحاجة إلى مهارات وطنية جديدة، ولا سيما في مجالات الأتمتة والذكاء الاصطناعي والتصنيع الذكي.
ويأتي المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة الذي أُحدث بموجب مرسوم رئاسي في إطار ربط التعليم والتخصصات التقنية الحديثة باحتياجات سوق العمل، بما يساعد على بناء قاعدة بشرية قادرة على مواكبة التحول التكنولوجي داخل المنشآت الصناعية.
وبذلك لا يصبح المطلوب مجرد صناعة أكبر من حيث عدد المنشآت، وإنما صناعة أكثر تقدماً وإنتاجية وتنافسية، وقادرة على خلق وظائف نوعية ومستدامة.
هل تعكس التراخيص حجم الإنتاج الفعلي؟
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين مؤشرات النشاط الاستثماري ومؤشرات الأداء الإنتاجي.
فالترخيص حسب منيني يعكس دخول المشروع إلى المسار الاستثماري، والسجل الصناعي يعكس انتقاله إلى مرحلة التنفيذ والتسجيل، بينما يقاس الإنتاج الفعلي ببدء التشغيل، وحجم الإنتاج، وعدد العاملين فعلياً، وقدرة المنشأة على العمل بطاقتها الإنتاجية.
ومن الطبيعي أن تبقى بعض المشاريع في مراحل تنفيذ مختلفة، سواء بسبب استيراد الآلات أو تركيب خطوط الإنتاج أو استكمال المتطلبات الفنية والإدارية.
كما أن ارتفاع طلبات الإعفاء الخاصة بالمصانع الجديدة والآلات والتوسعات يمثل مؤشراً ملموساً على التحضير للنشاط الصناعي وتطوير القدرات الإنتاجية، لكنه لا يعني أن جميع المشاريع أصبحت منتجة.
من عدرا إلى بقية المدن الصناعية
وتكشف تجربة عدرا وحسياء، إلى جانب خطط تطوير الشيخ نجار والتوسع في المدن القائمة وإنشاء مدن صناعية جديدة، عن مرحلة تتجاوز مجرد زيادة عدد التراخيص.
فالتوسع المكاني والبنية التحتية يقدمان القاعدة اللازمة لاستيعاب الاستثمار، وهو ما يؤكد عليه أحمد كردي من خلال خطط تطوير المدن القائمة واستحداث مدن جديدة في عدد من المحافظات، لكن نجاح هذه القاعدة يبقى مرتبطاً بقدرتها على استقطاب استثمارات نوعية، وتسريع تنفيذها، وربطها بسلاسل الإنتاج والتكنولوجيا والعمالة.
وفي المقابل، فإن أرقام المشاريع المرخصة وفرص العمل المقدّرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن مراحل التنفيذ والإنتاج، لأن الأثر الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما تتحول الاستثمارات إلى منشآت تعمل، وتتحول الطاقات المخططة إلى إنتاج، وفرص العمل المقدّرة إلى وظائف فعلية.
من الترخيص إلى الإنتاج.. الاختبار الحقيقي
تضع هذه المؤشرات القطاع الصناعي أمام اختبار يتجاوز مسألة جذب الاستثمار، ليصل إلى سرعة التنفيذ وجودة الإنتاج واستدامة التشغيل.
فالمعيار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط عدد القرارات الصناعية الجديدة، وإنما عدد المنشآت التي بدأت الإنتاج، وحجم الطاقات التي دخلت الخدمة، وفرص العمل التي تحولت من تقديرات استثمارية إلى وظائف مستدامة، وما تضيفه هذه المنشآت إلى القيمة المضافة والتكنولوجيا والقدرة التنافسية للاقتصاد السوري.
وفي هذا السياق، فإن تطوير المدن الصناعية وتوسيعها واستحداث مدن جديدة يهيئ قاعدة مكانية لاستيعاب الاستثمار، فيما يبقى نجاح هذه القاعدة مرتبطاً بقدرتها على استقطاب استثمارات نوعية، وتسريع تنفيذها، وربطها بسلاسل الإنتاج والتكنولوجيا والعمالة، وصولاً إلى طاقات إنتاجية حقيقية.
