سوريا - مجتمع
بيوتٌ يغلقها الفقر.. النزوح الاقتصادي يستنزف أرياف الحسكة
أرضهم هنا ورزقهم بعيد.. حكايات الرحيل من ريف الحسكة
أ
أحمد العجور
نشر في: ٨ أكتوبر ٢٠٢٦، ١٥:٤١
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
في قرى ريف الحسكة الجنوبي، تُغلق أبواب بيوت لم يغادرها أصحابها بحثاً عن منزل أجمل، بل عن عمل يؤمّن لهم البقاء.
في قرى ريف الحسكة الجنوبي، تُغلق أبواب بيوت لم يغادرها أصحابها بحثاً عن منزل أجمل، بل عن عمل يؤمّن لهم البقاء.
خلف الجدران الطينية تبقى ذاكرة العائلة، وحولها أراضٍ زراعية يقول الأهالي إنهم لم يعودوا قادرين على تحمّل تكاليف استثمارها، فيما ينتقل شباب وعائلات إلى محافظات أخرى بحثاً عن مصدر دخل.
تتبعت «العين السورية» واقع المعيشة في مناطق الشدادي وجبل عبد العزيز، ورصدت مشاهد منازل أُغلقت بعد مغادرة أهلها، واستمعت إلى شهادات تربط الرحيل بضعف فرص العمل وارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات الإنتاج الزراعي.

ورغم الآمال التي رافقت انتقال السيطرة من «قسد» إلى الحكومة السورية، يقول الأهالي الذين تحدثت إليهم «العين السورية» إن التحسن الاقتصادي الذي انتظروه لم ينعكس بعد على حياتهم اليومية بالقدر الذي يساعدهم على البقاء والعمل في قراهم.
قانا.. تراجع كبير في عدد العائلات
في قرية قانا، يقدّر المختار "خضر العيد" عدد العائلات التي كانت تقيم في القرية بنحو ألفي (2000) عائلة، مقابل نحو 300 إلى 400 عائلة باقية اليوم. وهي تقديرات يقدمها المختار لوصف حجم التراجع السكاني، وليست إحصاءً رسمياً.
ويقول العيد لـ«العين السورية» إن جزءاً من عائلته موجود حالياً في دمشق للعمل، مشيراً إلى أن صعوبة المعيشة دفعت كثيرين إلى مغادرة القرية.
ويربط هذا الرحيل بارتفاع تكاليف الزراعة، ولا سيما أسعار المازوت، موضحاً أن امتلاك الأرض لم يعد كافياً لتأمين الدخل إذا تعذر توفير المياه والوقود والأسمدة.

ويقول بلهجته الشرقية: «عندها أراضي الناس، لكن الأراضي ما تسوى شيء بدون مي، بدون مازوت، بدون اهتمام، بدون أسمدة، والعالم صعب تقدر تأمّن ربطة الخبز».
وتكشف شهادته عن جوهر المشكلة: الأرض موجودة، وكذلك الرغبة في العمل، لكن مقومات الإنتاج أصبحت، بالنسبة إلى بعض الأهالي، أبعد من قدرتهم المالية.
إلى دمشق ودرعا والساحل
لا يقتصر البحث عن العمل على القرى والبلدات المجاورة. فبحسب الشهادات التي جمعتها «العين السورية»، اتجه شباب من المنطقة إلى دمشق، بينما انتقل آخرون إلى درعا للعمل في زراعة الخضراوات، وإلى مناطق الساحل للعمل في البيوت البلاستيكية.
ولا يملك المغادرون بالضرورة فرصة مستقرة تنتظرهم؛ إذ يبحث بعضهم عن أعمال موسمية أو مؤقتة تساعدهم على تغطية الطعام والإيجار ومصاريف أسرهم.
وهكذا، يغادر أبناء منطقة زراعية للعمل في مواسم مناطق أخرى، بعدما ضاقت فرص كسب العيش بالقرب من أراضيهم وبيوتهم.
ويقول العيد إن قانا ليست الحالة الوحيدة، مشيراً إلى تراجع أعداد السكان في قرى ومناطق أخرى، بينها الدحام والقاهرة ومنطقة الشدادي.
