سوريا - اقتصاد
بعد لقاء الشرع - ترمب..خارطة طريق جديدة للاقتصاد السوري واستثماراته المنتظرة
ر
رهام علي
نشر في: ١٠ يوليو ٢٠٢٦، ٠٩:٣٣
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

دوت في الأوساط السياسية والاقتصادية العالمية أصداء اللقاء التاريخي الذي جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بنظيره السوري أحمد الشرع على هامش قمة حلف شمال الأطلسي (الناتو) في العاصمة التركية أنقرة. وفي خطوة حاسمة لإنهاء عقود من العزلة الممتدة منذ عام 1979، أعلن ترمب صراحةً عزمه شطب سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب، مشيداً بالخطوات التي اتخذتها حكومة الشرع، ومعقباً: "لقد قام بعمل رائع.. نعم سأفعل ذلك". وتزامن هذا الإعلان مع إخطار رسمي وجّهه وزير الخارجية ماركو روبيو إلى الكونغرس لبدء مهلة الـ 45 يوماً القانونية لتنفيذ القرار، مما يفتح الباب على مصراعيه أمام مرحلة جديدة من تدفق الاستثمارات وإعادة الإعمار الشاملة.
كسر العقبة الأكبر أمام إعادة الإعمار
طوال الخمسة عقود الماضية، مثّل إدراج سورية في قائمة الإرهاب "حجر الأساس" القانوني والهيكلي الذي استندت إليه شبكة العقوبات الدولية المعقدة. وبموجب الإشارات الإيجابية الصادرة من قمة أنقرة، فإن التوجه الأميركي نحو إلغاء هذا التصنيف سيعمل على كسر "الفيتو" التلقائي الذي كان يحظر على المصارف الدولية والشركات متعددة الجنسيات التقدم بخطوات جدية للاستثمار في البلاد. القرار لا يمنح دمشق فرصة تاريخية لإعادة البناء فحسب، بل يبعث برسالة طمأنة للشركات الإقليمية والأجنبية – بما فيها الشركات الأميركية التي أشار ترامب إلى جاهزيتها للاستثمار – لبدء ضخ الرساميل في قطاعات حيوية متهالكة.
من الحظر الخوارزمي إلى الاستثمار المفتوح
وفي قراءة تحليلية لعمق هذا التحول، يؤكد الخبير الاقتصادي فادي حمد لـِ "العين السورية"، أن قرار شطب سورية من قائمة الدول الراعية للإرهاب يمثل تغييراً جذرياً وبنيوياً للواقع التدفقي الاقتصادي؛ إذ سيتيح القرار إزالة العواقب والقيود الشديدة التي كانت تترتب بشكل "خوارزمي" على نظام الامتثال لأي دولة أو مؤسسة تحاول تمويل مشاريع داخل سورية خشية تصنيفها تحت بند تمويل الإرهاب.
ويوضح حمد أن التدفقات المالية والمساعدات السابقة كانت تقتصر بدقة على مشاريع صحية، أو علمية، أو تنموية بسيطة ومحدودة، وتتم تحت إشراف دولي مباشر لضمان عدم تدفق الأموال إلى جهات غير مراقبة وبعيداً عن القنوات الحكومية الرسمية، بينما يصبح المجال اليوم مفتوحاً بالكامل لكافة أشكال التدفقات المالية، والإعلانات، والتمويل، بعد أن كانت تلك العقوبة والخوارزمية المصرفية سبباً رئيساً في منع العديد من الدول من المساهمة في مساعدة الشعب السوري أو فتح قنوات استثمارية حقيقية معه.
وعلى صعيد حركة التجارة الخارجية، يشير حمد إلى أن هذا التطور سيساهم بشكل كبير في استقطاب رؤوس الأموال وتنشيط حركة التصدير العالي والاستيراد للموردين والمصدرين على حد سواء، بعد زوال القيود الموجهة ضد البلاد كدولة راعية للإرهاب، لتتحول سورية مجدداً إلى محور إستراتيجي قادر على تمرير وتسهيل الاقتصاديات العالمية من خلال القنوات الاقتصادية والمالية السورية المستحدثة. ويرى الخبير الاقتصادي أن العقبات الحالية لا ترتبط بأسباب تقنية بحتة، بل هي نتاج خريطة طريق وأهداف كان يجب تحقيقها، وبما أن هذه القيود تتبع لقرارات وإرادات سياسية تمليها الملفات والتطورات الراهنة في المنطقة، فإن قرار الشطب المرتقب يجعلنا نؤكد حتماً بأن عمق الشراكة الاستثمارية القادمة سيكون في مستواه الأعلى، لا سيما في قطاع النفط والطاقة، إذ بات من مصلحة كافة الدول الإقليمية والدولية اليوم أن تكون هناك تحويلات، وتدفقات، وإمدادات مستقرة لا تقع تحت مقصلة العقوبات أو مسميات الحظر الحالية المفروضة على الواقع السوري.