أما على مستوى التنفيذ، فيؤكد منيني أن الجهود مستمرة لاختصار المراحل وتسريع الوصول إلى النتائج، وأن العمل ينطلق من السعي والأخذ بالأسباب وسلامة الخيارات واتخاذ القرارات الصحيحة التي تضع القطاع الصناعي على الطريق الصحيح، مع الإيمان بأن النتائج في النهاية بيد الله والتوفيق منه سبحانه.
وبذلك لا يصبح الرهان على الصناعة مجرد زيادة في عدد المشاريع أو المساحات الصناعية، بل على القدرة على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والتكنولوجيا إلى قيمة مضافة، والمشاريع إلى وظائف مستدامة. وكلما تقلصت المسافة بين القرار والتنفيذ، وبين المصنع والطاقة الإنتاجية الكاملة، اقترب الاستثمار الصناعي من أداء دوره كمحرك فعلي للنمو والتشغيل والتحول الاقتصادي والتكنولوجي.
نحو 10 آلاف مشروع صناعي مرخّص منذ بداية 2026، وأكثر من 88 ألف فرصة عمل مقدّرة، مقابل نحو 900 منشأة وصلت إلى مراحل التنفيذ والتسجيل.. أرقام تعكس زخماً استثمارياً متنامياً، لكن الاختبار الحقيقي يبدأ عند انتقال المشاريع من القرارات والتراخيص إلى الإنتاج والتشغيل. فهل تنجح المدن الصناعية في اختصار الطريق نحو طاقات إنتاجية حقيقية ووظائف مستدامة؟
تتجه سوريا إلى تعزيز دور الصناعة في المرحلة المقبلة، عبر زيادة الاستثمار الصناعي، وتبسيط الإجراءات، وتسريع انتقال المشاريع من مرحلة الترخيص إلى التنفيذ والإنتاج، باعتبار القطاع الصناعي أحد المسارات الأساسية لزيادة الإنتاج وخلق فرص العمل ودعم التحول الاقتصادي والتكنولوجي.
لكن ارتفاع عدد المشاريع المرخصة لا يعني بالضرورة أن جميعها دخلت مرحلة الإنتاج، كما أن فرص العمل المقدّرة عند الترخيص لا تمثل بالضرورة وظائف قائمة فعلياً، ما يطرح سؤالاً أساسياً حول المسافة الفاصلة بين القرار الاستثماري والمصنع المنتج، وبين فرصة العمل المقدّرة والوظيفة المستدامة.
وبحسب بيانات خاصة لـ«العين السورية» قدمها مدير الاستثمار الصناعي الخاص والحرفي عبد الله منيني، بلغ عدد المشاريع الصناعية المرخصة منذ بداية 2026 وحتى الآن نحو 10 آلاف مشروع، فيما وصلت نحو 900 منشأة إلى مراحل التنفيذ والتسجيل.

ويرى منيني أن المؤشر الأهم لا يتمثل فقط في عدد القرارات الصناعية الصادرة، وإنما في قدرة هذه المشاريع على الانتقال إلى منشآت عاملة، وتحويل التراخيص إلى طاقات إنتاجية حقيقية.
وتكشف بيانات الإعفاءات من الغرامات الخاصة بالقطاع الصناعي، حتى السابع من تشرين الأول 2026، عن 5618 طلباً، توزعت بين 3952 مصنعاً جديداً، و1200 آلة منفردة، و466 طلب توسعة. وتعكس هذه الأرقام حركة ملموسة في انتقال الاستثمار من مرحلة الترخيص نحو التنفيذ، وإدخال الآلات وتوسيع الطاقات الإنتاجية، لكنها في الوقت نفسه لا تعني أن جميع هذه المشاريع والمنشآت دخلت مرحلة الإنتاج الفعلي.
88 ألف فرصة عمل مقدّرة.. مقابل نحو 10 آلاف عامل
وتشير بيانات المشاريع المرخصة إلى أكثر من 88 ألف فرصة عمل مقدّرة، في حين يبلغ عدد العاملين في المنشآت التي وصلت إلى مراحل التنفيذ والتسجيل نحو 10 آلاف عامل.