ويستشهد بقرية، لم يحدد اسمها، يقول إن عدد منازلها كان يقارب 200 منزل، ولم يبقَ منها سوى 30 إلى 40 منزلاً مأهولاً، بعدما غادر معظم السكان بحثاً عن العمل، ومنهم من توجه إلى درعا وطرطوس.
ويختتم وصفه لأحوال الأهالي بالقول: «ظروف الناس صعبة، الله يكون بعون الناس».
آمال لم تتحول بعد إلى دخل
مع انتقال السيطرة إلى الحكومة السورية، كان الأهالي، بحسب العيد، ينتظرون إعادة تشغيل المنشآت والمؤسسات الحكومية، وفتح فرص للعمل، وتقديم دعم يساعد الفلاحين على استثمار أراضيهم.
وشملت تطلعاتهم توفير مستلزمات الزراعة والمازوت الزراعي، ومراقبة الأسواق والتجار، بما يخفف تكاليف الإنتاج والأعباء المعيشية.
لكن المختار يرى أن صعوبة الظروف الاقتصادية ما تزال قريبة مما عاشه السكان خلال فترة سيطرة «قسد»، وأن التغيير الذي كانوا ينتظرونه لم يصل بعد إلى مصادر رزقهم.
ويمثل هذا التقييم موقفه من الواقع المعيشي، ويعبّر عن مطالب محددة تتعلق بالعمل والزراعة. فبالنسبة إلى الأسر التي تبحث عن قوت يومها، يُقاس التحسن بقدرتها على تأمين احتياجاتها، والحصول على دخل يسمح لها بالبقاء في المنطقة.
بيوت طينية تحتفظ بذاكرة أصحابها
في المشاهد التي وثقتها «العين السورية»، تبدو بعض المنازل بسيطة: جدران طينية، وأسقف تحملها أعمدة خشبية وطبقات من الطين، وأثاث متواضع عاش مع أصحابه سنوات طويلة.
لكن بساطة البيت لا تختصر قيمته. فهو مكان ارتبطت به حياة العائلة، وتحيط به الأرض التي اعتمدت عليها في الزراعة وتربية المواشي.

وحين يعجز العمل المتاح عن توفير الدخل، تصبح مغادرة هذا المكان قراراً قاسياً. يُغلق الباب، ويغادر أصحابه، بينما يبقى المنزل شاهداً على حياة انقطعت بحثاً عن فرصة في مكان آخر.
الزراعة تحت ضغط التكاليف
تتصل أزمة العمل في هذه القرى بتراجع قدرة الأهالي على الإنتاج الزراعي. فارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات الزراعة يضغط على مختلف مراحل العمل، من حراثة الأرض وتشغيل مضخات المياه والآليات، إلى نقل المحاصيل وتسويقها.
أما من لا يملك أرضاً أو رأس مال، فتبدو خياراته أضيق في ظل محدودية المشاريع وفرص العمل المحلية. وقد يوفر العمل الزراعي الموسمي دخلاً لفترة، لكنه لا يضمن بالضرورة مورداً يكفي الأسرة طوال العام.
ومن هنا، يتداخل ضعف فرص العمل مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، ليدفع بعض السكان إلى البحث عن رزقهم خارج المحافظة.
ولا يتوقف أثر الرحيل عند البيوت المغلقة؛ فمغادرة الشباب تعني أيضاً فقدان جزء من الأيدي العاملة التي تحتاج إليها الزراعة والمشاريع المحلية. ومع استمرار هذا المسار، قد تتراجع قدرة القرى على تنشيط اقتصادها والمحافظة على حركة أسواقها وخدماتها.
ما الذي يساعد الأهالي على البقاء؟
تضع شهادة مختار قانا مطالب واضحة أمام الجهات المعنية: دعم الزراعة، وتأمين الوقود ومستلزمات الإنتاج، وإعادة تشغيل المنشآت والمؤسسات، وتوسيع فرص العمل.
وهي مطالب ترتبط بالسؤال الذي يسبق الحديث عن عودة المغادرين: هل يستطيع السكان تأمين دخل من العمل داخل قراهم؟
فإتاحة فرصة مستقرة بالقرب من البيت والأرض قد تساعد الأسرة على البقاء، وتمنح من غادر سبباً للتفكير في العودة. أما استمرار العجز عن تغطية تكاليف المعيشة والإنتاج، فيُبقي الرحيل أحد الخيارات القليلة المتاحة.
