سوريا - مجتمع
اختراق لأحد أروقة السحر والشعوذة المظلمة.. تحقيق لـ" العين السورية" من الداخل وهذه هي الحكاية!
ا
العين السورية - درعا - ليلى حسين
نشر في: ١٢ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٢٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

في غرف ضيقة تتعطر بالبخور، وخلف أبواب لا تحمل على واجهاتها سوى عبارات مبهمة، تُباع وعود لا يمكن قياسها: فك السحر، جلب الحبيب، إعادة الزوج، إزالة النحس، فتح أبواب الرزق، علاج العقم، أو فك ما يُسمى (بالتعطيل). وبينما تتغير أسماء الممارسين وتتبدل أدواتهم من مكان إلى آخر، يبقى عنصر واحد حاضراً بصورة لافتة في كثير من الحكايات المتداولة: المرأة.
هي التي تذهب باحثة عن تفسير لما يحدث في حياتها، وهي التي قد تدفع المال بحثاً عن مخرج، وهي نفسها التي يمكن أن تتحول في لحظة أخرى إلى متهمة بأنها (ساحرة) أو أنها أضرت بغيرها.
في درعا وحوران، لا تحتاج هذه التجارة دائماً إلى محل معلن أو لافتة، يكفي رقم هاتف تحفظه امرأة عن ظهر قلب، أو توصية من صديقة، أو همسة في مجلس نسائي عن شيخ "شاطر" أو امرأة (بتعرف تفك السحر)، حتى تبدأ رحلة قد لا تعرف صاحبتها أين تنتهي.
نحن من رأى
ولكي أفهم كيف يعمل هذا السوق، وأغني تحقيقي هذا ببعض المعلومات، لم أكتفِ بما يُروى عنه. سمعت عن امرأة تعرف باسم "أم سعد" وقررت الذهاب إليها بنفسي. لم أذهب للبحث عن الجن، ولم أدخل المكان بهدف إثبات أو نفي وجود السحر، دخلته كمراسلة تريد أن ترى ما يحدث عندما تتحول مخاوف امرأة إلى جلسة، والجلسة إلى تشخيص، والتشخيص إلى فاتورة.
جلست أمام أم سعد، فكان أول ما طلبته مني اسمي واسم أمي، ثم بدأت تتحدث بثقة عن حياتي، وقالت إن (طريقي مسدود) وإن هناك ما يعطل أموراً في حياتي، وإن الأمر يحتاج إلى تدخل وجلسات لفك ما وصفته بأنه (سحر تعطيل). للحظة مرت في ذهني أغنية المطرب عبد الحليم حافظ الشهيرة (طريقك مسدود مسدود ياولدي)، وكأن الأغنية القديمة وجدت طريقها على نحو ساخر إلى غرفة تفوح منها رائحة البخور.

الفرق أن عبد الحليم كان يغني عن الطريق المسدود، أما هنا فكان الطريق المسدود تشخيصاً، والتشخيص مدخلاً إلى علاج له ثمن.
قالت لي أم سعد إنني أحتاج إلى بخور تصل كلفته إلى نحو 75 دولاراً لفك ما سمته "سحر التعطيل"، عدا عن سعر أتعابها التي ستحسبها بالجلسات القادمة. ثم أوضحت أن الأمر لا ينتهي عند شراء البخور، بل يحتاج إلى جلسات متتابعة وزيارات متكررة. خلال الجلسة، استخدمت كلمات وحركات لم أفهم معناها، واستعانت بالعصا في بعض الممارسات التي قدمتها باعتبارها جزءاً من عملية (الفك)، ثم قالت بنبرة حادة وواثقة، بعد أن شعرت أنني أشكك بقدراتها: (أنا مخاوية الجن يا خالتي، ما بيصعبش عليَّ شي).
وكأن الأمر بالنسبة إليها لا يحتاج إلى كثير شرح، وكأن امتلاك سر الجن أمر عادي لا يستدعي الاستغراب. للحظة فكرت أن الجن لو كان له سجل تجاري، ربما احتاج إلى أن يسجل اسمها وكيلةً عنه في المنطقة.
