سوريا - اقتصاد
المصارف الحكومية على طاولة "جراحة" عميقة..شركة عالمية تفاضل بين ثلاثة خيارات
قوشجي: التحول إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة هو الخيار الأفضل
ن
ناظم عيد
نشر في: ٢٣ مايو ٢٠٢٦، ٠٩:٢٤
3 دقيقة
29

تبدو المصارف الحكومية الستة في سوريا تركة ثقيلة وعبئاً على وزارة المالية ومصرف سوريا المركزي. وإن كانت هذه المصارف ليست بالسوء الذي ينحدر بها إلى وصفها بـ"العبء"، إلا أن التعاطي الرسمي معها أشاع تصوراً عنها في أوساط المتابعين كما الأوساط الشعبية.
فما زال تقليب الخيارات السمة الأبرز في طريقة التعاطي مع بنوك ستة، طالما كانت تقوم باستحقاق العمل المصرفي في بلد مغلق. كما أنها استمرت بالاضطلاع بمهام ثقيلة حتى بعد إشراع الأبواب أمام دخول المصارف الخاصة. فالأخيرة لم تقم بدور تنموي حقيقي منذ دخولها الذي بدأ في العام 2004، وكان يفترض أن تؤدي دوراً ما لكنها لم تفعل، على الأقل قبل العام 2011 وانطلاق الثورة وما تلا ذلك من عقوبات للنظام البائد، كبّلت المصارف والاقتصاد.
هل ثمة خيارات إنقاذ؟
في سياق البحث عن "تدابير" لحل معضلة المصارف الحكومية، قدّمت شركة الاستشارات الدولية أوليفر وايمان ثلاثة خيارات لإعادة هيكلة ستة مصارف حكومية سورية. تتمحور حول:
· التحوّل إلى شركات مساهمة
· أو الخصخصة
· أو الشراكة الأجنبية
في مهمّة مُموَّلة من قطر وبدعم من الخزانة الأمريكية والبنك الدولي.
مذكرة تفاهم في واشنطن
وبالفعل، مؤخراً وقّع وزير المالية محمد يسر برنية في واشنطن مذكرة تفاهم مع شركة "أوليفر وايمان" الاستشارية الدولية لرسم خارطة إعادة هيكلة قطاع المصارف الحكومية.
وأنجز فريق "أوليفر وايمان" تقييماً شاملاً للقطاع شمل الأنظمة التشغيلية ومدى التزامها بمعايير المحاسبة الدولية، إلى جانب الودائع والسيولة وإدارة المخاطر والقروض والتسهيلات الائتمانية والكفالات والمنتجات المصرفية المتاحة.
في حجرة المعاينة
تشمل المراجعة المصارف التالية:
· المصرف العقاري
· المصرف التجاري السوري
· مصرف التسليف الشعبي
· مصرف التوفير
· المصرف الزراعي التعاوني
· المصرف الصناعي
وتشكّل هذه المصارف مجتمعة الركيزة الأساسية للتمويل العام، إذ تخدم الموظفين ذوي الرواتب والمزارعين والصناعيين وصغار المستوردين.
وتهدف المرحلة التشخيصية إلى الكشف عن الفجوات في جودة الأصول وكفاية السيولة والحوكمة التي تراكمت طوال أكثر من عقد من الحرب والعقوبات وانهيار العملة، وقياس حجم رأس المال الذي ستحتاجه كل مؤسسة للوفاء بالمعايير المصرفية المعاصرة.
مسارات الإصلاح
قدّمت الشركة الاستشارية ثلاثة خيارات لكل مصرف:
. إعادة الهيكلة على شكل شركة مساهمة تبقى ملكيتها للدولة
. الخصخصة الكاملة أو الاستحواذ من قبل مصرف أجنبي
. إقامة شراكة استراتيجية مع مجموعة مصرفية عربية أو أجنبية
ويُتَّخذ القرار لكل مصرف على حدة بدلاً من فرض نموذج موحّد على القطاع. وتسعى هذه القائمة إلى الموازنة بين الحفاظ على الوصول العام إلى الائتمان وإعادة رسملة وتحديث مؤسسات تأخّرت عن المعايير المصرفية الإقليمية، كما تفتح الباب أمام تملّك أجنبي مباشر لأصول مصرفية سورية مهمة.