ويشدد منيني هنا على ضرورة التمييز بين الرقمين، ففرص العمل المقدّرة تُحتسب عند دخول المشروع المسار الاستثماري، بينما يعكس عدد العاملين في المنشآت التي وصلت إلى التنفيذ والتسجيل مرحلة مختلفة من عمر المشروع.
فالمشروع الصناعي يمر بمراحل زمنية وفنية قبل الوصول إلى طاقته الإنتاجية الكاملة، وقد يكون في مرحلة استيراد الآلات أو تركيب خطوط الإنتاج أو استكمال المتطلبات الفنية والإدارية، وبالتالي فإن الهدف هو توفير الظروف التي تسمح بتحويل فرص العمل المقدّرة إلى وظائف فعلية ومستدامة مع وصول المشاريع إلى التشغيل.
عدرا.. عندما تتحول التراخيص إلى منشآت منتجة
وتقدم المدن الصناعية نموذجاً أكثر وضوحاً لقياس الانتقال من الاستثمار على الورق إلى النشاط الإنتاجي.
ففي مدينة عدرا الصناعية، تجاوز عدد المنشآت المنتجة 1000 منشأة، فيما وفرت هذه المنشآت نحو 72 ألف فرصة عمل، بالتوازي مع وجود آلاف المشاريع والمنشآت التي لا تزال في مراحل البناء والتنفيذ.
وخلال النصف الأول من عام 2026، سجلت المدينة 503 تراخيص صناعية، بينها 186 ترخيصاً لأول مرة
وتوضح هذه الأرقام أن المدن الصناعية لا تعمل فقط على استقطاب مشاريع جديدة، وإنما تواجه أيضاً تحدي تحويل هذه الاستثمارات إلى منشآت قادرة على الإنتاج والتشغيل وتوليد قيمة مضافة للاقتصاد.
توسع المدن الصناعية لاستيعاب الاستثمار
وفي هذا الإطار، لا يقتصر العمل على المنشآت القائمة، بل يتجه أيضاً إلى توسيع قاعدة المدن الصناعية لتكون قادرة على استيعاب الطلب الاستثماري المتزايد.
ويشير مدير المدن والمناطق الصناعية أحمد كردي إلى أهمية تطوير وتوسيع المدن الصناعية القائمة، وفي مقدمتها عدرا وحسياء والشيخ نجار، بالتوازي مع التوجه نحو إنشاء مدن صناعية جديدة في الرقة وإدلب ودرعا.
ويأتي هذا التوسع بهدف زيادة المساحات المخصصة للنشاط الصناعي، وتوفير البنية التحتية اللازمة لاستيعاب الاستثمارات الجديدة، ورفع قدرة المدن الصناعية على مواكبة الطلب على المنشآت والمقاسم والخدمات الصناعية.
وتتضمن خطط التوسع زيادة المساحات الصناعية في حسياء، إلى جانب استحداث مناطق جديدة في الشيخ نجار، بما يفتح المجال أمام توسع المنشآت القائمة ودخول استثمارات جديدة إلى القطاع.
ولا تنفصل هذه الخطط عن المعادلة الأساسية للاستثمار الصناعي؛ إذ إن زيادة عدد المشاريع تحتاج إلى قاعدة مكانية وتجهيزية قادرة على استقبالها، فيما يبقى التحدي في ضمان انتقالها بعد ذلك من المساحات والتراخيص إلى الإنتاج الفعلي.

حسياء.. استثمارات جديدة وقدرات إنتاجية إضافية
وفي مدينة حسياء الصناعية، دخل خلال النصف الأول من عام 2026 نحو 15 مستثمراً جديداً، بإجمالي رؤوس أموال يقارب 230 مليار ليرة سورية، مع توقع توفير نحو 655 فرصة عمل، إلى جانب تراخيص جديدة لبدء الإنتاج.
وتعكس هذه الاستثمارات استمرار الطلب على البيئة الصناعية، لكنها تضع في الوقت نفسه مسؤولية إضافية على إدارة المدن والجهات المعنية، تتمثل في تأمين الظروف التي تتيح لهذه المشاريع الانتقال بأسرع وقت ممكن إلى الإنتاج، وتحقيق الوظائف والقيمة المضافة المرتبطة بها.
