سوريا - اقتصاد
الأفران تُطفأ قسراً..انكفاء صناعة سورية عريقة تحت ضربات الإغراق
ا
العين السورية
نشر في: ١٥ أبريل ٢٠٢٦، ١٥:٢٢عدل في: ١٥ أبريل ٢٠٢٦، ١٥:٢٢
3 دقيقة
0

لم يكن تراجع صناعة السيراميك في سوريا حدثاً مفاجئاً، بل نتيجة مسار طويل من الاختلالات التي تراكمت حتى وصلت إلى لحظة حرجة، تجسدت بإغلاق جزئي أو كلي لعدد من أبرز المعامل، مثل “بلقيس” و“زنوبيا” و“إشبيليا”.
القطاع الذي كان يعد من أكبر القطاعات الصناعية في المنطقة، بطاقة إنتاجية وصلت إلى نحو 52.8 مليون متر مربع سنوياً، لا ينتج اليوم سوى حوالي 7.4 ملايين متر مربع فقط. هذه الأرقام، بحد ذاتها، تختصر حجم التراجع، وتكشف الفجوة الكبيرة بين الإمكانيات المتاحة والواقع الفعلي.
بيئة العمل
بحسب نائب رئيس لجنة السيراميك والأدوات الصحية، المدير العام لشركة بلقيس عبد الرحمن أورفه لي، في حديثه لـ " العين السورية" لا تكمن المشكلة الأساسية في ضعف البنية الصناعية، بل في البيئة الاقتصادية المحيطة بها. فالمصانع ما تزال قائمة، ورؤوس الأموال موجودة، والخبرات متراكمة، لكن القدرة على المنافسة تآكلت تدريجياً.
تكاليف عالية
ويوضح أورفه لي، أن كلف الإنتاج في سوريا أصبحت أعلى بكثير من كلف المنتج المستورد، وهو ما أخرج الصناعة المحلية من المنافسة.. ولا يرتبط ذلك بعامل واحد، بل بمجموعة من التكاليف المتراكمة، تشمل الطاقة، والضرائب، والرسوم، إضافة إلى الأعباء التشغيلية المختلفة.
في المقابل، تدخل المنتجات المستوردة إلى السوق برسوم جمركية منخفضة، ما يمنحها أفضلية سعرية مباشرة، بغض النظر عن الجودة.
هذه المعادلة غير المتكافئة انعكست سريعاً على واقع التشغيل. فالمعامل التي كانت تشغل ما بين 5 إلى 6 آلاف عامل بشكل مباشر، إضافة إلى آلاف العاملين بشكل غير مباشر في سلاسل التوريد، اضطرت إلى تقليص أعمالها أو التوقف. ويشير أورفه لي إلى أن توقف بعض المعامل لم يؤثر فقط على الإنتاج، بل امتد إلى قطاعات رديفة مثل التغليف، والنقل، والصيانة.
منافسة غير متكافئة
ومع صدور قرارات سمحت باستيراد السيراميك بجمارك منخفضة، تسارع هذا التراجع.. فقد توقفت أو خفضت إنتاجها عدة مصانع.
ويؤكد أورفه لي أن استمرار إغراق السوق بالمنتج المستورد سيؤدي، في حال لم تتم المعالجة، إلى توقف معظم المعامل.
ولا يقتصر التحدي على السعر فقط، بل يمتد إلى طبيعة المنافسة نفسها. إذ يشير صناعيون إلى أن جزءاً من المنتجات المستوردة لا يخضع دائماً لرقابة كافية من حيث الجودة والمواصفات، ما يسمح بدخول منتجات منخفضة الجودة إلى السوق بأسعار منافسة، في وقت يتحمل فيه المنتج المحلي كلفة الالتزام بالمعايير.
آثار سلبية
في هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي جورج خزام أن ما يحدث يتجاوز كونه أزمة قطاع، معتبراً أن تراجع الصناعة بهذا الشكل، بالتوازي مع تسهيل الاستيراد، ينعكس مباشرة على سوق العمل، ويزيد من الاعتماد على الخارج، ويرفع الطلب على القطع الأجنبي.
مطالب
ورغم ذلك، لا يطرح العاملون في القطاع حلولاً معقدة، بقدر ما يركزون على إعادة التوازن إلى السوق. وفي مقدمة هذه الإجراءات، يأتي تعديل التعرفة الجمركية بشكل مؤقت للحد من إغراق السوق، بما يتيح للمنتج المحلي فرصة المنافسة.
كما يطالب الصناعيون بتخفيض التكاليف التشغيلية المرتبطة بالإنتاج، وتبسيط الإجراءات الإدارية، وخلق بيئة تشريعية مستقرة تساعد على التخطيط والاستثمار. ويشددون على أن المشكلة ليست في غياب الدعم، بل في غياب العدالة في شروط المنافسة.
تحدي الاستمرار
اليوم، تبدو الصورة واضحة: قطاع يمتلك القدرة لكنه يفقد شروط الاستمرار. وبين استمرار السياسات الحالية أو تعديلها، يتحدد مصير صناعة لم تكن يوماً هامشية، بل شكلت أحد أعمدة الإنتاج الوطني، ومصدراً رئيسياً لفرص العمل.