ضرب في الرمل
لكن المفارقة الأكبر جاءت عندما ذكرت لي اسم أحد أقاربي، وقالت إن هذا الشخص هو من قام بعمل السحر لي. توقفت عند هذه اللحظة طويلاً. لم يكن اسماً عشوائياً من أسماء الناس، بل اسم شخص أعرفه. لكن، ومن موقع الصحافة لا الحكاية، فإن معرفة اسم شخص لا تثبت أن هذا الشخص فعل شيئاً، وادعاء أم سعد لا يمكن أن يتحول لمجرد صدوره عنها إلى حقيقة أو اتهام.
لم أملك دليلاً على الذي أدلت به أم سعد، ولم أجد في تجربتي ما يثبت أنها حصلت على المعلومة بطريقة خارقة. وربما تكون المعلومة قد وصلت إليها من مصدر بشري، أو استنتجتها من حديث سابق، أو التقطتها من تفاصيل قدمتها دون أن أنتبه، أو كانت مجرد تخمين صادف أنه أصاب. لذلك، بقيت روايتها روايةً منها لا حقيقة مثبتة. لكن شيئاً واحداً كان واضحاً أمامي: لقد نجحت في نقل القلق من مستوى عام إلى مستوى شخصي.
لعب بالمشاعر
فلم يعد الحديث عن سحر تعطيل غامضاً، بل صار له بخور بسعر محدد، وجلسات محددة، وشخص قيل إنه يقف خلفه. وفي اللحظة التي ينتقل فيها الإنسان من سؤال (لماذا يحدث هذا لي؟) إلى سؤال (من فعل هذا بي؟)، يتغير كل شيء، لأن المشكلة لم تعد مجرد خوف، بل أصبح للخوف وجه واسم، وقد يكون هذا الوجه امرأة قريبة أو جارة أو قريبة زوج أو صديقة.
المرأة خاصرة ضعيفة
تظهر المرأة هنا لا بوصفها زبونة فقط، وإنما بوصفها محوراً لكثير من القصص التي تُبنى حول السحر. المرأة التي تخشى على زواجها قد تسمع أن امرأة أخرى أخذت زوجها أو عملت لها سحر تفريق، والمرأة التي تأخر حملها قد تسمع أن هناك من عطَّلها، والفتاة التي لم تتزوج قد تسمع أن (نصيبها مسكر)، والمطلقة التي تحاول بدء حياة جديدة قد تجد من يقنعها بأن طلاقها لم يكن نتيجة خلافات أو ظروف اجتماعية واقتصادية ونفسية، وإنما نتيجة عمل سحري.
وهكذا، لا تقدم الشعوذة تفسيراً لمشكلة المرأة فقط، بل قد تعيد ترتيب علاقاتها كلها. تصبح القريبة موضع شك، والجارة متهمة، والصديقة منافسة، والمرأة الأخرى في حياة الزوج (ساحرة) محتملة. وفي مجتمع تنتقل فيه الحكايات من بيت إلى آخر أسرع من انتقال الأخبار، يكفي أن تقول امرأة "أظن أنها عملت لي شيئاً" حتى تبدأ الرواية بالنمو، ثم تتحول مع التكرار إلى ما يشبه الحقيقة في أذهان البعض، رغم غياب أي دليل عليها.

لكن النساء لا يدخلن هذا العالم لأنهن أقل تعليماً أو أقل عقلانية، وهذه نقطة أساسية في فهم الظاهرة.
مشاهد وروايات
قصة سناء حريدين من مدينة طفس تقول شيئاً مختلفاً تماماً. فسناء مُدرسة لغة إنجليزية، لكنها وجدت نفسها -بحسب روايتها- داخل دائرة من الدجل، بدأت بعد أن هجرها زوجها بسبب امرأة أخرى. كان الواقع مؤلماً، لكن بدل أن تنتهي الحكاية عند حقيقة مؤلمة، بدأت رحلة البحث عن تفسير آخر وعن شخص يستطيع إعادة الزوج. "شيخ بعد شيخ"، ووعد بعد وعد، ومحاولة بعد أخرى، وكلما فشلت محاولة، لم يكن الفشل كافياً لإغلاق الباب، بل كان يدفعها إلى البحث عن شخص (أشطر) أو أكثر قدرة على فك ما قيل لها إنه سحر.
