سوريا - اقتصاد
المصارف السورية تعود إلى العالم.. هل تملك الكفاءات المؤهلة؟
سنوات العزلة أضعفت مخزون الخبرات المصرفية، فيما تفرض المرحلة الجديدة مهارات متقدمة في الامتثال وإدارة المخاطر والتكنولوجيا والأمن السيبراني.
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٤ أكتوبر ٢٠٢٦، ١١:٢٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

بعد أكثر من 15 عاماً من الحرب والعقوبات والعزلة المالية، تواجه المصارف السورية تحدياً يتجاوز تحديث الأنظمة أو استعادة العلاقات المصرفية الخارجية، ليصل إلى العنصر الأكثر حساسية في أي مؤسسة مالية وهو رأس المال البشري.
فبينما تستعد المصارف لمرحلة جديدة قد تتطلب التعامل مع بنوك مراسلة وأسواق وخدمات مالية أكثر تطوراً، تبدو الفجوة واضحة بين جزء من المهارات المتوافرة داخل القطاع وبين المتطلبات الجديدة للمصرف الحديث، في وقت أدت فيه سنوات العزلة إلى نزيف في الخبرات، وتراجع في التطوير الإداري، وتضخم في بعض الوظائف التقليدية.
ويرى استشاري التمويل الأصغر منير هارون في حديثه مع "العين السورية" أن المشكلة لا تقاس بعدد الموظفين فقط، وإنما باتساع الفجوة المعرفية وتقادم الآليات الإدارية التي أصبحت، بحسب وصفه، بعيدة عن التطورات المتسارعة في المصرفية العالمية.
نزيف الإدارة الوسطى.. الحلقة التي فقدتها المصارف
من أبرز مظاهر الخلل، وفق هارون، تآكل الطبقة الوسطى من القيادات المصرفية، بعدما دفعت الظروف المعيشية وتراجع الأجور عدداً من الخبرات والمديرين التنفيذيين إلى الهجرة.
ويرى أن خروج هذه الكفاءات أفرغ المصارف من جزء أساسي من «صمام الأمان» الإداري، ودفع بعض المؤسسات إلى إسناد مواقع القرار إلى كوادر تفتقر أحياناً إلى النضج المصرفي والخبرة التراكمية اللازمة لإدارة الأزمات.
ولا تتوقف المشكلة عند القيادات، إذ يشير هارون إلى اختلال واضح في توزيع العاملين؛ فهناك تكدس في الوظائف الورقية والخدمات التقليدية والروتينية، مثل أعمال الخزائن والاستعلامات الدفترية، مقابل نقص في أقسام التطوير والابتكار والحلول التقنية.
ويضيف أن الثقافة التنظيمية، ولا سيما في المصارف العامة، ما زالت في أجزاء منها أسيرة تسيير المعاملات اليومية بآليات نمطية، بدلاً من الانتقال إلى الفكر الاستراتيجي وإدارة المخاطر الاستباقية واستيعاب مفاهيم التسويق المصرفي الحديث.
من الموظف التقليدي إلى مصرفي العصر الرقمي
عودة المصارف تدريجياً إلى العلاقات المصرفية المراسلة تضع القطاع أمام متطلبات مهنية جديدة، يرى هارون أنها ستكون بمثابة «تأشيرة عبور» إلى النظام المالي الدولي.
في مقدمة هذه المتطلبات تأتي الامتثال ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب (AML/CFT)، إذ تحتاج المصارف إلى منظومات امتثال فعالة ومتوافقة مع المعايير الدولية حتى تتمكن من بناء علاقات مصرفية خارجية مستدامة.
كما تبرز الحاجة إلى كوادر متخصصة في إدارة المخاطر، قادرة على قياس وإدارة مخاطر الائتمان والسيولة وتقلبات الأسواق، إلى جانب تطوير الخبرات المرتبطة بأطر بازل الحديثة.
وفي الجانب التقني، يرى هارون أن المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من مفهوم «الموظف التقليدي» إلى الكادر القادر على إدارة المحافظ الإلكترونية وقنوات الدفع الذكية وتطوير التطبيقات المصرفية.
