سوريا - اقتصاد
سمعة جيدة ورواج سيء.. لماذا تعثر المنتج الصناعي السوري في الأسواق المحلية والعالمية؟
ن
نورا حربا
نشر في: ٢٠ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٥٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

شهدت الصناعة السورية مؤخراً نشاطاً متزايداً مع الإعلان عن عودة 1150 خط إنتاج إلى العمل، وافتتاح خطوط إنتاج جديدة في عدة مجالات صناعية، في خطوة يراها المتابعون أنها من شأنها زيادة القدرة الإنتاجية وتوسيع نطاق التشغيل الصناعي في مرحلة التعافي الاقتصادي للبلاد.
منتج مرغوب
يرى رئيس غرفة صناعة دمشق وريفها، أيمن المولوي، في حديثه لـ"العين السورية" أن استقبال خطوط إنتاج جديدة يحمل مؤشرات إيجابية مهمة، وأثراً كبيراً على زيادة الإنتاج مستقبلاً، والمساهمة في تأمين فرص العمل.
ويؤكد أن المنتج السوري مرغوب في كثير من دول العالم، معتبراً أن عودة خطوط الإنتاج إلى العمل خطوة ذات تأثير مباشر على الإنتاج وتشغيل المزيد من العمالة، وتدعم الجهود الرامية إلى استعادة المنتج السوري مكانته في الأسواق الخارجية، خاصة في أوروبا والدول العربية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا يزال القطاع الصناعي يواجه عدداً من التحديات، كارتفاع تكاليف الطاقة والمواد الأولية، وتقلبات سعر الصرف، وغيرها من الصعوبات التي تحد من سرعة التعافي، وتثير تساؤلات حول قدرة التوسع الحالي على تحقيق فرق ملموس في السوق المحلية ونمو مستدام في الإنتاج.
تعافٍ محدود
يرى الصناعي وائل كيوان، في حديثه لـ"العين السورية"، أن إطلاق أي خط إنتاج جديد ليس بالأمر السهل، فهناك عقبات عديدة تتعلق بارتفاع كلف الكهرباء والمحروقات، وشح المياه، وعدم استقرار أسعار الصرف، وهي عقبات يرى وائل أنها "تجعل أي تعافٍ في القطاع الصناعي محدوداً ما لم يتم الإسراع في معالجتها".
ويلفت كيوان إلى أن عودة 1150 خط إنتاج إلى العمل مجدداً هي خطوة يمكن أن تنعكس إيجاباً على السوق إذا اقترنت بوجود بيئة داعمة للصناعة، كتوفير الطاقة بأسعار منافسة، واستقرار سعر الصرف، وسلاسة توريد المواد الأولية للصناعيين.
ويشير كيوان إلى أن السوق السورية واسعة وواعدة، وقادرة على استيعاب زيادة الإنتاج، بالرغم من وجود مشاكل تتعلق بدخول البضائع المستوردة وإضعاف تنافسية المنتج المحلي.
عقبات تصديرية
غير أن التحديات التي تواجه الصناعيين لا تقتصر على كلف الإنتاج وصعوبة المنافسة في السوق المحلية، بل تمتد إلى قطاع الصادرات السورية الذي يعاني أيضاً من عقبات وتحديات جمة.
وفي هذا السياق، يرى الخبير في الشؤون الصناعية صهيب الرومي، في حديثه لـ"العين السورية"، أن قطاع التصدير في سوريا ينحصر بشكل أساسي بالمنتجات الغذائية والزراعية، وبعض أصناف المنتجات النسيجية التي باتت تصل اليوم إلى الأسواق الأوروبية.
ويضيف أن الفترة الماضية شهدت أيضاً تصدير شحنة نفطية ضخمة مقدارها 600 ألف برميل، إضافة إلى تصدير مادة الفوسفات إلى مصر.
مراجعة عاجلة
ويؤكد الرومي أن القطاع الصناعي يواجه تحديات جدية على صعيد حركة التصدير، تبدأ بارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتمر بالرسوم الجمركية المرتفعة التي تتطلب مراجعة عاجلة، ولا تنتهي عند تقلبات سعر الصرف التي تربك الصناعي في تحديد الكلفة الفعلية لمنتجاته.
تحديثات إضافية
ويلفت الرومي إلى التحديات الإضافية المتعلقة بتهالك البنية التحتية الصناعية، والاعتماد على خطوط إنتاج قديمة تقنياً، وارتفاع أسعار المحروقات والكهرباء، وهي تحديات "تجعل المنتج السوري أقل قدرة على المنافسة في الأسواق الخارجية، لارتفاع كلف إنتاجه مقارنة بالبضائع الأخرى".
أما عن الدعم الحكومي، فيؤكد الرومي أنه مقتصر في الوقت الراهن على الجوانب التنظيمية كإقامة المعارض، وحث الصناعيين على الإنتاج والتصدير، من دون أن يترافق مع تدخل مالي مباشر لتخفيف الأعباء، ما يجعل التعافي محدوداً حتى اللحظة.
استراتيجية أوسع
يرى الخبير الاقتصادي إبراهيم قوشجي، في حديثه لـ"العين السورية"، أن زيادة عدد خطوط الإنتاج يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية أوسع تتضمن ضبط السيولة النقدية، وإعادة الثقة بالعملة المحلية، وتحرير السوق بشكل تدريجي، لإحداث تغيير فعلي في السوق.
ويشير إلى أن إطلاق خطوط إنتاج جديدة خطوة مهمة لتخفيف حدة التضخم وتحقيق استقرار نسبي في أسعار السلع، "شريطة وجود بيئة أكثر تحرراً تسمح بتفاعل العرض والطلب بعيداً عن القيود".
ويقول قوشجي إن الصناعات الغذائية والنسيجية هما الأكثر قدرة على قيادة التعافي في المرحلة الحالية، لأنهما على ارتباط مباشر بالقطاع الزراعي، إلى جانب وجود خبرات محلية في كلا المجالين، مؤكداً أن دعم هذه الصناعات يسهم في خلق فرص عمل واسعة سواء في الريف أو المدن.
ضعف الثقة
ويحذّر من أن أي حديث عن استثمارات صناعية جديدة يبقى مرهوناً بتوفير الاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني، خاصة وأن غياب الاستقرار يضعف ثقة المستثمر، ويزيد من تكاليف التشغيل والتأمين، ويعرقل حركة التجارة.
ويدعو قوشجي إلى ضرورة خفض الضرائب على الإنتاج المحلي، وإصلاح الجهاز المصرفي، وتخفيض الفوائد على القروض المخصصة للإنتاج الصناعي، وتوفير الطاقة بأسعار مدروسة، وتسهيل إجراءات الترخيص والتصدير، مؤكداً أن هذه السياسات ضرورية، وهي عامل أساسي في ترسيخ أي تعافٍ اقتصادي مقبل.
أولويات متقدمة
إن معالجة ملف الطاقة، وتحسين البنية التحتية، وفتح أسواق جديدة أمام الصادرات، والاهتمام بالتسويق والمعارض، تمثل أولويات أساسية لتمكين المنتج السوري من استعادة قدرته على منافسة المنتجات الأخرى، وتعزيز مساهمة الصناعة السورية في دعم الاقتصاد الوطني مستقبلاً.


