سوريا - اقتصاد
الماء يكسر معادلة "تحويل التراب إلى نقود" .. جدل حول "أغلى مفقود وأرخص موجود"
ا
العين السورية - درعا - ليلة حسين
نشر في: ١٥ أغسطس ٢٠٢٦، ٠٧:٠٩
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

حين تتدلى حبات الرمان من أغصانها في موسم القطاف وتتلون بالأحمر وتثقل الأغصان بالثمار يبدو المشهد وكأنه إعلان عن انتصار الأرض، لكن تحت هذه الصورة الجميلة حكاية أخرى تجري في صمت ...مياه تُسحب من جوف الأرض وآبار تعمل موسماً بعد آخر ومخزون لا يستطيع المزارع أن يراه ولا أن يعرف كم بقي منه.
الرمان لم يصنع أزمة المياه وحده لكنه أصبح أحد وجوهها الأكثر وضوحاً فخلف كل بستان آلاف الريّات وخلف كل رية بئر، وخلف كل بئر مخزون جوفي يتراجع بصمت.
ومع اقتراب بعض الآبار من العجز عن تأمين احتياجات أصحابها لم تعد القضية مجرد كلفة ري أو تراجع في الإنتاج، بل سؤالاً عن قدرة الأرض نفسها على الاستمرار في العطاء.
قد يقطف المزارع ثماره هذا العام وقد تمتلئ الأسواق بالرمان، لكن الثمن الحقيقي لهذا الموسم لا يظهر كله في صناديق القطاف فجزء منه يُدفع في أعماق الأرض وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: قد تنجح شجرة الرمان في إنتاج ثمرتها بينما تخسر الأرض ماءها.
مساحات شاسعة
قد يقطف المزارع ثماره هذا العام وقد تمتلئ الأسواق بالرمان، لكن الثمن الحقيقي لهذا الموسم لا يظهر كله في صناديق القطاف فجزء منه يُدفع في أعماق الأرض وهنا تكمن المفارقة الأكثر قسوة: قد تنجح شجرة الرمان في إنتاج ثمرتها بينما تخسر الأرض ماءها.
مساحات شاسعة
في طفس إحدى أبرز مناطق زراعة الرمان في محافظة درعا تتضح هذه المفارقة أكثر. فالمساحات المزروعة بالرمان في المحافظة تقارب أربعة آلاف هكتار أي نحو أربعين ألف دونم، وقد تصل إلى خمسة آلاف هكتار أي ما يقارب خمسين ألف دونم وفق المعطيات التي يقدمها رئيس اتحاد الفلاحين المهندس فؤاد الحريري
فأن هذه المساحات الواسعة لا تحتاج إلى رية واحدة خلال الموسم ، وإنما إلى عمليات ري متكررة ولا سيما خلال فترة حمل الثمار ونموها.
وقد تكون الرية خفيفة في كل مرة لكن تكرارها كل عشرة إلى اثني عشر يوماً تقريباً وعلى مدى أربعة أو خمسة أشهر يجعل مجموع الاستهلاك المائي كبيراً .
ويشير الحريري إلى أن حاجة بساتين الرمان إلى المياه تستمر حتى مراحل متقدمة من الموسم وقد يمتد الري إلى الشهر العاشر بحسب الصنف والمنطقة والظروف الزراعية.
ومع اتساع رقعة البساتين تتحول كل رية مهما بدت محدودة إلى جزء من كمية كبيرة من المياه المسحوبة من الآبار ، فالمعادلة لا تتعلق بكمية المياه في الرية الواحدة فقط بل بعدد مرات الري وطول الموسم والمساحة التي تحتاج إلى السقاية.
وعندما تكون المساحة عشرات آلاف الدونمات فإن مجموع الريات يتحول إلى استهلاك مائي كبير يضغط بصورة مباشرة على المورد الجوفي.
شركاء يتقاسمون المخزون
لكن الرمان لا يقف وحده في هذه المعادلة ، فالزراعة في درعا تعتمد كذلك على المياه الجوفية لري القمح المروي ضمن الزراعات الشتوية ، إضافة إلى البندورة والباذنجان والفاصولياء والخضروات الورقية والثمرية إلى جانب العنب وسائر الأشجار المثمرة.