أما الأمن السيبراني، فيعده أحد أكثر التخصصات إلحاحاً، في ظل الحاجة إلى حماية البنية التحتية المصرفية والبيانات من الاختراقات، مع وجود ندرة كبيرة في هذا النوع من المهارات محلياً.
التكنولوجيا وحدها لا تصنع مصرفاً حديثاً
لكن ضخ الاستثمارات في التكنولوجيا وتحديث التشريعات لن يكون كافياً، بحسب هارون، إذا لم يترافق مع تغيير في عقلية الموارد البشرية.
فالأنظمة الرقمية، مهما بلغت درجة تطورها، تبقى أدوات تحتاج إلى إدارة قادرة على استخدامها وتطويرها. ويحذر هارون من أن الجمود الإداري ومقاومة التغيير والخوف من اتخاذ القرار داخل الإدارة الوسطى يمكن أن تفشل حتى أكثر المنظومات التقنية تطوراً.
ومن هنا، يعطي أهمية خاصة للإدارة الوسطى باعتبارها الحلقة التي تحول الخطط الاستراتيجية إلى واقع تشغيلي، ويرى أن تأهيلها ومنحها المرونة اللازمة يمثلان شرطاً لنجاح عملية التحول المصرفي.
الفائض البشري.. فرصة لإعادة التموضع
بدلاً من التعامل مع فائض بعض الوظائف باعتباره سبباً مباشراً لتقليص العمالة، يقترح هارون إعادة توجيه الموارد البشرية.
ويبدأ ذلك بإخضاع موظفي البيانات والصناديق والأعمال التقليدية لبرامج تأهيل مكثفة تمكنهم من الانتقال إلى مجالات مثل الدعم الفني والرقابة الداخلية وخدمة العملاء.
كما يدعو إلى تسريع الأتمتة في المعاملات الروتينية، بحيث تتراجع الحاجة إلى الأعمال اليدوية، وتتاح للمصارف إمكانية نقل جزء من الفائض البشري إلى أقسام المخاطر والامتثال بعد تأهيله.
ويرى أن الحوافز يمكن أن تلعب دوراً في هذه العملية، عبر ربط المكافآت المالية بالمسارات التدريبية المتخصصة، خصوصاً في مجالات الأمن السيبراني والامتثال، بما يحول التدريب من عبء إداري إلى حافز مهني.
ثلاث سنوات لإعادة بناء رأس المال البشري
ويقترح هارون خطة تمتد لثلاث سنوات، تبدأ من معالجة مشكلة القدرة على الاحتفاظ بالكفاءات، خصوصاً مع احتمال دخول مصارف ورؤوس أموال أجنبية إلى السوق وما قد تحمله من قدرة أكبر على استقطاب أصحاب المهارات النادرة.
ويضع هيكلة الأجور في مقدمة هذه الخطة، من خلال ربط الرواتب بالإنتاجية والقيمة السوقية للتخصصات التي تحتاجها المصارف، مثل إدارة المخاطر والأمن الرقمي والامتثال.
كما يقترح إنشاء أكاديمية مصرفية وطنية تكون بمثابة ذراع تدريبية احترافية تابعة لمصرف سورية المركزي، بالشراكة مع معاهد دولية، لمنح العاملين شهادات مهنية معتمدة.
أما الكفاءات السورية المهاجرة، فيرى ضرورة استقطابها من خلال حزم جاذبة تتضمن مرونة في العمل، بما فيها العمل عن بعد أو بالنظام الهجين، إلى جانب تسهيلات مالية تمكن أصحاب الخبرات من الإشراف على قطاعات التطوير.
وفي موازاة ذلك، يقترح بناء شراكات مع الجامعات لتبني المتفوقين في الاقتصاد والتكنولوجيا وإلحاقهم بالمصارف المحلية، بما يسمح بتشكيل صف قيادي ثانٍ بدلاً من انتظار حدوث فجوة جديدة في المستقبل.