إعادة بناء الثقة المصرفية
من جانبه يوضح الخبير الاقتصادي المتخصص في التخطيط الإستراتيجي وإدارة المخاطر مهند الزنبركجي لـ "العين السورية" أن رفع اسم سورية من القائمة يمثل، من الناحية القانونية والتنظيمية، تحولاً جوهرياً يعيد صياغة علاقة المؤسسات الدولية بالاقتصاد المحلي.
ويشرح الزنبركجي أبعاد هذا التغيير قائلاً: "القرار الأميركي يُحدث تحولاً بنيوياً في فلسفة العقوبات؛ إذ ينقل السوق السورية مباشرة من مرحلة الحظر الشامل بقوة القانون إلى مرحلة تقييم المخاطر الاختياري بالنسبة للمؤسسات المالية العالمية. في ظل التصنيف القديم، كان اقتراب أي بنك أو شركة من سورية محظوراً تلقائياً بموجب تشريعات صارمة، أما اليوم، فزال هذا الحظر العام وبات بإمكان الشركات دراسة الجدوى الاستثمارية وتقييم المخاطر بشكل مستقل والمضي قدماً في المعاملات".
ويضيف الزنبركجي: "التأثير المباشر والأهم من الناحية الاقتصادية، سيكون على مناخ الثقة؛ فالمستثمر الأجنبي يراقب موقع الدولة داخل النظام المالي العالمي. وإزالة صفة الدولة الراعية للإرهاب يقلص حتماً مخاطر السمعة، ويمنح الشركات الضوء الأخضر القانوني والبروتوكولي للاستثمار في البنية التحتية، الطاقة، العقارات، والاتصالات. كما سينعكس ذلك مباشرة على تحويلات المغتربين السوريين في الخارج، والتي ستتدفق بسلاسة أكبر وعبر قنوات رسمية، مما يخفض تكلفة التحويل الحادة ويشكل دعامة قوية للاستقرار المعيشي والنقدي".
نافذة تمويل جديدة
وإلى جانب تنشيط الاستثمارات الخاصة وتسهيل حركة الاستيراد والتصدير للموردين، فإن إلغاء التصنيف الأميركي يبطل مفعول "الفيتو" الأميركي التلقائي الذي كان يمنع سورية من الحصول على قروض، أو منح، أو مساعدات تقنية من المؤسسات الماليّة الدولية. وبموجب الديناميكية الجديدة، يصبح بإمكان الحكومة السورية فتح قنوات تفاوضية رسمية مع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي لطلب الدعم التنموي والتمويلات اللازمة لإصلاح السياسات النقدية والمالية للدولة وإعادة هيكلة الاقتصاد بعد عقود من العزلة.
تحديات التعافي
رغم الصدى التاريخي الكبير لهذا الإعلان، يؤكد المتخصص في إدارة المخاطر، مهند الزنبركجي أن التحول لن يحدث بين ليلة وضحاها، محذراً من كوابح هيكلية وقانونية متبقية.
ويوضح الزنبركجي: أن "القطاع المالي العالمي يتحرك ببطء شديد تجاه الأسواق الخارجة من العزلة، وسنصطدم بجدار الحذر المصرفي الدولي أو ما يُعرف بـ (الامتثال المفرط)؛ إذ تفضل كثير من البنوك التريث لشهور طويلة وإجراء مراجعات قانونية داخلية معقدة ومكلفة لتجنب أي ثغرات ترتبط بحزم العقوبات الأخرى الموازية التي ما زالت قائمة (مثل العقوبات القطاعية أو الفردية المرتبطة بحقوق الإنسان)".
ويختم الزنبركجي تحليله بالتأكيد على أن نجاح هذا الانفتاح المالي مرتبط بشكل وثيق بالبيئة الداخلية؛ قائلاً: "المصارف الدولية لن تعود بقوة إن لم تشهد تحديثاً جذرياً في أنظمة الامتثال، والشفافية، ومكافحة غسل الأموال داخل القطاع المصرفي السوري نفسه. بالتالي، فإن المرحلة المقبلة ليست مجرد فرصة سياسية، بل هي اختبار اقتصادي ومصرفي حقيقي لمدى قدرة سورية على تبني إصلاحات هيكلية، وتحسين بيئة الأعمال، وإعادة بناء ثقة مستدامة مع النظام المالي العالمي".


