سوريا - رأي
"سلطة" بانتظار من يحميها.. ثمن الكلمة يُحدد بقانون
ش
شذا إبراهيم
نشر في: ٢٩ يوليو ٢٠٢٦، ١٢:٤٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

مع انعقاد الجلسة الأولى لأولِّ مجلس شعبٍ في سوريا الجديدة، تبدأ سلطةٌ تشريعيّةٌ عملها وهي تحمل أمانةً ثقيلة: مراجعة إرثٍ قانونيٍّ كاملٍ خلّفه نظامٌ بائد، وتقرير ما يُبقى منه وما يُلغى.
بين أعضاء هذا المجلس من عرفوا المعتقل ثمناً لكلمةٍ قالوها، فصاروا اليوم شركاء في كتابة النصّ الذي يُفترض أن يحميها. وفي مقدّمة ما ينتظر هذا المجلس ملفٌّ طالما استخدمه النظام السابق سلاحاً بدل أن يكون ضمانة: قانون الإعلام.
لم يُولد الإعلام ترفاً، وُلد لأن المجتمعات احتاجت إلى من ينقل الخبرَ ويحفظُ الذاكرة ويضع ما يجري أمام الناسِ ليَرَوه بأنفسهم، فكان في جوهره عقدَ ثقةٍ صامتاً: أن يعرف الناس ما يخصّهم، وأن تبقى السلطة تحت نظر المجتمع. لهذا سُمّي "السلطة الرابعة"، لا لأنه يحكم، بل لأنه يراقب من يحكم. لكن ما يجعله ضروريّاً هو نفسه ما يجعله مُستهدَفًا، فحين تدرك السلطة أنَّ من يملك الرواية يملك الطريق إلى وعي الناس، تسعى إلى ترويضه، فإن عصي عليها انتقلت إلى قمعه. وهذا ما فعله النظام البائد حرفيّاً: حوّل الكلمة إلى تهمة، وساق أصحاب الرأي إلى المعتقلات، حتى صار الصمت شرط النجاة، وصار القانون نفسه أداةً تضمن للسلطة أن تُسكت الكلمة، لا أن تحمي قائلها.
حين يسقط المستبدّ ويبقى قانونه
في كلِّ تجربةٍ خرجت فيها أمّةٌ من حُكمٍ قمعيّ، تكرّر المشهد نفسه: يسقط رأس السلطة، وتبقى نصوصه. فالقوانين التي صيغت لتخدم قبضته لا تزول بزواله، تظلّ نافذةً تنتظر من يقرّر مصيرها.
والدول التي أدركت هذا مبكراً لم تكتفِ بتغيير الوجوه في مؤسسات الإعلام، بل فتحت النصّ ذاته وسألت: هل وُضع هذا القانون ليحمي الصحافة، أم ليحمي السلطة من الصحافة؟ والإجابة عن هذا السؤال هي ما حدّد، في كل مرة، أيّ إعلامٍ يولد بعد الاستبداد. وتاريخ التحوّلات الكبرى يعرض أمامنا نموذجين متقابلين، يستحقّ كلٌّ منهما وقفة.
القانون الجيد بحاجة إرادة تحميه
حين نتأمّل التجارب التي أفلح فيها الإعلام بعد التحرّر من القمع، نجد أنها لم تتشارك نصّاً واحداً، لكنها تشاركت منطقاً واحداً. أخرجت سلطة تنظيم الإعلام من يد الحكومة وسلّمتها لهيئةٍ مستقلّة لا يملكها الحاكم، فصار للقاعدة حارسٌ محايد. ورُفعت عن الكلمة عقوبة السجن، فلم يعد النشر مغامرةً قد تنتهي بزنزانة. وفتحت باب إصدار الصحف على مصراعيه، فصار حقًاً لا مِنّةً تُمنح. لكنّ هذه النصوص، على أهميتها، لم تكن هي السرّ وحدها. السرّ الأعمق أن دُولها أرادت فعلاً إعلاماً حُرّاً، فلم تكتفِ بكتابة القانون، بل حرست استقلاله وامتنعت عن الالتفاف عليه حين أزعجها. الإرادة الصادقة كانت الفرق؛ فالقانون الجيد بلا إرادةٍ تحميه يبقى حبراً جميلاً على ورق.
