سوريا - محليات
من بساتين عامرة إلى مناطق جرداء.. من يُعيد الحياة إلى أراضي الغوطة والشمال السوري؟
ا
العين السورية - محمد كساح
نشر في: ٥ يوليو ٢٠٢٦، ١٣:٣٨
3 دقيقة

على مدار السنوات السابقة تسببت أعمال القطع الجائر والحرق لأهداف انتقامية من قبل جنود النظام البائد، بتدمير الجزء الأكبر من الغطاء النباتي في كل من داريا والمعضمية وعدد من بلدات الغوطة الشرقي بريف دمشق. بالتوازي مع قطع قرابة مليونين و500 ألف شجرة زيتون وتين وفستق حلبي في أرياف إدلب وحماة وحلب.
وأكد مزارعون من هذه المناطق خلال حديث لـ"العين السورية" أنهم فقدوا المورد الرئيسي للدخل بعد تدمير حقولهم في السنوات التي شهدت نزوحاً جماعياً منها، بدءاً من إخلاء مدينة داريا منتصف عام 2016 وحتى عمليات الإخلاء الجماعية التي تمت في القرى والمدن الواقعة بريفي حلب وحماة وحلب.
داريا والمعضمية.. حقول جرداء
عندما عاد "أبو بسام" إلى أرضه بمدينة داريا، التي كانت مزروعة بأشجار الجوز والتين وعرائش العنب، كان الحقل عبارة عن أرض جرداء، فقد اقتلعت جميع الأشجار في أثناء عمليات التعفيش الممنهج الذي تعرضت له المدينة ومنازلها ومحالها التجارية، ولم يستثن هذا التعفيش غطاءها النباتي الذي كانت تتمتع به أراضيها الشرقية والغربية، بحيث غدت معظم هذه الأراضي اليوم، أراضٍ قاحلة، بحسب حديث أبو بسام لـ"العين السورية".
في الجارة المتاخمة لداريا، تعاني معضمية الشام من انحسار كبير لغطائها النباتي الذي كان قائماً على أشجار الزيتون المعمِّر، ويوضح "أبو أحمد" أحد سكان المدينة خلال حديث لـ"العين السورية" أن نسبة كبيرة من أشجار الزيتون تم قطعها على يد الأهالي بسبب الحصار الذي فرضه النظام عليهم بين عامي 2012 و2016، علماً أن جزءاً من الأشجار ومن بينها شجر الخوخ والدراق والتوت والجوز الذي كانت تحويه مزرعته، تم قطعها في عمليات التعفيش التي طالت أجزاء من المدينة.
الغوطة الشرقية.. ليست خضراء
لم تسلم حقول الغوطة الشرقية من أعمال القطع الجائر والحرق، خاصة المناطق التي كان النظام السابق يتمدد إليها قبل تهجير فصائل الغوطة باتجاه الشمال السوري، ومع ذلك عاود عشرات المزارعين ترميم ما تسببت به الآلة الحربية للنظام عبر إعادة غرس حقولهم بمختلف أصناف الفاكهة التي كانت الغوطة تشتهر بها.
وبلغت الأضرار التي لحقت بالغطاء النباتي في الغوطة الشرقية قرابة 95% وفقاً لما نقلته وكالة سانا الحكومية عن معاون مدير منطقة الغوطة الشرقية محمد طه.
حملة ريفنا أخضر
ونهاية العام 2025 أطلقت محافظة ريف دمشق حملة "ريفنا أخضر" بالتعاون مع وزارة الزراعة بهدف إعادة الغطاء النباتي وإحياء الريف الدمشقي، والمناطق الريفية المتضررة، بعد سنوات من الأضرار الذي لحقت بالأراضي الزراعية والمساحات الحراجية، نتيجة سياسات النظام البائد والجرائم التي ارتكبها خلال سنوات الثورة، إضافة إلى الجفاف والتدهور البيئي والتعديات التي طالتها.
وشملت الحملة التي استمرت 45 يوماً زراعة 500 ألف غرسة حراجية ومثمرة، وبدأت هذه الحملة بزراعة الغراس الحراجية في مداخل ريف دمشق وساحاتها الرئيسة وطرقها العامة، انطلاقاً من الغوطة الشرقية، تليها المدن والبلدات، لتصل أخيراً إلى داخل الأحياء والقرى، عبر زراعة غراس مثمرة، وتوزيعها على الأهالي.
