سوريا - ثقافة
بروفة يوم الحساب.. العدالة الانتقالية وصوت الناجيات
س
سمر شمه
نشر في: ٢٩ يونيو ٢٠٢٦، ١١:٥٩
3 دقيقة

"في مسرحيتنا هذه اعتذار متأخر. ولكن هذا ما نملكه الآن لإنصاف من لم يسمعهن أحد" هذا ما جاء في "بروشور" مسرحية "بروفة يوم الحساب" التي تُعرض على خشبة مسرح الحمراء بدمشق حالياً لتبدأ عروضها في حلب مطلع تموز القادم. تأليف: فارس الذهبي، إخراج: ماهر صليبي، بطولة: يارا صبري- روبين عيسى وجابر جوخدار.
مواجهة بين الضحية والجلاد
العمل يطرح ملف العدالة الانتقالية ومحاسبة المجرمين، أكثر الملفات حساسية في سوريا، ويرصد ما تركته تجربة الاعتقال في سجون النظام البائد من ندوب نفسية وصحية وإنسانية على سيدتين ناجيتين لم تنتهِ أوجاعهما بخروجهما من السجن، بل تفاقمت وازدادت ألماً وخوفاً وخذلاناً بعد رفض المجتمع لهما وعدم تقبله لما تعرضتا له من انتهاكات جسيمة على يد الجلادين في الأقبية المظلمة.
مسرحية عن العدالة، والتصالح مع القهر، والتفاهم مع الماضي، وعن الحقيقة حين تفقد أوراقها ووثائقها وتبقى معلقة في الذاكرة والكوابيس. هي مواجهة حادة وجريئة ومرتبكة بين ثلاثة أشخاص، الضحيتان والجلاد، لكنها في الحقيقة مواجهة مع مجتمع كامل، ينظر للناجيات بالريبة والشك وعدم تقبُل ما تعرضن له في سجون الأنظمة القمعية وزنازينها الموحشة.
أحداث العمل
تدور أحداث هذه المسرحية في مشغل خياطة قديم، اختارته "سما وثريا" بطلتا العرض ليكون ملاذاً هادئاً لهما بعد الخروج من المعتقل ورفض الأهل والزوج والمجتمع لهما، الأمر الذي أدى إلى حالة من عدم الاستقرار النفسي والأزمات المتواصلة التي تتفاقم وتتصاعد كثيراً مع دخول رجل غريب إلى المكان هو نفسه "فؤاد الكلب" الذي كان يقوم بتعذيبهما وانتهاك أجسادهما على مدى ثلاث سنوات متواصلة، وهنا تبدأ المواجهة بين المعتقلتين والجلاد، تتداخل فيها الشكوك مع الذكريات الدفينة في أعماق النفس، والجراح التي لا تندمل إلا بمحاسبة المجرم، وتبدأ محاكمة غير معلنة للماضي، يختلط فيها الانتقام بالرغبة في تحقيق العدالة، والشك باليقين في حقيقة هذا الرجل الذي أنكر في البداية أنه السجان، والذي عرفته كل من سما وثريا من صوته وضحكته ورائحته العفنة التي ما زالت تؤرق أرواحهن المتعبة.
تعيش الشخصيتان الرئيسيتان في هذه الجواء المضطربة القلقة تناقضات كبيرة بين الجرأة والرغبة في الانتقام، ورفض القتل والقبول بمحاسبة القانون لهؤلاء الجلادين. وفي النهاية يعلن الجلاد أنه هو الذي أشرف على تعذيبهما واعتدى عليهما، ورغم ذلك لا يستطيعان قتله ولا يقبلان بذلك، بينما تتردد في أرجاء المسرح أصوات ناجيات حقيقيات عرفناهن جميعاً وسمعناهن وهنّ يصرخن: "بدنا حقنا. من سيأخذ حق الأمهات وحقوقنا جميعاً.
المقولات والدلالات
يقوم العمل على ثنائية الشك واليقين، طارحاً سؤالاً فيما إذا كانت الضحية قادرة على الاعتماد على ذاكرتها المثقلة بالصدمات، ويبحث في تصالح الانسان مع ألمه، وفي مصير الحقيقة حين تفقد شهودها وتتحول إلى كوابيس، تاركة الجمهور أمام سؤال معلّق: كيف نحاسب الماضي عندما تتشابه الوجوه وتغيب الأدلة.