التوظيف والترقية.. من العلاقات إلى الكفاءة
ولا يفصل هارون إصلاح الموارد البشرية عن إصلاح آليات التعيين والترقية. فهو يرى أن التوظيف القائم على العلاقات الشخصية والمحسوبية ساهم في تكريس الركود وضعف الولاء المؤسسي.
ويقترح لذلك سحب الصلاحيات المطلقة للمديرين في التوظيف، وإسناد التقييم إلى لجان مستقلة واختبارات مؤتمتة وموحدة تشرف عليها جهات متخصصة.
كما يدعو إلى تفعيل بطاقات الوصف الوظيفي بحيث تصبح شروط التعليم والكفاءة محددة بوضوح لكل وظيفة، ولا تتم الترقية أو التعيين من دون استيفائها.
ويطرح كذلك استبدال الترقية القائمة على الأقدمية أو العلاقات الشخصية بنظام رقمي لتقييم الأداء، يقيس المساهمة الفعلية للموظف في نتائج المصرف وكفاءته التشغيلية.
إعادة التقييم قبل الإقصاء
ومع حساسية ملف الموظفين الذين دخلوا القطاع في مراحل سابقة بآليات لا تقوم دائماً على الكفاءة، يرفض هارون فكرة الإقصاء الجماعي، ويقترح مساراً مهنياً متدرجاً يبدأ بالتقييم.
ويشمل ذلك اختبارات كفاءة ومقابلات فنية وسلوكية تحت إشراف جهات مستقلة، بهدف تحديد الفجوات المعرفية بدقة. وبعدها يمنح الموظفون القابلون للتطور فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة لإعادة التأهيل عبر برامج تدريبية مكثفة وممولة من المصرف.
وفي المرحلة التالية، يمكن إعادة توزيع من يملكون الالتزام الوظيفي لكن تنقصهم المهارات المصرفية المتقدمة إلى وظائف لوجستية أو إدارية أو فروع تحتاج إلى هذه الخبرات، بينما يصبح إنهاء الخدمة خياراً أخيراً لمن يثبت عجزه عن التطور أو رفضه لمسار التأهيل، عبر حزم تعويضية عادلة أو التقاعد المبكر.
حماية الخبرة.. شرط للإصلاح
ويشدد هارون على ضرورة عدم الخلط بين قدم الموظف وضعف كفاءته، فبعض من أداروا العمل المصرفي خلال سنوات الأزمات يمتلكون خبرة ميدانية لا توفرها الشهادات الأكاديمية وحدها.
ويرى أن هؤلاء راكموا معرفة دقيقة بالسوق والواقع المحلي، وقد تشكل هذه الخبرة ميزة تنافسية وقيمة مضافة للمصارف، شرط امتلاك أصحابها المرونة والاستعداد لتعلم أدوات المصرفية الحديثة.
وهنا تكمن جوهرية الإصلاح: ليس المطلوب هدم رأس المال البشري الموجود وإعادة بنائه من الصفر، بل فرزه وتطويره وإعادة وضعه في المكان الذي يخدم المرحلة الجديدة.
فالمصرف السوري المقبل لن يحتاج فقط إلى مزيد من الموظفين، بل إلى موظفين يمتلكون مهارات مختلفة، وإدارة وسطى قادرة على اتخاذ القرار، وكفاءات تستطيع التعامل مع المخاطر والامتثال والتكنولوجيا، ونظام توظيف وترقية يجعل الكفاءة معياراً أساسياً.
ويرى هارون أن نجاح التحول المصرفي لن تحدده الأنظمة الرقمية وحدها، بل قدرة الإنسان الذي يقف خلفها على استخدامها وتطويرها، فإذا كانت المصارف تستعد للعودة إلى عالم مالي أكثر انفتاحاً، فإن إعادة بناء رأس المال البشري قد تكون الخطوة التي تحدد ما إذا كانت هذه العودة ستتحول إلى قدرة مصرفية حقيقية أم ستبقى مجرد تحديث في الأدوات.