في ريف الحسكة الجنوبي، لا تحكي الأبواب المغلقة قصة منازل خالية فحسب، بل قصة أسر تبحث عن رزق يتيح لها العيش. وبين الأرض التي تركتها والعمل الذي تنشده بعيداً، يبقى التحدي تحويل آمال المرحلة الجديدة إلى فرص ملموسة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.
تتبعت «العين السورية» واقع المعيشة في مناطق الشدادي وجبل عبد العزيز، ورصدت مشاهد منازل أُغلقت بعد مغادرة أهلها، واستمعت إلى شهادات تربط الرحيل بضعف فرص العمل وارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات الإنتاج الزراعي.

ورغم الآمال التي رافقت انتقال السيطرة من «قسد» إلى الحكومة السورية، يقول الأهالي الذين تحدثت إليهم «العين السورية» إن التحسن الاقتصادي الذي انتظروه لم ينعكس بعد على حياتهم اليومية بالقدر الذي يساعدهم على البقاء والعمل في قراهم.
قانا.. تراجع كبير في عدد العائلات
في قرية قانا، يقدّر المختار "خضر العيد" عدد العائلات التي كانت تقيم في القرية بنحو ألفي (2000) عائلة، مقابل نحو 300 إلى 400 عائلة باقية اليوم. وهي تقديرات يقدمها المختار لوصف حجم التراجع السكاني، وليست إحصاءً رسمياً.
ويقول العيد لـ«العين السورية» إن جزءاً من عائلته موجود حالياً في دمشق للعمل، مشيراً إلى أن صعوبة المعيشة دفعت كثيرين إلى مغادرة القرية.
ويربط هذا الرحيل بارتفاع تكاليف الزراعة، ولا سيما أسعار المازوت، موضحاً أن امتلاك الأرض لم يعد كافياً لتأمين الدخل إذا تعذر توفير المياه والوقود والأسمدة.

ويقول بلهجته الشرقية: «عندها أراضي الناس، لكن الأراضي ما تسوى شيء بدون مي، بدون مازوت، بدون اهتمام، بدون أسمدة، والعالم صعب تقدر تأمّن ربطة الخبز».
وتكشف شهادته عن جوهر المشكلة: الأرض موجودة، وكذلك الرغبة في العمل، لكن مقومات الإنتاج أصبحت، بالنسبة إلى بعض الأهالي، أبعد من قدرتهم المالية.
إلى دمشق ودرعا والساحل
لا يقتصر البحث عن العمل على القرى والبلدات المجاورة. فبحسب الشهادات التي جمعتها «العين السورية»، اتجه شباب من المنطقة إلى دمشق، بينما انتقل آخرون إلى درعا للعمل في زراعة الخضراوات، وإلى مناطق الساحل للعمل في البيوت البلاستيكية.
ولا يملك المغادرون بالضرورة فرصة مستقرة تنتظرهم؛ إذ يبحث بعضهم عن أعمال موسمية أو مؤقتة تساعدهم على تغطية الطعام والإيجار ومصاريف أسرهم.
وهكذا، يغادر أبناء منطقة زراعية للعمل في مواسم مناطق أخرى، بعدما ضاقت فرص كسب العيش بالقرب من أراضيهم وبيوتهم.
ويقول العيد إن قانا ليست الحالة الوحيدة، مشيراً إلى تراجع أعداد السكان في قرى ومناطق أخرى، بينها الدحام والقاهرة ومنطقة الشدادي.
ويستشهد بقرية، لم يحدد اسمها، يقول إن عدد منازلها كان يقارب 200 منزل، ولم يبقَ منها سوى 30 إلى 40 منزلاً مأهولاً، بعدما غادر معظم السكان بحثاً عن العمل، ومنهم من توجه إلى درعا وطرطوس.
ويختتم وصفه لأحوال الأهالي بالقول: «ظروف الناس صعبة، الله يكون بعون الناس».
آمال لم تتحول بعد إلى دخل
مع انتقال السيطرة إلى الحكومة السورية، كان الأهالي، بحسب العيد، ينتظرون إعادة تشغيل المنشآت والمؤسسات الحكومية، وفتح فرص للعمل، وتقديم دعم يساعد الفلاحين على استثمار أراضيهم.
