سوريا - اقتصاد
بعد مسوحات الأمن الغذائي للأسر السورية.. هل ننتظر مكافحة فاعلة للبطالة والفقر؟
د. محمد كوسا يقترح خارطة طريق لمعالجة مشكلة الفقر في سوريا
ا
العين السورية ـ ناظم عيد
نشر في: ٢٦ يونيو ٢٠٢٦، ٠٨:٣٠
3 دقيقة

من المُفترض أن تنطلق يوم غد السبت 27 حزيران، عمليات مسح تقييم الأمن الغذائي الأسري في سوريا 2026 "المرحلة العاشرة"، وفق ما أعلنت هيئة التخطيط والإحصاء.
ويهدف المسح — وفقاً لبيان الهيئة — إلى توفير قواعد بيانات ومؤشرات من الخصائص الديموغرافية والاقتصادية والاجتماعية للأسر السورية، تساعد في بناء تدخلات وتحديد الاحتياجات المبنية على الأدلة لتحسين مستويات الأمن الغذائي للأسر.
التحدي الجوهري
فكيف يمكن أن تقارب الحكومة السورية هذه الإشكالية (التحدي)، في ظل شبه انهيار وصعوبات اقتصادية تعاني منها البلاد؟ وكيف يمكن التخفيف من حدّة مشكلة الفقر والبطالة في البلاد؟
في دائرة الترقب
بوصلة مشتتة
على الأرجح.. أن ثمة توافقاً قديماً على أن مشكلة سوريا ليست في نقص الموارد، بل في إدارتها، بكل ما ينطوي تحت هذا العنوان من عجز واختلالات وفساد مباشر أو غير مباشر.
لم تتصالح الحكومات السابقة في سوريا ومنذ عقود طويلة مع مراصد الاقتصاد و"متصيدي البيانات" على الإطلاق، وإن كان قد جرى الإفراج عن بعض الأرقام بين عامي 2005 و2010 بمبادرات اتخذت طابعاً ليبرالياً إلى حد ما، وحراك رشيق من عبد الله الدردري، النائب الاقتصادي لرئيس مجلس الوزراء، وقبلها رئيس هيئة تخطيط الدولة.. وجرى التركيز على ظاهرتي البطالة والفقر إحصائياً، لكن لم تتجاوز نسبة البطالة في حسابات السلطة 12 بالمئة، كما لم يتجاوز معدل الفقر بعتبته العليا 21 بالمئة وبعتبته الدنيا 5 بالمئة، أي كان 5 بالمئة من السوريين تحت خط الفقر الأدنى.
مفارقات
الهدف الأكثر إستراتيجية
بعيداً عن الارتجالات السابقة.. الآن يبدو الخيار الأهم لدى الإدارة السورية الجديدة في توجهها نحو مكافحة الفقر، هو التركيز على مكافحة البطالة، الماكينة النشطة لإنتاج متوالية طوابير الفقراء.. ومن ثم الضغط على واقع الأمن الغذائي للأسر. وحتى ندخل في مسألة تحديد خيارات حقيقية، يجب أن نوصف الواقع القائم.
مشهد متناقض

يُلفت الخبير الاقتصادي الدكتور محمد كوسا، إلى أن الاقتصاد السوري في 2026 يقف أمام مفارقة حادة.
فمن جهة هناك انفتاح سياسي واقتصادي غير مسبوق منذ 2011، مع رفع واسع للعقوبات الغربية وإلغاء قانون قيصر مع نهاية 2025، والعودة التدريجية إلى النظام المالي الدولي وSWIFT.
لكن في المقابل، ما تزال غالبية السوريين تعيش تحت ضغط الفقر المدقع.
الأرقام برأي د. كوسا في حديثه لـ "العين السورية"، ترسم صورة قاتمة:
· فهناك 9 من كل 10 سوريين يعيشون تحت خط الفقر.
