سوريا - اقتصاد
أموال المغتربين في مهبّ الوسطاء.. كيف تحمي سوريا أموالهم وتحولها إلى استثمار؟
من الوسطاء والحوالات غير الرسمية إلى المصارف.. هل تستطيع سوريا استعادة أموال المغتربين وتحويلها من مصدر للاستهلاك إلى تمويل للاستثمار والإنتاج؟
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ١٠ سبتمبر ٢٠٢٦، ١٥:٤٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

كان يريد إرسال 20 ألف دولار إلى سوريا لدفع أجور العاملين في مشروعه. بحث عن طريقة آمنة لإيصال أمواله إلى بلده. لكن صعوبة استخدام القنوات الرسمية دفعته للجوء إلى وسيط، لتنتهي العملية بخسارة المبلغ في عملية احتيال.
هذه القصة لا تتعلق بخسارة فردية فحسب، بل تكشف مشكلة أوسع رافقت السوريين في الخارج لسنوات: كيف يمكن نقل أموالهم إلى سوريا بأمان، وبتكلفة مقبولة، ومن دون الوقوع في شبكات الوسطاء والاحتيال؟
لسنوات طويلة، لم تكن رحلة الدولار القادم إلى سوريا تبدأ من بوابة مصرف وتنتهي في حساب مصرفي. فقد خلقت العقوبات والعزلة المالية صعوبة كبيرة في الوصول إلى النظام المالي العالمي، ودفع ذلك كثيراً من السوريين إلى الاعتماد على الصرافين والوسطاء وشبكات الحوالة غير الرسمية لإيصال الأموال إلى أسرهم.
ومع الوقت، تحولت هذه القنوات من حل اضطراري إلى جزء شبه دائم من الدورة المالية السورية، رغم تكلفتها ومخاطرها. واليوم، مع تحسن إمكانية عودة سوريا تدريجياً إلى النظام المالي الدولي، يبرز سؤال أكبر من مجرد وصول الحوالة: هل تستطيع سوريا حماية أموال المغتربين من الاحتيال، وإدخالها إلى النظام المصرفي وتحويلها من مصدر لتمويل الاستهلاك إلى رافعة للاستثمار والإنتاج؟
سنوات العزلة.. عندما أصبحت الحوالة خارج المصرف
يقول الخبير الاقتصادي الدكتور حسن الحاري لـ«العين السورية» إن تحويلات المغتربين أصبحت خلال سنوات الأزمة الركيزة الأساسية وعصب الحياة الاقتصادية في سوريا، في ظل صعوبة الوصول إلى النظام المالي العالمي وغياب أو محدودية علاقات المراسلة المصرفية مع الخارج.
ومع صعوبة استخدام القنوات المصرفية المباشرة، لجأ السوريون إلى إرسال الأموال عبر الأقارب والأصدقاء وشبكات الصرافة والحوالة. وفي عام 2021 برزت ظاهرة عُرفت باسم الصناديق، وهي شبكات تحويل غير مصرفية اعتمدت على وسطاء وصرافين في عدة دول مجاورة لإيصال أموال المغتربين إلى سوريا.
لكن هذا المسار لم يكن منخفض الكلفة. فبحسب الحاري، بلغت عمولات تحويل أموال المغتربين أكثر من 10% خلال الفترة الممتدة من عام 2019 حتى أيار 2021، قبل أن تنخفض لاحقاً إلى نحو 6–7%، فيما قفزت خلال أزمة كورونا إلى قرابة 20%.
وبذلك، لم تكن كلفة غياب القناة المصرفية مقتصرة على صعوبة التحويل، بل أصبحت فاتورة اقتصادية يتحملها المرسل والمستفيد والاقتصاد السوري معاً.
مليارات الدولارات خارج الدورة المصرفية
يقدّر الحاري حجم تحويلات السوريين المغتربين بنحو 2.5 إلى 3 مليارات دولار سنوياً، وهي أموال يعتمد عليها الاقتصاد السوري بصورة رئيسية.
لكن مرور جزء كبير من هذه الأموال خارج النظام المصرفي الرسمي يخلق خسائر متعددة. ويقدّر الحاري الخسارة المباشرة للاقتصاد السوري بنحو 300 مليون دولار سنوياً على الأقل.
ولا تتوقف المشكلة عند العمولات. فقد شهدت سنوات الأزمة حالات من الاحتيال وإفلاس بعض الصرافين أو هروبهم، ما جعل إرسال الأموال عملية تحمل مخاطر إضافية على المرسل والمستفيد.
والأهم أن الأموال التي تصل عبر شبكات غير رسمية لا تمنح الجهاز المصرفي فرصة كاملة للاستفادة من السيولة المتولدة عنها. فقد تصل الأموال إلى الأسرة، لكنها لا تدخل بالضرورة إلى النظام المالي الذي يستطيع تحويل جزء منها إلى ودائع وائتمان وتمويل للمشروعات.
من الحوالة الأسرية إلى تمويل المشاريع
تزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بمبالغ كبيرة مخصصة لمشروع أو لدفع رواتب العاملين، وليس فقط بحوالة أسرية صغيرة.
فالمغترب الذي يريد تحويل عشرات الآلاف من الدولارات يحتاج إلى قناة مصرفية قادرة على استقبال الأموال، والتحقق من مصدرها والغرض منها، وتنفيذ التحويل بصورة آمنة وشفافة، بدلاً من الاعتماد على وسيط غير رسمي.
