سوريا - صحة
الفنان باسل خياط أشهر المصابين حديثاً.. ماهي حمى البحر المتوسط..؟
ا
العين السورية - خاص
نشر في: ١٩ أغسطس ٢٠٢٦، ١٤:٥٤
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

عاد اسم الفنان السوري باسل خياط إلى الواجهة عند الحديث عن حمى البحر المتوسط، بعد تداول حديث له عن إصابته بالمرض ومعاناته من تأثيراته على حياته اليومية.
وفي مقطع متداول له، تحدث خياط عن المرض باعتباره مرضاً وراثياً لا يملك المريض أمامه سوى التعايش معه والسيطرة على أعراضه.

آلام صامتة
وتكمن أهمية هذه التجربة، بعيداً عن شهرة صاحبها، في أنها تذكرنا بأن الأمراض الوراثية الالتهابية لا ترتبط بالضرورة بمظهر المريض الخارجي أو بقدرته على ممارسة حياته وعمله. فقد يستطيع الإنسان أن يكون ناجحاً ونشيطاً أمام الناس، بينما يعيش في الوقت نفسه مع نوبات ألم والتهاب وإرهاق قد تكون شديدة ومعطلة.
ومن المهم طبياً ألا نربط أي عرض يظهر لدى شخصية عامة بالمرض بصورة تلقائية، أو نعتبر كل معلومة متداولة تشخيصاً موثقاً. لكن تجربة باسل خياط تساهم في زيادة الوعي بمرض لا يزال كثير من الناس يجهلون طبيعته.
ما هي حمى البحر المتوسط؟
قد يبدو اسم حمى البحر المتوسط للوهلة الأولى وكأنه يشير إلى مرض عابر مرتبط بالمناخ أو المنطقة الجغرافية، لكن الحقيقة الطبية مختلفة تماماً.
حمى البحر المتوسط العائلية (FMF) هي مرض وراثي التهابي ذاتي، يصيب بصفة خاصة شعوب منطقة البحر المتوسط والشرق الأوسط، ومن بينهم العرب والأرمن والأتراك وبعض المجموعات اليهودية، لكنه يمكن أن يظهر لدى أي إنسان في العالم.
وتكمن خاصية هذا المرض في أنه ليس مجرد نوبات متكررة من الحرارة والألم، بل اضطراب في تنظيم جهاز المناعة يمكن أن يؤدي، إذا لم يُشخّص ويعالج بالشكل الصحيح، إلى مضاعفات خطيرة، في مقدمتها الداء النشواني من نوع AA الذي قد يصيب الكليتين. وتشير أحدث المراجع الطبية إلى أن العلاج المبكر والمتابعة المنتظمة غيّرا بصورة جذرية الإنذار المستقبلي للمرض.
خلل جيني
يرتبط المرض بشكل أساسي بخلل في جين MEFV المسؤول عن إنتاج بروتين "البيرين"، وهو جزء مهم من منظومة تنظيم الالتهاب. يؤدي هذا الخلل الجيني إلى نشاط غير منضبط للالتهاب، فتظهر نوبات متكررة ومحدودة المدة، غالباً ما تبدأ في سن الطفولة أو سنوات الشباب.
عادةً ما تستمر النوبة بين يوم وثلاثة أيام، وقد تتكرر على فترات متفاوتة. ومن أكثر الأعراض شيوعاً: ارتفاع الحرارة، وآلام البطن الشديدة نتيجة التهاب غشاء البريتوان، إضافة إلى آلام أو التهاب المفاصل، وآلام الصدر الناتجة عن التهاب غشاء الجنب. وقد تظهر لدى بعض المرضى طفوح جلدية مميزة في الساقين، بينما تكون بعض الحالات أكثر تعقيداً أو أقل وضوحاً من الصورة التقليدية.
مفارقة
ومن المفارقات الطبية أن المريض قد يبدو سليماً تماماً بين النوبات، الأمر الذي يجعل تشخيص المرض يتأخر أحياناً لسنوات، خصوصاً عندما تُفسّر آلام البطن المتكررة على أنها التهاب زائدة أو مشكلة هضمية، أو عندما تنسب آلام المفاصل إلى أسباب أخرى.
المرض يرتبط بطفرات في جين MEFV، وغالباً ما يكون انتقاله وراثياً متنحياً، أي أن المريض يرث نسخة مرضية من كل من الوالدين. إلا أن الطب الحديث أصبح أكثر حذراً في تفسير الفحوص الجينية، فوجود طفرة واحدة لا ينفي المرض بالضرورة، كما أن بعض الطفرات تختلف في درجة تأثيرها وشدة المرض الناتج عنها.
وتوضح البيانات الحديثة أن الطفرات التي تؤثر في الموقع M694 ترتبط عادةً ببداية أبكر للمرض، ونوبات أكثر شدة، وارتفاع خطر الإصابة بالداء النشواني. كما أن اختلاف الطفرات والعوامل الوراثية والبيئية يفسر جزئياً لماذا قد يكون المرض شديداً لدى شخص وخفيفاً لدى آخر من العائلة ذاتها.
