سوريا - اقتصاد
بعد رفع القيود: هل تستطيع المصارف السورية إقناع العالم بالتعامل معها؟
من «العودة إلى سويفت» إلى فتح أبواب التجارة.. المصارف المراسلة ترسم الاختبار الحقيقي للقطاع المصرفي السوري
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٢٨ سبتمبر ٢٠٢٦، ١١:١٨
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم تعد المشكلة المصرفية السورية اليوم هي سؤال: هل عادت سوريا إلى شبكة سويفت؟ بل سؤال أكثر تعقيداً: هل تستطيع المصارف السورية استخدام هذه العودة لتنفيذ تحويلات دولية منتظمة وواسعة؟
الإجابة التي يقدمها مصرف سورية المركزي والخبراء الاقتصاديون تشير إلى فارق جوهري بين الأمرين. فقد أكد حاكم مصرف سورية المركزي محمد صفوت رسلان أن المصرف المركزي أعاد الاتصال بشبكة سويفت بعد رفع القيود، موضحاً أن سويفت نفسها ليست نظاماً لتحويل الأموال، وإنما شبكة آمنة لتبادل الرسائل المالية بين المؤسسات المصرفية.
وبحسب الحاكم، بدأت النتائج العملية بالظهور، إذ فعّل أكثر من ستة مصارف سورية التحويلات التجارية بالدولار عبر مراسليها، وأصبحت معظم المصارف قادرة على إجراء معاملات باليورو، مع تفعيل التحويلات بالدينار الأردني وبدء معالجة مدفوعات بالريال السعودي والدرهم الإماراتي.
لكن هذه الخطوة، رغم أهميتها، لا تعني أن الطريق إلى النظام المصرفي العالمي قد اكتمل.
سويفت ليست التحويل نفسه
يمكن تشبيه سويفت بالطريق الذي ينقل التعليمات المصرفية، وليس بالبنك الذي يحتفظ بالأموال وينفذ التسوية النهائية.
وبمعنى آخر يمكن تشبيه سويفت بأنبوب ينقل التعليمات المالية، لا الأموال نفسها؛ فكما أن الأنبوب يحتاج إلى جهات متصلة به من الطرفين حتى تتحرك السلعة، تحتاج رسالة سويفت إلى مصارف مراسلة قادرة على تنفيذ التسوية المالية.
ولهذا فإن امتلاك المصرف اتصالاً بالشبكة لا يعني تلقائياً امتلاكه حساباً لدى مصرف أجنبي مستعد لاستقبال الأموال أو إرسالها نيابة عنه. وهنا تظهر أهمية المصارف المراسلة، التي تشكل الحلقة العملية بين المصرف السوري والنظام المالي في الدولة الأخرى.
ويقول الخبير الاقتصادي الدكتور عروة الزعبي لــ"لعين السورية" إن إعادة الاتصال بسويفت تعني استعادة القناة التقنية لتبادل الرسائل، بينما تتطلب القدرة الفعلية على تنفيذ التحويلات وجود علاقات مع مصارف مراسلة تقبل التعامل مع المصارف السورية.
ويشير الزعبي إلى أن بعض المصارف السورية بدأت بالفعل بإعادة بناء قنوات مع بنوك أمريكية بشكل غير مباشر، فيما يجري العمل على قنوات مباشرة، ما يجعل العملية مرتبطة بوقت وإجراءات امتثال وتقييم متبادل.
معركة الثقة تبدأ من هنا
بعد سنوات من العقوبات والعزلة المصرفية، لا يكفي رفع القيود لإعادة العلاقات المصرفية إلى ما كانت عليه سابقاً.
فالمصارف الأجنبية تقيّم مخاطر التعامل مع كل مصرف على حدة، وتبحث في أنظمة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، ومعايير اعرف عميلك، وآليات فحص العمليات، وشفافية البيانات المالية، وقدرة المصرف على إدارة المخاطر.
ويرى الباحث الاقتصادي في مركز جسور للدراسات طلال اسعيد أن توسيع شبكة المراسلين يحتاج إلى إجراءات قانونية وتقنية صارمة، وقد تستغرق العلاقة المصرفية الجديدة عادة بين 6 أشهر وسنة، وربما أكثر تبعاً لتعقيد المتطلبات التنظيمية.
ويضيف في حديثه مع "العين السورية" أن ما يعرف بـ«تقييم الفجوة» يمكن أن يشكل جزءاً من هذه العملية، عبر مقارنة واقع المصارف السورية بالمعايير الدولية في المجالات القانونية والتقنية وإدارة المخاطر والشفافية.
وهذا يعني أن التحدي السوري لم يعد تقنياً فقط، بل أصبح متعلقاً بقدرة القطاع المصرفي على تقديم سجل تعاملات يطمئن المصارف الأجنبية إلى مستوى المخاطر.
لماذا الدينار والريال والدرهم؟
في انتظار توسع قنوات الدولار واليورو، تبرز العملات الإقليمية كمسار عملي للتجارة السورية.
فتفعيل التحويلات بالدينار الأردني، وبدء معالجة المدفوعات بالريال السعودي والدرهم الإماراتي، يمكن أن يخفف حاجة التجار إلى استخدام وسطاء متعددين لتنفيذ المدفوعات الخارجية، ويخفض كلفة التحويل والتسوية، خصوصاً مع دول ترتبط بسوريا بحركة تجارية واستثمارية مهمة.
ويرى اسعيد أن استخدام العملات الإقليمية يخفف الاعتماد على الدولار واليورو، بينما يعتبر الزعبي أن هذا المسار يجمع بين عاملين: سهولة وسرعة بناء القنوات الإقليمية من جهة، والصعوبات التي ما زالت ترافق استعادة العلاقات الكاملة مع المصارف الأمريكية والأوروبية الكبرى من جهة أخرى.