وهكذا يمكن أن تتحول المرأة إلى زبونة دائمة في سوق لا يحتاج إلى إثبات نجاحه، فالفشل نفسه يصبح مبرراً لجلسة جديدة، لأن الأول لم يكن قادراً بما يكفي، والثاني قال إن السحر أقوى، والثالث يحتاج إلى وقت، والرابع يعرف أصل المشكلة.
أم فادي من درعا البلد - رفضت ذكر اسمها الحقيقي- فتروي قصة بدأت بطريقة مختلفة. تقول إنها كانت قريبة من رب العالمين، لكن صديقاتها نصحنها بزيارة رجل يدعى أبو همام يعمل راقياً شرعياً. ذهبت، ثم بدأت تتردد عليه، وتقول إن أبا همام كان يكتب لها الطلاسم وتحملها على شكل حجاب، ظناً منها أنها ستحل أموراً عائلية مستعصية لديها، ويطلب منها حملها. وإن الأمر لم يتوقف عند زيارة عابرة، بل تحول إلى زيارات متكررة، إلى أن أصبح الأمر مقلقاً حسب تفسيرها، وقالت: "طار النوم من عيوني، وأصبحت أتردد عليه كثيراً وأدفع له كثيراً، لأنه كان يوهمني بأن حياتي ستنقلب رأساً على عقب عند انتهاء الجلسات".
الجملة تختصر جانباً من المأساة: فالمرأة التي ذهبت بحثاً عن الطمأنينة قد تجد نفسها أكثر خوفاً، والتي أرادت التخلص من القلق قد تصبح أسيرة له، والتي أرادت حل مشكلة واحدة قد تجد نفسها أمام سلسلة من الجلسات التي تحتاج إلى جلسات أخرى.
رجال أتقنوا " الكار" أيضاً
وفي الجهة الأخرى من هذا السوق، يظهر رجال يقدمون أنفسهم على أنهم شيوخ أو رقاة شرعيون، وبعضهم قد يكون بعيداً كل البعد عن أي ممارسة دينية منضبطة. في حوران تكثر الأسماء التي يتداولها الناس لمن يقرأون (الرقية الشرعية)، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول لقب (الشيخ) إلى حصانة اجتماعية تمنع السؤال والمساءلة، أو عندما تصبح الرقية باباً للنصب والابتزاز واستغلال النساء.
فالرجل الذي يستقبل امرأة خائفة من السحر أو من انهيار زواجها أو من تأخر حملها، يعرف أنه أمام شخص يبحث عن الأمان، وهذه الحالة يمكن أن تمنحه سلطة كبيرة عليها. بعض الممارسات المنسوبة إلى هؤلاء لا تتوقف عند قراءة القرآن، بل قد تتطور إلى أسئلة شديدة الخصوصية عن الحياة الزوجية والجسد والعلاقات، أو طلب صور ومعلومات شخصية، أو إقناع المرأة بأن عليها العودة مراراً، أو تهديدها ضمنياً بأن التوقف عن العلاج سيعيد المشكلة أو يزيدها.
وفي الحالات الأكثر خطورة، قد تتحول هذه السلطة إلى ابتزاز أو استدراج أو استغلال جنسي، خصوصاً عندما تكون المرأة وحيدة في مواجهة خوفها، وتخشى أن تتحدث عما جرى معها حتى لا تتحول هي نفسها إلى مادة للفضيحة.
وهنا يصبح الحديث عن النساء أكثر من مجرد حديث عن زبائن سوق الشعوذة، لأن المرأة قد تكون في هذا السوق مصدر المال، وموضوع السيطرة، والضحية التي تحمل عبء الصمت. وربما لهذا فإن حملات ملاحقة بعض الدجالين الذين يستخدمون الرقية أو الشعوذة غطاءً للنصب والاحتيال تكتسب أهمية خاصة، ولا سيما مع ما يثار محلياً عن تحركات للجهات الأمنية لملاحقة من يمارسون الاحتيال تحت هذه العناوين.
شيفرة
مواجهة الظاهرة لا تتعلق فقط بملاحقة شخص أو إغلاق مكان، بل أيضاً بكشف الطريقة التي يعمل بها هذا السوق في الظلام، وكيف يستطيع رجل أن يدخل إلى حياة امرأة من باب العلاج ثم يصبح هو نفسه جزءاً من المشكلة.
