سوريا - اقتصاد
المهمة الأصعب في سوريا بانتظار مشروع وطني متكامل.. فجوة تقنية وتداخل إداري مُربك
ا
العين السورية - منير الرفاعي
نشر في: ٧ يوليو ٢٠٢٦، ٠٧:٥٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

لم يعد الحديث عن التحول الرقمي في سورية مجرد ترفٍ فكري، بل ضرورة وطنية ملحة تفرضها تحديات المرحلة الراهنة.
ومع ذلك، لا يزال هذا المسار يواجه تعقيدات بنيوية تتطلب تفكيكاً دقيقاً، إذ لا يكفي امتلاك الأدوات التقنية للعبور نحو هذا النموذج، بل يتعين معالجة اختلالات تشريعية وإدارية عميقة تمنع الاقتصاد السوري من جني ثمار هذه الرقمنة.
اختزال التكنولوجيا
يضع خبير أنظمة المعلومات، وائل شربا، يده على أصل العقدة، مؤكداً أن الخطأ الشائع يتمثل في اختزال "البنوك الرقمية" في مجرد تطبيق إلكتروني، بينما هي منظومة اقتصادية متكاملة تتطلب بنية تحتية مستقرة للطاقة والاتصالات، وإطاراً تشريعياً يعترف بالهوية الرقمية والتوقيع الإلكتروني، مع وجود منظومة أمن سيبراني وقدرة رقابية متطورة. ويحذر شربا من أن أثر العقوبات الممتد منذ الثمانينات أحدث فجوة معرفية وتقنية، منبهاً إلى أن أي انفتاح رقمي غير منظم قد يجر الاقتصاد إلى الفوضى في ظل غياب الجاهزية التشريعية.
تداخل الصلاحيات الإدارية
ينتقد شربا في حديثه إلى " العين السورية" عقلية "الفرملة" التي تتبناها بعض القيادات المالية، والتي تمنع الاستفادة من تقنيات عالمية كالحوسبة السحابية والعملات الرقمية بحجج أمنية لم تعد واقعية. كما يشير إلى خلل إداري فادح يتمثل في تدخل المصرف المركزي في اختصاصات تقنية هي بالأصل من مهام الهيئة الوطنية لخدمات تقانة المعلومات والهيئة العامة للاتصالات. ويرى أن هذا التضارب في الأدوار يؤدي إلى ضعف التكامل، حيث تمر العملية المالية بسلسلة معقدة، وأي ضعف في التكامل بين هذه الحلقات يُفشل العملية ويُشعر المواطن بأن الخدمات "جزر معزولة" بدلاً من شبكة وطنية موحدة.
أزمة ثقة
في سياق متصل، ينقل الخبير الاقتصادي الدكتور رازي مُحي الدين النقاش إلى مربع الثقة، مشيراً إلى أن إحجام المواطن عن التعامل مع البنوك نابع من تجربة مريرة أدت إلى فقدان الثقة بالقطاع المصرفي. ويؤكد مُحي الدين في حديث لـ " العين السورية" أن الحل يكمن في برنامج إصلاح مصرفي شامل يضع حداً لبطء الخدمات التقليدية، ويعيد للمصرف دوره كوعاء للادخار والاستثمار عبر توفير أدوات جاذبة تحمي القوة الشرائية وتنشط سوق المال، بدلاً من بقاء البنوك مجرد أداة لتقييد السيولة وفرض السقوف المالية. ويشدد على أن "كاش الموبايل" كان بمثابة حل طوارئ لملأ الفراغ، لكنه لا يمكن أن يحل محل الوظائف المصرفية الأساسية كالتمويل والاعتمادات.
الشمول المالي والفئات الهشة
في مقاربة ميدانية هي الأكثر التصاقاً بوجع الفئات الأقل دخلاً، يضع مدير عام "مصرف الوطنية للتمويل الأصغر"، منير هارون، النقاط على الحروف، محذراً من أن التحول الرقمي قد ينقلب إلى أداة تهميش إذا لم يُضبط بقواعد عادلة. ويوضح هارون لـ " العين السورية" أن التحدي لا يكمن في التكنولوجيا ذاتها، بل في السلوك التجاري الذي يرى في الرقمنة تهديداً لسيولته النقدية، إذ يعمد بعض التجار إلى فرض عمولات إضافية تصل إلى 20% تحت مسمى فارق التحويل أو التحوط من التضخم، مما يحوّل "التحول الرقمي" من وسيلة تمكين إلى عبء يثقل كاهل الحلقة الأضعف. ويرى هارون أن الحل يكمن في تأمين بنية تحتية مستدامة، وإلزامية حكومية حازمة للدفع الإلكتروني، وتوظيف الرقمنة كأداة شفافية لكشف الدورة المالية، مما يعزز الثقة بالعملة الوطنية ويوفر بيئة آمنة للمشروعات الصغيرة.
ميثاق وطني لإعادة صياغة العلاقة المالية
يلتقي الخبراء الثلاثة عند حقيقة مفادها أن التحول الرقمي في سورية يتطلب "ميثاقاً وطنياً" يعيد صياغة العلاقة بين المواطن والمؤسسات المالية. والنجاح في هذا المسار مرهون بفك الاشتباك الإداري وتوحيد الصلاحيات، ومواكبة التطور العالمي. إن الطريق نحو الاقتصاد الرقمي يتطلب توازناً دقيقاً، فبينما يطالب الخبراء بتحرير التكنولوجيا من القيود البيروقراطية وتطوير أدوات الادخار، يؤكدون في الوقت ذاته أن الرقمنة هي المسار الوحيد لإنهاء الاكتناز النقدي وتفعيل الاقتصاد الرسمي. إن المستقبل لا يكمن في فرض قيود إدارية، بل في خلق بيئة استثمارية وتقنية تجعل من التحول الرقمي الخيار الأكثر أماناً وربحية لكل من التاجر والمستهلك على حد سواء.