ومع ذلك يحتل الرمان موقعاً مهماً في معادلة الضغط على المياه بسبب اتساع المساحات المزروعة به وطول الفترة التي يحتاج خلالها إلى الري.
فالعنب يبدأ قطاف بعض أصنافه في آب بينما يمتد قطاف أصناف أخرى إلى أيلول في حين يأتي الرمان في مرحلة لاحقة، وقد تستمر فترة قطافه من تشرين الأول إلى تشرين الثاني بحسب الصنف والمنطقة،
وبذلك تتعاقب الاحتياجات المائية للمحاصيل بينما يبقى المصدر الأساسي واحداً : الآبار والمياه الجوفية.
ضغط واستنزاف
ويشرح الحريري أن المناطق المزروعة بالرمان لا تستفيد حالياً من مياه السدود بصورة كافية لأغراض الري، ولا توجد مخزونات مائية تخزينية قادرة على تخفيف الاعتماد على الآبار ، لذلك يجد المزارع نفسه أمام خيار أساسي لتأمين احتياجات بستانه: المياه الجوفية.
لكن البئر ليست مورداً لا ينضب. فالمياه التي تُسحب من باطن الأرض تحتاج إلى التغذية والتجدد بينما يؤدي الضخ المستمر من أعداد كبيرة من الآبار إلى زيادة الضغط على المخزون الجوفي، خصوصاً عندما تتوسع المساحات المروية وتتكرر عمليات السقاية موسماً بعد آخر.
بوادر قلق
والأكثر إثارة للقلق أن آثار هذا الضغط بحسب إفادة الحريري بدأت تظهر على أرض الواقع. فالمشكلة لم تعد مجرد تحذير من احتمال استنزاف المياه الجوفية في المستقبل وإنما بدأت بعض الآبار تفقد قدرتها على تأمين احتياجات الناس والمزارعين.
ويشير الحريري إلى أن هناك آباراً توقفت عن العمل منذ نحو شهرين وأخرى منذ عشرة أيام أو خمسة عشر يوماً فيما لم تعد بعض الآبار المحفورة، بما فيها آبار مخالفة كافية لتأمين الاحتياجات كما كانت في السابق.
وهنا تصبح أزمة الرمان مرتبطة مباشرة بأزمة البئر ، فالمزارع يحتاج إلى المياه في مراحل حساسة من نمو الثمار وعدم القدرة على تأمين الري في موعده قد ينعكس على الإنتاج وجودة المحصول وفي المقابل فإن زيادة الضخ لتأمين احتياجات الأشجار تعني مزيداًمن الضغط على المخزون الجوفي.
تلمّس الخطر
وفي طفس حيث تشكل زراعة الرمان مصدر دخل مهماً لعدد كبير من المزارعين لا تبدو المياه مجرد عنصر من عناصر الإنتاج بل شرطاً لبقاء البستان نفسه ، فالمزارع الذي يعتمد على بئر لري أشجاره يراقب قدرتها على العطاء موسماً بعد آخر ويعرف أن أي تراجع في غزارتها يعني مشكلة مباشرة في تأمين احتياجات الأشجار.
الفلاح عقلة سعيفان من بلدة تل شهاب يتحدث عن أثر سقاية بساتين الرمان في واقع المياه بالمنطقة في ظل اعتماد المزارعين على الآبار وتكرار الري خلال الموسم وما يرافق ذلك من ضغط متزايد على المياه الجوفية.
ومن طفس أيضاً ينقل الفلاح أكثم رواشدة صورة المزارع الذي يواجه تحدي تأمين المياه لبستانه في وقت أصبحت فيه قدرة الآبار على تلبية الاحتياجات موضع قلق متزايد.
ولا يعني ذلك أن الرمان هو المسؤول الوحيد عن شح المياه في درعا فالمحافظة تضم زراعات متعددة تعتمد على المورد الجوفي نفسه، لكن تجاهل دور الرمان في زيادة الضغط على المياه لا يعكس حجم المساحات المزروعة به ولا طبيعة احتياجاته المائية ولا عدد الريات التي تحتاجها الأشجار خلال الموسم.