تقديرات غير رسمية
ولا يمكن تقدير قيمة الخسائر التي طاولت قطاع الزراعة في الغوطة الشرقية لعدم وجود أرقام رسمية، إلا أن مزارعين من المنطقة يشيرون خلال حديث لـ"العين السورية" إلى أن كل شجرة مشمش أو جوز تم قطعها تعني خسارة لا تقل عن 100 دولار، وبناء عليه، تحتاج إعادة تشجير المنطقة بنفس الأصناف والنوعيات من الأشجار إلى مبلغ مماثل، وهو عبارة عن أثمان الغرسة والسماد والرعاية التي قد تطول سنوات عديدة.
تدمير 10% من أشجار الفستق الحلبي
تعتبر أشجار الفستق الحلبي من أكبر أصناف الشجر المثمر المتضرر بسبب حرقها أو قطعها على يد جنود النظام المخلوع، وقد تسببت عمليات الحرق والقطع هذه بخسائر فادحة للفلاحين الذين كانوا محرومين من الوصول إلى أراضيهم بسبب عمليات التهجير الموسعة التي تسببت بها حملات النظام على مناطق متفرقة في الشمال السوري مثل قرى حلب وإدلب وحماة.
وفقاً للأرقام التي قدمتها وزارة الزراعة السورية لـ"العين السورية" عبر المهندس عادل هواش، بلغت أعداد الأشجار المقطوعة والمحروقة بفعل آلة النظام السابق 900 و92 ألف شجرة من عدد الأشجار الكلية، وبمساحة إجمالية 62 ألف دونماً أي مايعادل 10% من المساحة الكلية المزروعة.
وتفيد الوزارة بأن مجموع المساحة المزروعة من أشجار الفستق الحلبي في سوريا كانت قبل حدوث هذه الأضرار 60 ألف و500 هكتاراً، وقرابة 9 مليون و700 ألف شجرة فستق حلبي.
زيتون إدلب.. الكارثة أعظم
إثر عودتهم إلى بلداتهم، كانت صدمة مئات فلاحي ريف إدلب الجنوبي كبيرة جداً، فقد أقدم جنود النظام المخلوع على قطع عشرات آلاف أشجار الزيتون التي تعد الزراعة الرئيسية في المنطقة، والمورد الأساسي لآلاف المزارعين من سكانها.
يوضح "أبو عبدو" أحد المزارعين العائدين إلى بلدة كفرنبل خلال حديث لـ"العين السورية" أن جميع أشجار الزيتون التي يضمها حقله والتي لا تقل عن 500 شجرة تم قطعها، مؤكداً أن هذا المشهد كان مفاجأة كبيرة بالنسبة إليه، لأنه يعني الوقوع في فخ الجوع نظراً لأن حقل الزيتون يمثل مصدر الدخل الوحيد.
أما "أبو حسن" وهو مزارع آخر من معرشورين فأكد خلال حديث لـ"العين السورية" أن الزيتون الخاص به تم اقتلاعه على يد النظام السابق من الجذور، معتبراً أن هذا الأمر يعد جريمة لأنه لو تم قطع الأغصان والجذع فقط فإن الشجرة ستعاود النمو مجدداً، أما في حالة قلع الجذور فلم يعد هناك أي أمل، إلا عبر زرع غرسات جديدة وانتظارها لسنوات حتى تنمو وتنتج الزيتون.
إحصاءات رسمية
وبالأرقام، تؤكد وزارة الزراعة لـ"العين السورية" أنه تم قطع قرابة مليون و500 ألف شجرة زيتون من قبل النظام البائد، أي ما نسبته 50% من أشجار المنطقة الممتدة من سراقب شمالًا وحتى خان شيخون جنوباً، ومن كفرعويد غرباً وحتى سنجار شرقاً، مروراً بعقدة معرّة النعمان.
وأشارت الوزارة إلى أنها عملت بالتعاون مع منظمة "أكساد" على توزيع 200 ألف غرسة زيتون على المزارعين، كما عملت على تأهيل المشاتل الزراعية في المنطقة لرفع الطاقة الإنتاجية.
تكافل أكثر
الواقع أن ترميم الأراضي الزراعية و" أرزاق البلاد والعباد" يحتاج إلى جهود استثنائية ودعم حقيقي، وهنا يأتي دور المنظمات الدولية والمجتمع المدني. فالأمر يحتاج إلى جهود مكثفة وتكافل حقيقي من أجل إعادة أرزاق الناس إلى ما كانت عليه.