لماذا تتأخر بعض المشاريع عن الإنتاج؟
يربط مدير الاستثمار الصناعي عبد الله منيني أحد أبرز التحديات التي واجهت القطاع الصناعي منذ بداية 2026 بالتعقيد الإجرائي وطول الدورة الإدارية، الأمر الذي يطيل المدة الزمنية بين الحصول على الترخيص والبدء بالتنفيذ ثم الوصول إلى الإنتاج.
وبموجب التعميم رقم 10، يمكن للمستثمر الحصول على القرار الصناعي، لكن الانتقال إلى السجل الصناعي يرتبط باستكمال متطلبات الترخيص الإداري.
ولمعالجة هذه الإشكالية، شُكلت لجنة مشتركة من الوزارات والجهات المعنية، توصلت إلى مشروع مرسوم لتصنيف وتنظيم الأنشطة الاقتصادية، بما يوفر إطاراً حديثاً يحدد أنواع الأنشطة الاقتصادية وشروطها ومواقعها، ويوحد المراجع التنظيمية ذات الصلة.
ومن المتوقع أن يسهم إقرار هذا الإطار في معالجة جزء كبير من مشكلة التراخيص الإدارية، وتقليص الوقت الفاصل بين مراحل المشروع.
التحدي لم يعد الاستثمار فقط.. بل الزمن
لكن منيني يرى أن التحدي الأكبر في المرحلة الراهنة أصبح الوقت.
فالتغيرات الصناعية والتكنولوجية في العالم تتسارع، وسوريا لا تملك رفاهية الوقت، ما يتطلب قفزات نوعية ومدروسة في التشريعات والتكنولوجيا والاستثمار والقدرات الإنتاجية والأتمتة والذكاء الاصطناعي.
ومن هنا، فإن الهدف لم يعد إصدار مزيد من القرارات الصناعية بحد ذاته، بل تسريع تحويل المشاريع المرخصة إلى منشآت منتجة، ورفع طاقاتها الإنتاجية، وتحويل فرص العمل المقدّرة إلى وظائف فعلية ومستدامة.
كما أن الاستثمار الصناعي، وفق هذا التصور، يجب أن يكون أداة للتحول الاقتصادي والتكنولوجي، من خلال استقطاب الاستثمارات النوعية والاستراتيجية، وتوطين التكنولوجيا والمعرفة، وتحديث خطوط الإنتاج، ودعم التوسعات، ورفع القيمة المضافة والقدرة التنافسية للصناعة السورية، وصولاً إلى تعزيز فرص التصدير.
الصناعة تحتاج مهارات جديدة
ووفقا لمنيني لا يكتمل هذا التحول من دون تأهيل الكوادر البشرية القادرة على التعامل مع الصناعة الحديثة.
وفي هذا السياق، يرتبط تطوير القطاع الصناعي بالحاجة إلى مهارات وطنية جديدة، ولا سيما في مجالات الأتمتة والذكاء الاصطناعي والتصنيع الذكي.
ويأتي المسار الوطني للتكنولوجيا المتقدمة الذي أُحدث بموجب مرسوم رئاسي في إطار ربط التعليم والتخصصات التقنية الحديثة باحتياجات سوق العمل، بما يساعد على بناء قاعدة بشرية قادرة على مواكبة التحول التكنولوجي داخل المنشآت الصناعية.
وبذلك لا يصبح المطلوب مجرد صناعة أكبر من حيث عدد المنشآت، وإنما صناعة أكثر تقدماً وإنتاجية وتنافسية، وقادرة على خلق وظائف نوعية ومستدامة.
هل تعكس التراخيص حجم الإنتاج الفعلي؟
وهنا تبرز ضرورة الفصل بين مؤشرات النشاط الاستثماري ومؤشرات الأداء الإنتاجي.
فالترخيص حسب منيني يعكس دخول المشروع إلى المسار الاستثماري، والسجل الصناعي يعكس انتقاله إلى مرحلة التنفيذ والتسجيل، بينما يقاس الإنتاج الفعلي ببدء التشغيل، وحجم الإنتاج، وعدد العاملين فعلياً، وقدرة المنشأة على العمل بطاقتها الإنتاجية.