واستطاع العمل أن يحول الحالة النفسية المركبة للشخصيات إلى دراما قريبة من الجمهور، وتمكّن أيضاً من أن يضع يده على بعض الجراح النازفة التي يعاني منها الكثير من السوريين والتي تتعلق بالعدالة الانتقالية وأهمية الإسراع في تطبيقها، ومآسي المعتقلين والمعتقلات وعذاباتهم التي لا تنتهي بخروجهم إلى العالم الخارجي.
دلالات المكان وأبطال العمل
الأدوات البسيطة داخل هذا القبو تكتسب معانٍ عميقة، فالمقص الذي حملته السيدتان عدة مرات هو أداة للتهديد، والفساتين المعلّقة على أجساد صامتة هي دلالة على الخذلان والخوف، بينما الإبرة المستخدمة من قبل السيدتين هي محاولة يائسة لخياطة ذاكرة مثقلة بالألم والتمزق.
كان العرض المسرحي محفزاً فعلاً على الاهتمام والمطالبة الدائمة بتطبيق العدالة والقانون ورفض الانتقامات الفردية والبحث عن الحقيقة المؤكدة، والابتعاد عن الظلم والإدانة دون وثائق وأدلة دامغة، إضافة إلى الدعوة لدعم النساء الناجيات واحترام تضحياتهن.
تفاعل الوجدان والروح
كان الحضور لافتاً وكبيراً، تفاعل مع المسرحية بكافة تفاصيلها وأحداثها و كأنها خاطبت روحه وذكرياته وآلام الكثيرين منه، وقد تحدث عن ذلك المخرج ماهر صليبي قائلاً: "عندما قدمنا هذه الحالة النفسية المركبة شعرنا بعد العرض أن كثيرين وجدوا أنفسهم قريبين من شخصيات العمل. وهذا يعني أن التجربة الإنسانية وصلت للناس. إن الوصول إلى محاكمات سريعة وحقيقية وشفافة من شأنه أن يخفف من آلام الضحايا. ويمنح المجتمع السوري شعوراً بأن العدالة بدأت تأخذ مجراها".
أما مؤلف المسرحية فارس الذهبي فقد قال: "يسعى العمل لبناء مواجهة قانونية وتفجير لحظة إنسانية عارية بين ثلاث شخصيات عالقة في منطقة رمادية بين العدالة والانتقام. الحقيقة والوهم. النجاة والذنب".
بينما تحدثت الفنانة يارا صبري عن هذه التجربة قائلة: "سما واحدة من الناجيات تحكي معاناتها هي وصديقتها. العرض يحكي عن مسار العدالة الانتقالية وكيف تتم المحاسبة. لاسيما وأن الناجيات لا زلن يلتقين بالجلادين في الشارع وهذا موضوع حساس ومفجع جداً".
وقالت الفنانة روبين عيسى: "العمل فيه جهد نفسي عالي. يحمل أحياناً بعض الطرافة بين امرأتين حياتهما تشبه القبو. إن مسؤولية دعم الناجيات لا تقتصر على الفن بل تتطلب متابعة جادة من الجهات المختصة. تشمل توفير فرص عمل وتأمين الدعم النفسي وإنشاء جمعيات ومساحات آمنة تعمل على مساعدتهن في رحلة التعافي والاندماج بالمجتمع".
وقال الفنان جابر جوخدار عن مشاركته: "أجسد شخصية فؤاد الملقب بالكلب وهو أحد المحققين المجرمين بلا رحمة. الشيء الظريف أننا نقدم الفكرة ببلدنا. الهم حقيقي والجرح لم يلتئم بعد على أمل أن تشفى جروح السوريين".
"بروفة يوم الحساب" عنوان لحالة يعيشها السوريون الذين ما زالوا يبحثون عن مصير أولادهم وأهلهم وينتظرون لحظة المسائلة بعد أكثر من عقد من الانتهاكات الجسيمة. وهي لم تقدم أجوبة لأسئلة هامة، ولكنها قد تفتح نقاشاً مجتمعياً حول هذه القضايا مع غيرها من الأعمال الفنية والثقافية.