وبالتالي، لا تبدو العملات الإقليمية بديلاً نهائياً عن الدولار، بقدر ما تمثل جسراً مرحلياً لتوسيع شبكة المدفوعات الخارجية.
من التحويلات إلى أسعار السلع
إذا اتسعت شبكة المراسلين، فلن يقتصر الأثر على المصارف، فانخفاض كلفة التحويل وتقليص عدد الوسطاء وتسريع المدفوعات يمكن أن ينعكس على تكلفة التجارة الخارجية، خصوصاً في عمليات الاستيراد التي تتأثر بكلفة التمويل والتحويل والتأخير.
ويتوقع الزعبي أن يؤدي توسع القنوات المصرفية إلى خفض تدريجي في كلفة الاستيراد، وتسريع العمليات وتقليل التأخير، وبالتالي احتمال انعكاس جزء من هذه الوفورات على أسعار السلع المستوردة، لكن بصورة تدريجية لا فورية.
أما طلال اسعيد فيربط المسألة أيضاً بسعر الصرف، إذ يرى أن السعر الرسمي لا تكمن أهميته في قيمته الاسمية فقط، وإنما في قدرته على أن يكون مرجعاً فعلياً لتسعير السلع والخدمات وتحديد تكاليف المدخلات واتخاذ القرارات الاستثمارية.
هل تتراجع السوق الموازية؟
هنا قد يكون للتحويلات الدولية أثر يتجاوز التجارة، فكلما أصبحت القنوات الرسمية أكثر قدرة على استقبال وتحويل العملات الأجنبية، قد يجد المغتربون خيارات مصرفية أكثر سهولة لإرسال الأموال إلى سوريا، ما يزيد تدفق القطع الأجنبي عبر القنوات الرسمية بدلاً من السوق الموازية.
ويرى الزعبي أن هذا المسار يمكن أن يزيد المعروض من العملات الأجنبية في القنوات الرسمية ويدعم استقرار سعر الصرف.
لكن اسعيد يلفت إلى شرط أساسي وهو تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي. فكلما اتسعت الفجوة، ارتفعت مخاطر التسعير وتقلبات العملة وزاد عدم اليقين أمام المستورد والمستثمر والصناعي.
عوامل تؤثر في جاذبية البيئة الاستثمارية
قد تكون عودة قنوات التحويل شرطاً ضرورياً لدخول رؤوس الأموال، لكنها لا تشكل وحدها بيئة استثمارية مكتملة.
فالاستثمار الأجنبي يحتاج إلى القدرة على إدخال الأموال وإخراجها، لكنه يحتاج أيضاً إلى تشريعات واضحة، وقضاء تجاري موثوق، واستقرار ضريبي، وبنية تحتية وطاقة، إضافة إلى بيئة سياسية وأمنية مستقرة.
ويرى اسعيد أن صعوبات التحويلات تتداخل مع البيروقراطية وتعقيد التشريعات لتشكل مجتمعة عوامل تؤثر في جاذبية البيئة الاستثمارية.
وهنا تصبح شبكة المراسلين جزءاً من منظومة أكبر: كلما تحسنت قدرة سوريا على تنفيذ المدفوعات بشفافية وامتثال، أصبح القطاع المصرفي أكثر قدرة على خدمة التجارة والاستثمار؛ لكن ذلك يحتاج إلى إصلاحات تتجاوز النظام المصرفي نفسه.
عدة أشهر أم سنة أو سنتين؟
يقدر مصرف سورية المركزي أن استعادة شبكة واسعة من العلاقات المصرفية الدولية قد تستغرق عدة أشهر، في حين يرى الزعبي أن بناء شبكة تغطي احتياجات التجارة والاستيراد بصورة مقبولة قد يحتاج إلى سنة أو سنتين، بينما يضع اسعيد مدة العلاقة المصرفية الجديدة عادة بين ستة أشهر وسنة، مع إمكانية امتدادها وفق المتطلبات التنظيمية.
ولا يوجد تعارض بالضرورة بين هذه التقديرات، إذ إن إعادة فتح علاقة مصرفية واحدة ليست هي نفسها بناء شبكة مراسلين قادرة على تغطية اقتصاد كامل.
لذلك، فإن المؤشر الأهم خلال المرحلة المقبلة لن يكون مجرد وجود سويفت، وإنما عدد المصارف السورية التي تمتلك علاقات مراسلة فعالة، وعدد العملات التي يمكن استخدامها، وحجم التحويلات التي تمر عبر القنوات الرسمية، وسرعة تنفيذها وكلفتها.
الاختبار الحقيقي بعد عودة سويفت
عودة مصرف سورية المركزي إلى سويفت تمثل استعادة لقناة مهمة في الاتصال المالي الدولي، لكن المرحلة الأصعب تبدأ بعد الاتصال.
فالمطلوب الآن هو تحويل القناة التقنية إلى شبكة مصرفية عملية، وإقناع المصارف الأجنبية بأن التعامل مع سوريا يمكن أن يتم ضمن مستويات واضحة من الامتثال وإدارة المخاطر.
وإذا نجحت هذه العملية تدريجياً، فقد تمتد آثارها من التحويلات التجارية إلى كلفة الاستيراد، وتحويلات المغتربين، وسوق الصرف، وتمويل الاستثمار.
أما إذا بقيت شبكة المراسلين محدودة، فإن سويفت سيبقى متاحاً من الناحية التقنية، بينما تظل قدرة الاقتصاد السوري على استخدام النظام المالي العالمي أضيق من المطلوب.
وهنا تحديداً يكمن الفارق بين العودة إلى الشبكة والعودة الفعلية إلى النظام المصرفي العالمي.