ولم يُعلَن بعد عن جدول زمني لتحويل توصيات "أوليفر وايمان" إلى تشريعات، ويبقى الاختيار بين الخيارات الثلاثة لكل مصرف من صلاحيات مجلس الوزراء.
مرحلة بالغة الحساسية

يعتبر الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، في حديث لـ"العين السورية"، أن الساحة المصرفية السورية تشهد اليوم واحدة من أكثر المراحل حساسية منذ تأسيس الجهاز المصرفي الحديث، بعد توقيع مذكرة تفاهم في واشنطن بين وزارة المالية السورية وشركة "أوليفر وايمان" الدولية، بتمويل من صندوق قطر للتنمية وبدعم من وزارة الخزانة الأمريكية والبنك الدولي.
فهذا التطور يثير برأيه أسئلة جوهرية حول الخيارات المطروحة، ومدى واقعيتها، وتأثيرها على الاقتصاد السوري، وعلاقتها بالإصلاحات التي طالما نوقشت، بما في ذلك ما طرحته سابقاً من ضرورة إعادة رسملة المصارف الحكومية وتحويلها إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة.
كشف الفجوات البنيوية
شمل تقييم "أوليفر وايمان" مراجعة دقيقة للأنظمة التشغيلية، وجودة الأصول، وكفاية السيولة، والالتزام بمعايير المحاسبة الدولية، إضافة إلى تحليل القروض المتعثرة، وإدارة المخاطر، والمنتجات المصرفية المتاحة.
وقد أظهر هذا التقييم ما كان معروفاً لدى الخبراء: أن المصارف الحكومية تعاني من تآكل رأس المال، وارتفاع الديون المتعثرة، وضعف البنية التكنولوجية، وغياب الحوكمة الفعالة، وتراجع ثقة المواطنين نتيجة القيود على السحب وضعف الخدمات.
هذه المرحلة التشخيصية لا تهدف فقط إلى توصيف الواقع، بل إلى تحديد حجم رأس المال المطلوب لإعادة المصارف إلى المعايير المصرفية الإقليمية والدولية، وهو شرط أساسي قبل أي عملية إعادة هيكلة أو شراكة محتملة.
أفضل الخيارات
يتصدر التحول إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة، الخيارات المقبولة بالنسبة لبيئة العمل السورية، إن كان من الجانب القانوني أو لجهة قبول الفكرة من الرأي العام الرافض الخصخصة.
ويرى د. قوشجي أن هذا الخيار يمثل صيغة وسطية بين الإصلاح والملكية العامة، إذ يسمح بالفصل بين الملكية والإدارة، وتطبيق قواعد الحوكمة الحديثة، واعتماد معايير محاسبية دولية، دون نقل الملكية إلى القطاع الخاص. وهو الخيار الأكثر انسجاماً مع البيئة السورية الحالية، لأنه يحقق إصلاحاً مؤسسياً دون صدمات اجتماعية أو سياسية.
خيار بغيض
· احتمال تسريح العمالة
· ارتفاع تكلفة الخدمات
· تراجع الإقراض للقطاعات الإنتاجية
· فقدان الدولة إحدى أدواتها الأساسية في السياسة النقدية
كما أن البيئة السياسية والاقتصادية لا تسمح حالياً بدخول استثمارات أجنبية واسعة أو بعمليات خصخصة شاملة.
شراكات إستراتيجية
فيما يخص الشراكات الاستراتيجية مع مصارف عربية أو أجنبية، يرى د. قوشجي أنه يمكن لهذا الخيار أن يرفع مستوى التكنولوجيا المصرفية ويحسّن جودة الخدمات، لكنه يحتاج إلى:
· بيئة قانونية مستقرة
· رفع جزء من القيود والعقوبات
· قدرة الدولة على ضبط حركة رأس المال
وهو خيار قابل للتطبيق جزئياً، لكنه ليس متاحاً على نطاق واسع في الوقت الراهن.