وشملت تطلعاتهم توفير مستلزمات الزراعة والمازوت الزراعي، ومراقبة الأسواق والتجار، بما يخفف تكاليف الإنتاج والأعباء المعيشية.
لكن المختار يرى أن صعوبة الظروف الاقتصادية ما تزال قريبة مما عاشه السكان خلال فترة سيطرة «قسد»، وأن التغيير الذي كانوا ينتظرونه لم يصل بعد إلى مصادر رزقهم.
ويمثل هذا التقييم موقفه من الواقع المعيشي، ويعبّر عن مطالب محددة تتعلق بالعمل والزراعة. فبالنسبة إلى الأسر التي تبحث عن قوت يومها، يُقاس التحسن بقدرتها على تأمين احتياجاتها، والحصول على دخل يسمح لها بالبقاء في المنطقة.
بيوت طينية تحتفظ بذاكرة أصحابها
في المشاهد التي وثقتها «العين السورية»، تبدو بعض المنازل بسيطة: جدران طينية، وأسقف تحملها أعمدة خشبية وطبقات من الطين، وأثاث متواضع عاش مع أصحابه سنوات طويلة.
لكن بساطة البيت لا تختصر قيمته. فهو مكان ارتبطت به حياة العائلة، وتحيط به الأرض التي اعتمدت عليها في الزراعة وتربية المواشي.

وحين يعجز العمل المتاح عن توفير الدخل، تصبح مغادرة هذا المكان قراراً قاسياً. يُغلق الباب، ويغادر أصحابه، بينما يبقى المنزل شاهداً على حياة انقطعت بحثاً عن فرصة في مكان آخر.
الزراعة تحت ضغط التكاليف
تتصل أزمة العمل في هذه القرى بتراجع قدرة الأهالي على الإنتاج الزراعي. فارتفاع أسعار الوقود ومستلزمات الزراعة يضغط على مختلف مراحل العمل، من حراثة الأرض وتشغيل مضخات المياه والآليات، إلى نقل المحاصيل وتسويقها.
أما من لا يملك أرضاً أو رأس مال، فتبدو خياراته أضيق في ظل محدودية المشاريع وفرص العمل المحلية. وقد يوفر العمل الزراعي الموسمي دخلاً لفترة، لكنه لا يضمن بالضرورة مورداً يكفي الأسرة طوال العام.
ومن هنا، يتداخل ضعف فرص العمل مع ارتفاع تكاليف الإنتاج، ليدفع بعض السكان إلى البحث عن رزقهم خارج المحافظة.
ولا يتوقف أثر الرحيل عند البيوت المغلقة؛ فمغادرة الشباب تعني أيضاً فقدان جزء من الأيدي العاملة التي تحتاج إليها الزراعة والمشاريع المحلية. ومع استمرار هذا المسار، قد تتراجع قدرة القرى على تنشيط اقتصادها والمحافظة على حركة أسواقها وخدماتها.
ما الذي يساعد الأهالي على البقاء؟
تضع شهادة مختار قانا مطالب واضحة أمام الجهات المعنية: دعم الزراعة، وتأمين الوقود ومستلزمات الإنتاج، وإعادة تشغيل المنشآت والمؤسسات، وتوسيع فرص العمل.
وهي مطالب ترتبط بالسؤال الذي يسبق الحديث عن عودة المغادرين: هل يستطيع السكان تأمين دخل من العمل داخل قراهم؟
فإتاحة فرصة مستقرة بالقرب من البيت والأرض قد تساعد الأسرة على البقاء، وتمنح من غادر سبباً للتفكير في العودة. أما استمرار العجز عن تغطية تكاليف المعيشة والإنتاج، فيُبقي الرحيل أحد الخيارات القليلة المتاحة.
في ريف الحسكة الجنوبي، لا تحكي الأبواب المغلقة قصة منازل خالية فحسب، بل قصة أسر تبحث عن رزق يتيح لها العيش. وبين الأرض التي تركتها والعمل الذي تنشده بعيداً، يبقى التحدي تحويل آمال المرحلة الجديدة إلى فرص ملموسة يشعر بها الناس في حياتهم اليومية.


