العالم - اقتصاد
انكشاف غير مسبوق لمنظومة التجارة العالمية
ا
العين السورية
نشر في: ٣ مايو ٢٠٢٦، ١٣:٥٢عدل في: ٣ مايو ٢٠٢٦، ١٣:٥٢
3 دقيقة
0

في واحدة من أكثر نقاط الاختناق حساسية في حركة التجارة الدولية، أعادت أزمة مضيق هرمز طرح أسئلة أعمق حول مستقبل الأمن البحري، بعدما تحولت السفن التجارية والبحارة إلى أدوات ضغط في صلب الصراعات الجيوسياسية المتصاعدة.
الأمين العام للمنظمة البحرية الدولية أرسينيو دومينغيز حذر في مقابلة لأخبار الأمم المتحدة، من أن ما يجري يعكس تحولاً خطيراً في طبيعة النزاعات، حيث لم تعد الممرات البحرية مجرد مسارات للتجارة، بل ساحات تتداخل فيها الحسابات السياسية والعسكرية والاقتصادية بشكل مباشر.
الأزمة التي تفجرت على خلفية الحرب الأمريكية الإسرائيلية – الإيرانية في الـ 28 من شباط الماضي لم تبق محصورة في بعدها العسكري، بل امتدت مباشرة إلى قلب الاقتصاد العالمي، حيث تعطلت حركة الإمدادات، وعلق آلاف البحارة في منطقة توصف بأنها “عنق زجاجة الطاقة والتجارة”.
20 ألف بحار عالقون… وسفن بلا قدرة على الحركة
تشير بيانات المنظمة البحرية الدولية إلى أن نحو 20 ألف بحار على متن قرابة 2000 سفينة وجدوا أنفسهم في وضع بالغ التعقيد داخل الخليج، نتيجة المخاطر المرتبطة بالعبور الآمن عبر المضيق، الذي يعد أحد أهم الممرات الاستراتيجية في العالم.
وأوضح دومينغيز أن الأزمة الراهنة أظهرت بوضوح أن السفن وأطقمها يمكن أن تتحول إلى أوراق ضغط في النزاعات الجيوسياسية، وهو ما يسلط الضوء على هشاشة مبدأ حرية الملاحة الذي تقوم عليه التجارة العالمية الحديثة.
الأمن البحري… أكثر من مجرد حماية للسفن
في تعريفه للأمن البحري، يشير دومينغيز إلى أنه لا يقتصر على حماية السفن فقط، بل يشمل حماية الموانئ والبنية التحتية البحرية والبحارة، إضافة إلى مكافحة القرصنة والإرهاب والهجمات السيبرانية، والتصدي للأنشطة غير المشروعة، مثل تهريب الأسلحة والمخدرات، والاتجار بالبشر وسرقة النفط.
ويؤكد دومينغيز أن هذا المفهوم يرتبط مباشرة باستمرارية الاقتصاد العالمي، قائلاً: إن غياب الأمن البحري يعني تعطل سلاسل التوريد، وبالتالي تهديد مسارات التنمية والاستقرار العالمي.
ضعف الممرات البحرية الاستراتيجية
الأزمة في مضيق هرمز لم تكن معزولة، بل أعادت تسليط الضوء على هشاشة الممرات البحرية الاستراتيجية حول العالم، والتي تشمل قناة السويس، ومضيق باب المندب، ومضيقي ملقا وسنغافورة، إضافة إلى قناة بنما والممرات التركية، حيث إن أي اضطراب في هذه النقاط يمكن أن ينعكس بشكل فوري على أسعار الطاقة والغذاء وسلاسل الإمداد العالمية.
تهديدات تتجاوز القرصنة التقليدية
وفي موازاة ذلك، تتصاعد طبيعة التهديدات التي تواجه الأمن البحري، حيث لم تعد تقتصر على القرصنة التقليدية، بل تشمل هجمات سيبرانية تستهدف أنظمة الملاحة والموانئ، إضافة إلى استخدام الطائرات المسيّرة، وأعمال تخريب للبنى التحتية البحرية، ما يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة المخاطر.
كما يشير دومينغيز إلى أن الشحن الدولي أصبح في السنوات الأخيرة أكثر عرضة للتداخل مع الصراعات الجيوسياسية، رغم أن السفن التجارية المدنية لا تمتلك أي قدرات دفاعية، ما يخلق فجوة خطيرة بين طبيعة النزاع وأطرافه المدنية.
وفي إحدى أكثر النقاط حساسية في تصريحاته، شدد دومينغيز على أن ” البحارة المدنيين ليسوا مقاتلين، ولا ينبغي أن يكونوا أهدافاً في أي صراع”.
اختناق بحري
أزمة هرمز تكشف ما هو أبعد من حادثة ظرفية إذ إن نحو 80% من التجارة العالمية تمر عبر البحار، ما يعني أن أي إغلاق أو تهديد لممر واحد قد يعيد رسم أسعار الطاقة والغذاء عالمياً، وبالتالي فإن شركات الشحن باتت تعتمد بشكل متزايد على تقييم المخاطر الجيوسياسية قبل أي رحلة.
بين الدبلوماسية والردع… أين الحل؟
دومينغيز يضع إطاراً للحل بوضوح: تبادل المعلومات البحرية، خفض التصعيد الدبلوماسي، تعزيز التعاون الدولي، وتطوير الأطر القانونية لمحاسبة الهجمات البحرية، لكنه في المقابل يحذر من الاعتماد على المرافقة العسكرية للسفن، واصفاً إياها بأنها “ليست حلاً مستداماً”.
وإزاء ذلك، لا تبدو أزمة مضيق هرمز مجرد فصل جديد في التوترات الإقليمية، بل مؤشر على مرحلة تتداخل فيها الجغرافيا البحرية مع الصراع السياسي والاقتصادي، حيث تصبح السفن التجارية كما حذر أمين عام المنظمة البحرية الدولية في قلب معركة لا علاقة لها بها، لكنها تدفع ثمنها بالكامل.