معالجة التعثّر
يلفت الخبير إلى أنه من المهم تزامن عمل "أوليفر وايمان" مع المرسوم رقم 70 لعام 2026، الذي يضع إطاراً لتسوية القروض المتعثرة وإعادة جدولة الديون المستحقة على المصارف الحكومية. إذ يُعدّ هذا المرسوم خطوة أساسية، لأن أي عملية إعادة هيكلة تحتاج إلى ميزانيات نظيفة وقابلة للتقييم، وإلى معالجة الإرث المالي الذي تراكم خلال سنوات الحرب. فبدون معالجة القروض المتعثرة، لا يمكن لأي مصرف أن يجذب شريكاً استراتيجياً أو أن يتحول إلى شركة مساهمة قادرة على العمل بكفاءة.
اهتمام دولي
يظهر البعد الدولي بين الدعم الفني والاعتبارات الجيوسياسية. لا يمكن تجاهل أن المهمة ممولة من قطر وبدعم من الخزانة الأمريكية والبنك الدولي، وهذا ما يراه د. قوشجي يعكس اهتماماً دولياً بإعادة تأهيل القطاع المصرفي السوري. ويرى أن هذا الدعم يحمل بُعدين متوازيين:
· الأول فني: يتعلق بتطبيق المعايير الدولية ومكافحة غسل الأموال والخروج من القائمة الرمادية.
· الثاني سياسي: يرتبط بإعادة دمج سوريا تدريجياً في النظام المالي العالمي، وفق شروط رقابية صارمة.
هذا التداخل بين الفني والسياسي يجعل الإصلاح المصرفي جزءاً من مسار أوسع لإعادة هيكلة الاقتصاد السوري، وليس مجرد خطوة تقنية.
بين الحاجة والضغط
هل الإصلاحات نابعة من حاجة داخلية أم ضغوط خارجية؟
هنا يلفت الخبير إلى أن الإصلاحات تأتي من مصدرين متداخلين:
· من جهة: يعاني الجهاز المصرفي من اختلالات بنيوية عميقة: تآكل رأس المال، ضعف التكنولوجيا، غياب الحوكمة، وتراجع الثقة الشعبية.
· من جهة أخرى: فإن التقييم الدولي يهدف إلى مواءمة القطاع المصرفي مع المعايير العالمية، وهو ما يتطلب التزاماً بتوصيات خارجية.
لذلك، يمكن القول إن الدافع داخلي في جوهره، لكن الإطار الفني خارجي بطبيعته.
أكثر واقعية
ما الذي تعنيه هذه الخيارات لمستقبل المصارف السورية؟
يعتبر د. قوشجي أن الخيارات الثلاثة تفتح الباب أمام إعادة رسم خريطة القطاع المصرفي السوري، لكن نجاحها يعتمد على مجموعة من العوامل، أبرزها:
· قدرة الحكومة على تنفيذ إصلاحات مؤسسية حقيقية
· معالجة القروض المتعثرة قبل أي خطوة هيكلية
· تحسين البنية التكنولوجية والرقابية
· استعادة ثقة المواطنين عبر رفع القيود على السحب وتحسين الخدمات
· توفير بيئة قانونية مستقرة تسمح بجذب الشراكات
وفي ظل الظروف الحالية، يبدو أن التحول إلى شركات مساهمة مملوكة للدولة هو الخيار الأكثر واقعية، بينما تبقى الخصخصة والشراكات الأجنبية خيارات مؤجلة إلى حين تحسن البيئة الاقتصادية والسياسية.
ضرورة
يجزم الخبير المالي والمصرفي بأن إصلاح المصارف ليس خياراً بل ضرورة. فإعادة هيكلة المصارف الحكومية ليست ترفاً اقتصادياً، بل ضرورة لاستعادة الدور الطبيعي للجهاز المصرفي في تمويل الاستثمار ودعم الاستقرار النقدي.
غير أن نجاح الإصلاح يتطلب رؤية وطنية واضحة، وإرادة سياسية، وقدرة على المواءمة بين التوصيات الدولية والخصوصية السورية. فالمصارف ليست مجرد مؤسسات مالية، بل هي شرايين الاقتصاد، وأي إصلاح حقيقي يبدأ من إعادة ضخ الدم فيها من جديد.