ويرى الحاري أن توفير حسابات بالدولار والليرة السورية، وربط المصارف بأنظمة التحويل العالمية، إلى جانب توسيع شبكة الصرافات الآلية وتوفير خدمات متخصصة بالدولار، يمكن أن يفتح الباب أمام استخدام أكبر لهذه الأموال داخل الاقتصاد المنتج.
فالهدف لا ينبغي أن يكون مجرد إيصال المال إلى صاحبه، وإنما إبقاء جزء منه داخل الدورة المصرفية بما يسمح بتمويل المشاريع والإنتاج وفرص العمل.
عودة التحويلات الرسمية تبدأ من المصرف
لكن انتقال سوريا من اقتصاد الحوالة غير الرسمية إلى منظومة مالية أكثر شفافية لن يحدث تلقائياً بمجرد تحسن العلاقات المالية الخارجية.
ويضع الحاري مجموعة من الشروط، في مقدمتها تسهيل فتح الحسابات المصرفية للمواطنين والمغتربين، لأن التحويل المصرفي يحتاج إلى مستفيد يمتلك حساباً قادراً على استقبال الأموال.
كما يشدد على ضرورة خفض تكلفة التحويل إلى مستويات تنافسية تتراوح بين 0.5 و1%، باعتبار أن ارتفاع الرسوم قد يدفع أصحاب الأموال مجدداً إلى القنوات غير الرسمية.
ويبرز أيضاً ملف نظام IBAN، إلى جانب ضبط سوق الصرف الموازي وتحويل نشاط الصرافين إلى شركات مرخصة وخاضعة لرقابة مصرف سورية المركزي، بالتوازي مع الحد من استمرار شبكات «الصناديق» غير الرسمية.
أما الحلقة الأكثر حساسية، فتتمثل في إعادة بناء علاقات المراسلة المصرفية مع البنوك الدولية، وهي خطوة ضرورية لتمكين المصارف السورية من تنفيذ واستقبال التحويلات الدولية بصورة أكثر كفاءة.
الثقة.. الاختبار الأصعب
قد يكون فتح القنوات المصرفية ممكناً من الناحية التقنية، لكن إعادة المغترب إلى المصرف تحتاج إلى شيء أصعب: الثقة.
فالمغترب لن يغير سلوكه لمجرد أن المصرف أصبح قادراً نظرياً على استقبال الحوالات. عليه أن يضمن سهولة فتح الحساب، ووضوح الرسوم، وسرعة تنفيذ التحويل، وإمكانية الوصول إلى أمواله، وعدم تعرض حسابه لقيود أو إجراءات غير واضحة.
ويشير الحاري إلى أن فجوة لا تزال قائمة، إذ يصعب حتى الآن على المغترب تحويل مبلغ من بنك خارجي مباشرة إلى حسابه في سوريا بسهولة ويسر.
وهنا تصبح حماية الأموال من الاحتيال جزءاً من المنافسة بين المصرف والوسيط، لا مسألة أمنية منفصلة. فكلما كانت القناة الرسمية أكثر وضوحاً وأماناً وأقل تكلفة، تراجعت جاذبية الوسطاء غير الرسميين.
هل تتحول أموال المغتربين إلى محرك للاستثمار؟
إذا نجحت سوريا في بناء هذه المنظومة، فإن أموال المغتربين يمكن أن تتجاوز دورها التقليدي في تمويل الاستهلاك الأسري.
ويقترح الحاري توجيه جزء من هذه المدخرات نحو الاستثمار من خلال إصدار صكوك سيادية، وتوجيه الودائع نحو إعادة تفعيل الإقراض المصرفي للمشروعات الصغيرة والمتوسطة والكبيرة، بالتوازي مع استكمال البنية التحتية المالية، بما يشمل البطاقات والصرافات الآلية ووسائل الدفع الدولية.
المعادلة هنا واضحة: الدولار الذي يدخل عبر قناة رسمية يمكن أن يبقى مجرد حوالة للاستهلاك، لكنه يستطيع أيضاً أن يتحول إلى وديعة، ثم إلى تمويل لمشروع، ثم إلى إنتاج وفرصة عمل.
المال موجود.. لكن هل يجد طريقاً آمناً؟
تمتلك سوريا مورداً مالياً مهماً يتمثل في مدخرات السوريين في الخارج. لكن السنوات الماضية أظهرت أن وجود الأموال لا يعني بالضرورة قدرة الاقتصاد على الاستفادة منها.
فالخسارة لم تكن فقط في العمولات التي دفعها السوريون، ولا في مخاطر الاحتيال، وإنما أيضاً في بقاء جزء من الأموال بعيداً عن الجهاز المصرفي وعن أدوات التمويل والاستثمار.
المرحلة المقبلة تضع المصارف السورية أمام اختبار حقيقي: هل تستطيع أن تجعل المغترب يختار المصرف بدلاً من الوسيط؟
فنجاحها في ذلك لن يحمي أموال السوريين من الاحتيال فحسب، بل قد يحدد ما إذا كانت تحويلات المغتربين ستبقى وسيلة لتغطية الاستهلاك اليومي، أم تتحول إلى واحدة من أهم قنوات إعادة تشغيل الاقتصاد وتمويل الإنتاج والاستثمار.