عندما تغيب الإرادة الحقيقية
أما التجارب التي تعثّرت، فقد وقعت غالباً في الفخّ نفسه: غيّرت الأسماء وأبقت اليد. أصدرت قوانين جديدة، وأنشأت هيئاتٍ تحمل شكل التنظيم، لكنها تركت القرار الفعليّ، الترخيص والرقابة والعقوبة، بيد أجهزةٍ تتبع السلطة التنفيذيّة. فبدت المؤسسة مستقلّةً في اسمها، مُكبّلةً في حقيقتها. وبعضها صاغ نصوصه بعباراتٍ فضفاضة تتّسع لكلِّ تأويل، فتحوّلت القاعدة من حمايةٍ للصحفيّ إلى سيفٍ مُسلَّطٍ عليه وقت الحاجة. المشترك بين هذه التجارب أنّ الإصلاح فيها لامس الواجهة وترك الأساس، ولأن الإرادة الحقيقية كانت غائبة، عاد الإعلام إلى بيت الطاعة من بابٍ يحمل لافتةً جديدة. لم ينقصهم نصٌّ جيد، بل نقصهم أن يريدوا للنصّ أن ينجح.
أمام المرآة
كل ما مضى كان حديثاً عن غيرنا؛ الآن يأتي دورنا نحن. أمامنا اليوم فيضٌ من التجارب، ناجحُها ومتعثّرها، معروضٌ كأنّه مرآةٌ تنتظر أن ننظر فيها. والنظر في مرآة الآخرين لا يعني ارتداء ثيابهم، فما نجح في دولةٍ أو تعثّر في سواها لم يكن وصفةً تُنقل بمقاديرها، بل درساً يُقرأ ويُعاد تأليفه على مقاس بلدٍ له جرحه الخاصّ وذاكرته الخاصة. النظام الذي سقط ترك خلفه قوانين تحكمنا بيدٍ ميتة، أصابعُها ما تزال مطبقةً على حاضرنا رغم غياب صاحبها. ومهمّتنا الأولى أن نفكّ هذه القبضة، لا لننتقم من نصوصٍ جامدة، بل لأننا أحقُّ بأن نكتب قوانيننا بأنفُسِنا. سوريا لا تحتاج أن تكون نسخةً من أحد، تحتاج أن تكتب وصفتها بنفسها، وصفةً تصير يوماً ما درساً يستفيد منه غيرنا كما نقرأ اليوم دروس من سبقنا.
حين نفكّ القبضة الميتة عن قانون الإعلام السوري، نجد أنفسنا أمام نصٍّ مخادع. قانون الإعلام رقم ١٠٨ لعام ٢٠١١ لم يُولد شرّيراً بالكامل، في ثناياه موادُّ تحمي مصدر الصحفي وتكفل حقّ الردّ، عباراتٌ تبدو كأنها كُتبت في بلدٍ يحترم صحافته. لكنّ الشيطان سكن التفاصيل. فالقانون نفسه جعل الكلمة الأخيرة للسلطة التنفيذية لا للمهنة. وحين لا يجد القاضي في القانون نصّاً يُجرّم فعلاً بعينه، يُحيله إلى قانون العقوبات العام، فيتحوّل الصحفي من صاحب مهنةٍ محميّة إلى متّهمٍ كأيّ متّهم. هكذا صِيغ القانون: يمنحك بيدٍ حقّاً، ويسحبه باليد الأخرى عبر بابٍ خلفي.
حين يكون القانون فخّاً
ثم جاء ما هو أثقل. فقانون الجرائم المعلوماتية رقم ٢٠ لعام ٢٠٢٢، الذي سنّه النظام البائد في سنواته الأخيرة، وسّع دائرة التجريم إلى الفضاء الرقمي بعباراتٍ مطّاطة تتّسع لكل تأويل: "النيل من هيبة الدولة"، "المساس بالوحدة الوطنية"، ألفاظٌ لا حدَّ لها إلا مزاج من يطبّقها. ولم يكن هذا الغموض عيباً في الصياغة، بل كان الصياغة نفسها؛ فالنصّ المبهم سلاحٌ أمضى من النصّ الواضح، لأنه يجعل كل كاتبٍ رقيباً على نفسه، يخشى ما لا يعرف حدوده. بهذا القانون، ومعه ملحقاته الأمنية، تحوّلت الكلمة إلى تهمةٍ محتملة، والمواطن إلى مشتبهٍ به قبل أن ينطق. لقد ورثنا منظومةً لم تُصمَّم لتنظيم الإعلام، بل لترويضه؛ قوانين ترتدي لبوس التنظيم، وتخفي تحته أدوات الضبط.