فأربعة آلاف هكتار وقد تصل إلى خمسة آلاف تعني عشرات آلاف الدونمات التي تحتاج إلى المياه بصورة متكررة. ورية كل عشرة أو اثني عشر يوماً لا تبقى رية منفردة عندما تُكرر على هذه المساحات ولمدة أربعة أو خمسة أشهر بل تتحول إلى استهلاك تراكمي كبير.
وهنا تظهر العلاقة المباشرة بين توسع زراعة الرمان والمياه الجوفية كلما اتسعت المساحات ارتفعت الحاجة إلى الري ، وكلما زادت الريات ارتفع حجم الضخ من الآبار ، وكلما زاد الضخ ازداد الضغط على مخزون جوفي محدود لا يمكن تعويضه بالسرعة نفسها التي تُسحب بها المياه.
وإذا أضيف إلى ذلك استهلاك العنب والخضروات والقمح المروي تصبح الصورة أكثر تعقيداً ، فالمشكلة ليست أن الرمان وحده يستهلك المياه وإنما أن مجموعة واسعة من الزراعات تعتمد على المورد نفسه في ظل غياب مصادر سطحية كافية يمكنها أن تخفف العبء عن المياه الجوفية.
ومع ذلك يبقى الرمان أحد أبرز المحاصيل التي تستحق التوقف عندها، ليس فقط بسبب المساحات المزروعة وإنما بسبب استمرار حاجته إلى المياه حتى مراحل متأخرة من الموسم. فبينما يبدأ المزارع رحلة الري قبل نضج الثمار بأشهر ولا تنتهي الحاجة إلى الماء بمجرد اقتراب موعد القطاف.
إعادة نظر في حسابات الجدوى
المفارقة أن نجاح الرمان الزراعي والاقتصادي قد يصبح في الوقت نفسه عامل ضغط على المورد الذي يقوم عليه هذا النجاح. فالمزارع يريد الحفاظ على أشجاره وإنتاجه وهذا يتطلب الري بينما تحتاج المياه الجوفية إلى إدارة تحد من استنزافها وتحافظ على قدرتها على التجدد.
ومن هنا فإن القضية لا تتعلق بمنح الرمان صفة (المتهم) الوحيد في أزمة المياه وإنما بطرح سؤال أكثر دقة: إلى أي حد يستطيع هذا المحصول الاستمرار في التوسع واستهلاك المياه بالمعدلات الحالية من دون أن يتحول الضغط على المياه الجوفية إلى تهديد مباشر لمستقبل الزراعة؟
فحين تتوقف بئر لأشهر وأخرى لأيام أو أسابيع لا يعود الأمر مجرد نقص مؤقت في المياه ، وحين تبدأ بعض الآبار بالعجز عن تأمين احتياجات أصحابها فإن المؤشر يصبح أكثر خطورة لأن الزراعة كلها تعتمد في النهاية على هذا المورد.
المياه التي يحتاجها الرمان اليوم هي نفسها التي يحتاجها العنب والخضروات والقمح غداً والبئر التي تُستخدم لري البستان هذا الموسم هي المصدر الذي سيعود إليه المزارع في الموسم المقبل. لذلك فإن استمرار الزراعة يحتاج إلى أكثر من زيادة المساحات والإنتاج يحتاج إلى حماية المورد الذي يجعل هذه الزراعة ممكنة أصلاً.
وفي موسم القطاف حين تمتلئ الصناديق بحبات الرمان قد يبدو المشهد مكتملاً.... مزارع حصد تعبه وأرض أعطت محصولها وأسواق تستقبل الثمرة الحمراء ، لكن خلف هذه الصورة تبقى أسئلة لا تظهر في الصناديق ولا تُقاس بعدد الثمار : كم ماءً سُحب من جوف الأرض؟ وكم بقي؟ وهل تستطيع الآبار أن تعطي الموسم المقبل ما أعطته هذا الموسم؟
فإذا كان الرمان هو الثمرة الحمراء التي تزين موسم درعا فإن المياه الجوفية هي الجذر الذي يبقي هذه الشجرة وكل الزراعة حيّة ، وحين يبدأ الجذر بالجفاف لن يكون السؤال عن الرمان وحده بل عن مصير الأرض التي أنجبته.
قد يجف البئر قبل أن تجف آخر ثمرة رمان لكن عندما يجف البئر لن يبقى ما يُروى.