· و66% في فقر مدقع، أي أكثر من ربع القادرين على العمل عاطلون عن العمل.
· وقد تضاعف معدل الفقر ثلاث مرات منذ ما قبل الحرب (من 33% إلى 90%)، وتضاعف الفقر المدقع ستة أضعاف (من 11% إلى 66%).
· أكثر من 16.5 مليون سوري يحتاجون إلى مساعدة إنسانية، و3 ملايين يعانون انعدام أمن غذائي حاد.
أثر عميق
ويرى الخبير الاقتصادي جوهر الأزمة، في أن الفقر لم يعد مجرد نقص في الدخل، بل تحول إلى غياب الأمن الغذائي والصحي والتعليمي والاستقرار، وأصبح بنية متكاملة تعيد تشكيل حياة الأفراد وخياراتهم اليومية.
بعد أن تضاعفت البطالة ثلاث مرات، وأصبحت الشهادات الجامعية "بلا قيمة" في سوق العمل؛ إذ أصبحت "المهنة" هي العامل الحاسم في سوق العمل.
وما بين 40-50% من السوريين هم مستأجرون لا يملكون مسكناً.
كما أن الطبقة الوسطى التي كانت قاعدة الاستقرار والإنتاج.. اختفت، وتحول المواطنون من السعي لتحسين مستوى المعيشة إلى البحث عن البقاء اليومي.
خيارات مكافحة الفقر
هنا نصل إلى الخيارات المتاحة أو التي لا بد من إتاحتها، لمكافحة الفقر في سوريا، الذي تراكمت مؤشراته ووقائعه على مدى سنوات طويلة.. فما هي هذه الخيارات؟
الخيار الأول – برأي الدكتور محمد كوسا – يتمثّل بخطة وسعي عملي لعودة الإنتاج.
خطة تركز على التحول إلى "اقتصاد دخل وإنتاج"، عبر ربط الحماية الاجتماعية بالتشغيل. وتهدف أولاً إلى خفض معدلات الفقر المدقع إلى أقل من 10%، وبناء طبقة وسطى منتجة. لكن هنا يتوقف الرهان على توفر التمويل والاستقرار.
الخيار الثاني – الذي يقترحه الخبير الاقتصادي – فيتمثّل بتشغيل كثيف للعمالة في إعادة الإعمار.
أي استغلال الطلب الهائل الكامن (تكلفة إعادة الإعمار تقدر بنحو 216 مليار دولار) لتوفير فرص عمل مباشرة، مع التركيز على الزراعة (تحقيق الأمن الغذائي) والبنية التحتية. أيضاً يتوقف الرهان هنا على جذب الاستثمارات رغم ضعف الثقة المؤسسية.
الخيار الثالث – الذي يراه د. كوسا – هو استثمار رأس المال البشري والعائدين (من أصل ملايين النازحين لم يعد منهم أكثر من 200 ألف).
لذلك يجب استغلال عودة السوريين المهرة (مستثمرين ورواد أعمال ومثقفين)، وإعادة تأهيل التعليم والصحة. يبقى الرهان هنا على تحويل هجرة العقول إلى عودة إنتاجية.
بناء الثقة
دائماً في الاقتصاد نقول: بدون بناء ثقة بين الدولة والمجتمع، وبدون معالجة جذور المشكلة، ستبقى أي خطة اقتصادية معلقة في الهواء.
فسوريا اليوم – برأي الخبير كوسا - تملك نافذة فرص غير مسبوقة، مع انفتاح دولي وتخفيف عقوبات وعودة عربية، لكنها تواجه فقراً هيكلياً لا يمكن معالجته بمساعدات أو زيادة رواتب. فالمطلوب تحول جذري من إدارة الأزمات إلى إدارة التعافي، مع إدراك أن مكافحة الفقر في سوريا 2026 ليست مجرد برنامج اقتصادي... بل إعادة بناء دولة ومجتمع.