علاج
ويعتبر الكولشيسين الدواء الذي غيّر مسار حمى البحر المتوسط. والهدف من العلاج ليس فقط تخفيف الألم أثناء النوبة، وإنما السيطرة على الالتهاب ومنع حدوث المضاعفات طويلة الأمد، على رأسها الداء النشواني.
وتؤكد التوصيات الحديثة أن الكولشيسين يبقى حجر الأساس في علاج المرض، ويعطى بصورة منتظمة وطويلة الأمد، وليس فقط أثناء النوبات. ومعظم المرضى يستجيبون له بشكل واضح.
وهنا يجب التأكيد على أن اختفاء الأعراض لا يعني أن المريض يستطيع إيقاف العلاج من تلقاء نفسه، لأن الالتهاب الصامت بين النوبات قد يستمر لدى بعض المرضى، وقد يكون له دور في حدوث المضاعفات.
وقد تطورت علاجات حمى البحر المتوسط بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، خصوصاً مع فهم دور الإنترلوكين (IL-1) في سلسلة الالتهاب. وفي المرضى الذين لا يستجيبون بصورة كافية للكولشيسين أو لا يتحملونه، أصبحت مثبطات (IL-1) مثل أناكينرا وكاناكينوماب خيارات علاجية مهمة تحت إشراف اختصاصي الروماتيزم والمناعة.
وتشير مراجعة منشورة حديثاً إلى فعالية مضادات IL-1 لدى الأطفال والبالغين مع ملف أمان مقبول. كما أظهرت دراسة حديثة حول أناكينرا نتائج مشجعة لدى المرضى المقاومين للكولشيسين.
وهذا التطور مهم جداً، لأنه ساعد في تغيير مفهوم "حمى البحر المتوسط مرض لا علاج له" إلى "مرض وراثي مزمن لا نستطيع تغيير أساسه الجيني حالياً، لكننا نستطيع السيطرة على الالتهاب بدرجة كبيرة جداً ومنع أخطر مضاعفاته".
مضاعفات
ويعتبر الداء النشواني AA أخطر مضاعفات حمى البحر المتوسط، وليس النوبة المؤلمة بحد ذاتها. فالداء النشواني قد يؤدي إلى ترسب بروتينات غير طبيعية في الأعضاء، وتكون الكليتان الهدف الأهم، مما يؤدي إلى ظهور البروتين في البول، وتراجع وظائف الكلية، وحتى الفشل الكلوي.
ولهذا، فإن المتابعة لا يجب أن تقتصر على سؤال المريض: "هل تأتيك نوبات؟" بل ينبغي أن تشمل مؤشرات الالتهاب مثل CRP و ESR، ووظائف الكلية، وتحليل البول للبحث عن البروتين، وفي الحالات المناسبة قياس Serum Amyloid A.
رأي طبيب "العين السورية"
ويرى المحرر الطبي في " العين السورية" – طبيب العين، أن حمى البحر المتوسط من الأمراض التي تقدم لنا درساً مهماً جداً في الطب: المريض يجب ألا ينتظر حتى يصبح الألم غير محتمل ليحصل على العلاج.
وأعتقد أن أكبر مشكلة ما زالت تواجهنا هي التأخر في التشخيص، والاستهانة بنوبات الألم المتكررة، خصوصاً عندما تبدأ في سن الطفولة.
طفل يعاني بشكل متكرر من حرارة غير مفسرة وآلام شديدة في البطن أو المفاصل، ليس بالضرورة "حساساً" أو "كثير المرض"، وإنما قد يكون مصاباً بمرض وراثي يحتاج إلى تقييم متخصص.
وفي المقابل، لا ينبغي تحويل كل ألم في البطن أو ارتفاع حرارة إلى تشخيص لحمى البحر المتوسط، فالتشخيص يعتمد على الصورة السريرية، والفحوص المخبرية، والتقييم الوراثي عند الحاجة، واستبعاد الأمراض الأخرى.
طمأنة
رسالتي الأساسية للمرضى هي أن حمى البحر المتوسط ليست حكماً بالمعاناة مدى الحياة. نعم، هي حالة وراثية مزمنة، لكن الطب الحديث أصبح قادراً على السيطرة عليها بدرجة كبيرة وحماية المريض من أخطر مضاعفاتها.
وتجربة شخصيات عامة مثل باسل خياط، عندما تُعرض بصورة طبية مسؤولة، يمكن أن تكون فرصة لتحويل المرض من موضوع غامض أو مخيف إلى قضية توعية. فالهدف ليس أن نخاف من المرض، وإنما أن نعرفه، نشخصه مبكراً، نعالجه بانتظام، ونمنع مضاعفاته قبل أن تبدأ.
حمى البحر المتوسط قد تكون مكتوبة في الجينات، لكن مستقبل المريض ليس مكتوباً معها بالضرورة. فالتشخيص المبكر، والالتزام بالعلاج، والمتابعة الطبية يمكن أن تغيّر قصة المرض بالكامل.