وتزداد قابلية السوق للاستمرار عندما تدخل وسائل التواصل الاجتماعي على الخط. لم تعد المرأة مضطرة للبحث طويلاً عن مشعوذ، يمكن أن تصل إليه عبر هاتفها، أو عبر حساب على منصة اجتماعية، أو مجموعة مغلقة، أو توصية من امرأة أخرى. تبدأ برسالة، ثم مكالمة، ثم موعد، ثم مبلغ، ثم جلسة، ثم جلسة أخرى.
وكل قصة نجاح متداولة، حتى لو لم يكن بالإمكان التحقق منها، تتحول إلى إعلان مجاني: (فلانة رجع زوجها)، (فلانة حملت)، (فلانة انفتحت أمورها). أما النساء اللواتي دفعن ولم يتغير شيء، فلا تنتشر قصصهن بالسرعة نفسها، وربما يفضلن الصمت، لأن الاعتراف بالخسارة يعني الاعتراف بأنهن صدقن وعداً لم يتحقق.
تحليل اجتماعي متخصص
وتفسر الباحثة الاجتماعية الدكتورة رشا شعبان الظاهرة من زاوية أوسع، إذ ترى أن موضوع السحر والشعوذة يرتبط بالوعي الاجتماعي السائد، وأنه كلما انخفض الوعي الاجتماعي والوعي العلمي، ارتفع الاعتقاد بالسحر والشعوذة. وتربط شعبان ذلك أيضاً بإحساس البشر بالعجز أمام فهم الواقع والمجتمع وتغييره، معتبرة أن هذا العجز قد يدفعهم إلى اللجوء إلى قوى خارجة عن الواقع والعلم. وفي حالة النساء، تقول الفكرة بوضوح: "المرأة التي تفشل في إيجاد حلول لمشكلاتها الأسرية والزوجية قد تلجأ إلى الشعوذة لحل مشكلة اجتماعية بأداة ليست من طبيعة المشكلة، فتبحث عن (سحر) بدل البحث في أسباب الخلاف، أو عن (عمل) بدل مواجهة علاقة انتهت، أو عن (تعطيل) بدل التعامل مع الأسباب الطبية والاجتماعية والنفسية التي قد تقف وراء تأخر الحمل أو الزواج".
❝
د. رشا شعبان: لا يمكن اختزال المرأة في صورة الضحية الساذجة. فالإنسان عندما يكون في حالة ألم لا يتصرف دائماً كخبير اقتصادي يحسب احتمالات الربح والخسارة❞
وترى شعبان أن هذه محاولة وهمية لأنها لا تستند إلى أساس حقيقي في حل المشكلة، وإيهامية لأنها تخلق شعوراً لدى الإنسان بأن المشكلة انتهت بينما أسبابها الحقيقية ما تزال قائمة، معتبرة أن استمرار هذه الممارسات مؤشر خطير على ابتعاد المجتمع عن التفكير العلمي والوعي الاجتماعي.
الهواجس بوابة الغواية
وترى شعبان أنه لا يمكن اختزال المرأة في صورة الضحية الساذجة. فالإنسان عندما يكون في حالة ألم لا يتصرف دائماً كخبير اقتصادي يحسب احتمالات الربح والخسارة. والمرأة التي تخشى فقدان زوجها لا ترى في مبلغ البخور ثمن مادة فقط، قد تراه ثمن فرصة أخيرة. والتي تنتظر الحمل لا تدفع مقابل جلسة وحسب، بل تدفع مقابل الأمل. والتي تخشى أن يضيع مستقبلها قد ترى في وعد المشعوذ احتمالاً لتغيير حياتها. ولهذا لا تكفي السخرية من النساء أو اتهامهن بالجهل، لأن المشكلة الأعمق تكمن في الظروف التي تجعل الوعد السحري أكثر إقناعاً من الحل الواقعي.
وهنا أيضاً يجب الفصل بين الدين والدجل. فالقرآن حاضر في حياة الناس، والرقية والدعاء من الممارسات الدينية التي نؤمن بها، لكن ذلك لا يمنح أي شخص حق ادعاء معرفة الغيب، أو اتهام إنسان آخر بأنه مارس السحر، أو استغلال امرأة ضعيفة نفسياً أو مالياً. يقول الله في محكم آياته: (قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ)، ويقول أيضاً: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ). صدق الله العظيم.