بين مَن يحمي ومَن يمسك
هنا مربط الفرس كلّه. فحين نقول إننا نريد قانوناً يضبط الإعلام لا يقيّده، فنحن لا نلعب بالألفاظ، الفرق بين الضبط والتقييد فرقٌ في الجوهر لا في الدرجة. القانون المقيِّد يشترط إذناً مسبقاً قبل أن تنطق، ويمنح جهةً إداريةً حقّ المنع، ويصوغ عباراته فضفاضةً ليتّسع تأويلها ساعة الحاجة، غايته في العمق أن يحمي السلطة من الصحافة. أما القانون الضابط فيضع قواعد واضحة تُحاسب على الفعل بعد وقوعه، لا على النية قبل ولادتها: يحمي المصدر، ويكفل حقّ الردّ، ويعرّف التحريض والتشهير تعريفاً دقيقاً جامعاً مانعاً لا يحتمل المطّ، ويُسند الإشراف إلى هيئةٍ مستقلّة. القاعدة الأولى تسأل الصحفي: مَن أذن لك؟ والثانية تسأله: ما الذي فعلت؟ وبين السؤالين تكمن المسافة كلّها بين إعلامٍ يخدم الناس وإعلامٍ يخدم من يحكمهم.
الفئة التي لا يراها القانون
ثمة فراغٌ يتّسع كل يوم، والقانون لا يراه. فصانع المحتوى الذي يخاطب اليوم مئات الآلاف من هاتفه لا يجد نفسه في أيّ تعريفٍ قانوني قائم: قانون الإعلام لم يُكتب أصلاً ليعرف هذه الفئة، فلا يمنحها حماية الصحفي، وقانون الجرائم المعلوماتية يشملها كأيّ مواطن، فيطاردها بأقسى ما فيه. هكذا يقف صانع المحتوى في منطقةٍ رمادية: محرومٌ من الحصانة، مكشوفٌ للعقوبة، معلّقٌ بين نصّين أحدهما لا يعترف به والآخر لا يرحمه. وأيّ قانونٍ سوريٍّ جديد يتجاهل هذه الفئة سيولد ناقصاً، فمن يصنع الرأي العام اليوم لم يعد حبيس غرف التحرير، وترك هؤلاء بلا تعريفٍ يحميهم وينظّم مسؤوليتهم في آنٍ واحد هو ترك ثغرةٍ تُستغلّ في كل اتجاه.
أن تعرف .. وجه آخر للحرية
يبقى ضلعٌ أخير كثيراً ما يُنسى حين نتحدّث عن حرية الإعلام: حقّ الصحفي في أن يصل إلى المعلومة أصلاً. فما قيمة قانونٍ يسمح لك أن تكتب، إن لم يمنحك حقّ أن تطلب وثيقةً رسمية وتحصل عليها ضمن مهلةٍ محددة؟ حرية النشر بلا حقّ الوصول إلى المعلومة نصفُ حرية، تطلق لسانك وتغلق أمامك خزائن الحقيقة. والدول التي أخذت صحافتها على محمل الجدّ أفردت لهذا الحقّ قانوناً مستقلاً، يُلزم مؤسسات الدولة بأن تُفصح، ويجعل الشفافية قاعدةً والكتمان استثناءً يُبرَّر. وسوريا الجديدة، وهي تعيد تأسيس علاقتها بمواطنها على الثقة لا على الريبة، أمامها فرصةٌ نادرة لأن تجعل حقّ المعرفة حجر أساسٍ في بنائها، لا ترفاً يؤجَّل إلى ما بعد.
قانونٌ يليق بمن دفعوا ثمن غيابه
يعود بنا المشهد إلى حيث بدأنا: قاعةٌ يجتمع فيها أوّل مجلس شعبٍ بعد التحرير، بين أعضائه من كتب رأيه ذات يومٍ فكان جوابه زنزانة. هؤلاء يعرفون، أكثر من أيّ خبيرٍ في الصياغة، ثمن أن تُترك الكلمة بلا قانونٍ يحميها. وفي تقديري، لا يمكن لأي إصلاح إعلامي أن يكتمل ما لم يُبنَ على استقلال الجهة الناظمة للإعلام وحق الوصول إلى المعلومة. هذا وحده كفيلٌ بأن يحوّل الإعلام من ملفٍّ إشكاليّ إلى شريكٍ دائم في مرحلة البناء الثقيلة بما ورثته من أعباء.
ذلك أن القوانين التي ورثناها كتبها من ملكوا رقابنا، أما القانون القادم، فمن حقّ الأحياء أن يكتبوه بأيديهم. وحين يفعلون، لن يصنعوا قانوناً لأنفسهم وحدهم، بل درساً يقرؤه من يأتي بعدهم: أنّ الكلمة، حين تُصان بنصٍّ عادل، تصير أول حجرٍ في بناء وطن.