ومن الطبيعي أن تبقى بعض المشاريع في مراحل تنفيذ مختلفة، سواء بسبب استيراد الآلات أو تركيب خطوط الإنتاج أو استكمال المتطلبات الفنية والإدارية.
كما أن ارتفاع طلبات الإعفاء الخاصة بالمصانع الجديدة والآلات والتوسعات يمثل مؤشراً ملموساً على التحضير للنشاط الصناعي وتطوير القدرات الإنتاجية، لكنه لا يعني أن جميع المشاريع أصبحت منتجة.
من عدرا إلى بقية المدن الصناعية
وتكشف تجربة عدرا وحسياء، إلى جانب خطط تطوير الشيخ نجار والتوسع في المدن القائمة وإنشاء مدن صناعية جديدة، عن مرحلة تتجاوز مجرد زيادة عدد التراخيص.
فالتوسع المكاني والبنية التحتية يقدمان القاعدة اللازمة لاستيعاب الاستثمار، وهو ما يؤكد عليه أحمد كردي من خلال خطط تطوير المدن القائمة واستحداث مدن جديدة في عدد من المحافظات، لكن نجاح هذه القاعدة يبقى مرتبطاً بقدرتها على استقطاب استثمارات نوعية، وتسريع تنفيذها، وربطها بسلاسل الإنتاج والتكنولوجيا والعمالة.
وفي المقابل، فإن أرقام المشاريع المرخصة وفرص العمل المقدّرة لا يمكن قراءتها بمعزل عن مراحل التنفيذ والإنتاج، لأن الأثر الاقتصادي الحقيقي يبدأ عندما تتحول الاستثمارات إلى منشآت تعمل، وتتحول الطاقات المخططة إلى إنتاج، وفرص العمل المقدّرة إلى وظائف فعلية.
من الترخيص إلى الإنتاج.. الاختبار الحقيقي
تضع هذه المؤشرات القطاع الصناعي أمام اختبار يتجاوز مسألة جذب الاستثمار، ليصل إلى سرعة التنفيذ وجودة الإنتاج واستدامة التشغيل.
فالمعيار الحقيقي خلال المرحلة المقبلة لن يكون فقط عدد القرارات الصناعية الجديدة، وإنما عدد المنشآت التي بدأت الإنتاج، وحجم الطاقات التي دخلت الخدمة، وفرص العمل التي تحولت من تقديرات استثمارية إلى وظائف مستدامة، وما تضيفه هذه المنشآت إلى القيمة المضافة والتكنولوجيا والقدرة التنافسية للاقتصاد السوري.
وفي هذا السياق، فإن تطوير المدن الصناعية وتوسيعها واستحداث مدن جديدة يهيئ قاعدة مكانية لاستيعاب الاستثمار، فيما يبقى نجاح هذه القاعدة مرتبطاً بقدرتها على استقطاب استثمارات نوعية، وتسريع تنفيذها، وربطها بسلاسل الإنتاج والتكنولوجيا والعمالة، وصولاً إلى طاقات إنتاجية حقيقية.
أما على مستوى التنفيذ، فيؤكد منيني أن الجهود مستمرة لاختصار المراحل وتسريع الوصول إلى النتائج، وأن العمل ينطلق من السعي والأخذ بالأسباب وسلامة الخيارات واتخاذ القرارات الصحيحة التي تضع القطاع الصناعي على الطريق الصحيح، مع الإيمان بأن النتائج في النهاية بيد الله والتوفيق منه سبحانه.
وبذلك لا يصبح الرهان على الصناعة مجرد زيادة في عدد المشاريع أو المساحات الصناعية، بل على القدرة على تحويل الاستثمار إلى إنتاج، والتكنولوجيا إلى قيمة مضافة، والمشاريع إلى وظائف مستدامة. وكلما تقلصت المسافة بين القرار والتنفيذ، وبين المصنع والطاقة الإنتاجية الكاملة، اقترب الاستثمار الصناعي من أداء دوره كمحرك فعلي للنمو والتشغيل والتحول الاقتصادي والتكنولوجي.