وهنا تكمن المسافة بين الإيمان وبين التجارة بالخوف: أن يتحول الاعتقاد إلى وسيلة تمنح شخصاً سلطة مطلقة على حياة امرأة، فيخبرها من ظلمها، ومن أحبها، ومن سحرها، ومتى سيعود زوجها، وكم عليها أن تدفع كي يفك ما أصابها.
استثمار
في تجربتي مع أم سعد، كان هناك بخور بقيمة 75 دولاراً، ثم جلسات متتابعة، ثم ضرورة الاستمرار في الزيارة. لا أملك من هذه التجربة وحدها ما يسمح لي بالقول إن الأمر يمثل نموذجاً عاماً لدى جميع الممارسين، لكنها تكشف بوضوح كيف يمكن أن تتحول المساعدة المزعومة إلى علاقة مالية مستمرة.
وإذا لم تنجح الجلسة، يمكن أن يقال إن السحر قوي. وإذا لم ينته الأمر، قيل إن هناك شخصاً آخر يتدخل. وإذا توقفت المرأة، قيل إن العلاج لم يكتمل. وهكذا يصبح الفشل نفسه جزءاً من استمرار التجارة.
والأخطر أن المرأة قد تدخل هذا العالم خوفاً من امرأة أخرى، ثم تخرج منه متهمة بأنها هي الساحرة. امرأة تبحث عن حل لزواجها قد تصبح متهمة بأنها فرقت بين زوجين. امرأة تريد علاجاً قد تصبح موضوع شائعة. امرأة دفعت المال لمشعوذ قد تخشى أن تتحدث عنه لأنه يعرف عنها أسراراً شخصية. وفي هذه الدائرة، تتحول المرأة من ضحية إلى متهمة، ومن الباحثة عن النجاة إلى هدف للنبذ والشك.
تفسير ظاهرة
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس إن كانت النساء أكثر ممارسة للسحر من الرجال، فالمعطيات المحلية المتاحة لا تسمح بإعطاء نسبة دقيقة، كما أن وجود رجال يمارسون الشعوذة أو يقدمون أنفسهم كرقاة لا يمكن تجاهله. السؤال الأهم هو: لماذا تبدو صورة (الساحرة) أنثوية إلى هذا الحد؟ ولماذا تكون المرأة في الوقت نفسه السوق الأوسع لبعض هذه الممارسات، والضحية الأكثر عرضة للاتهام والاستغلال؟
ربما لأن المجتمع يضع على كتفيها أصلاً أعباء الزواج والحمل والأسرة والسمعة، ثم يأتي الدجال ليقول لها إن كل ما تعانيه يمكن تفسيره بكلمة واحدة: (سحر).
لعب على العواطف
خرجت من عند أم سعد، ولم أخرج وأنا أعرف من فعل السحر، ولا إن كان هناك سحر أصلاً. خرجت وأنا أعرف شيئاً أكثر واقعية: كم هو سهل أن يتحول الشك إلى اتهام، والخوف إلى تشخيص، والتشخيص إلى فاتورة، وأن تتحول امرأة خائفة إلى زبونة، ثم إلى ضحية، وربما إلى متهمة.
وفي مكان ما بين رائحة البخور والعصا والكلمات التي لم أفهمها، وبين اسم قريب قيل لي إنه يقف خلف ما يحدث لي، بدا لي أن أخطر ما في الحكاية ليس أن شخصاً يقول لك إن طريقك مسدود، بل أن يجعلك تصدق أن الطريق مسدود فعلاً، ثم يقنعك بأن المفتاح موجود عنده وحده.
عندها لا يعود البحث عن (الساحرة) كافياً. علينا أن ننظر إلى الرجل الذي يقف خلف الستار، إلى المرأة التي دخلت تبحث عن حل، إلى المجتمع الذي جعل بعض مشكلاتها أثقل من قدرتها على الاحتمال، وإلى السوق الذي عرف كيف يحول الخوف إلى مال.
لأن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحاً ليس: من هي الساحرة؟ بل: من أقنع المرأة بأن حياتها مسحورة؟ ومن قبض ثمن خوفها؟ ومن استفاد من إبقاء الطريق مسدوداً في ذهنها؟
فحين يصبح الخوف سلعة، لا تعود الحكاية عن السحر وحده.. بل تصبح الحكاية عن تاجر الخوف.


