في حقول درعا، تنضج البندورة بينما تتراكم الخسائر في حسابات المزارعين، فالمحصول الوفير لا يضمن موسماً ناجحاً حين ينخفض سعر البيع إلى أقل من نصف كلفة الإنتاج، ويجد الفلاح نفسه أمام خيارين قاسيين: البيع بخسارة أو انتظار مشترٍ قد يتأخر حتى تتلف الثمار.
ومن إنخل إلى صيدا وخربة غزالة، تتكرر مخاوف المنتجين من ضياع عائد الموسم بين ارتفاع نفقات الزراعة ومحدودية منافذ التسويق. فالبندورة لا تحتمل التخزين طويلاً، وتكاليف القطاف والتعبئة والنقل تستمر حتى عندما تهبط الأسعار.
محصول البندورة في أحد الحقول الزراعية بريف درعا، تزامناً مع موسم الحصاد - خاص (العين السورية)وبين وفرة الإنتاج وضيق الأسواق، تتقدم مطالب بتصدير الفائض وإعادة تشغيل منشآت التصنيع الغذائي، لتصبح قضية الموسم مرتبطة بقدرة المزارع على تصريف محصوله واسترداد نفقاته، قبل التفكير في الربح.
315 ألف طن.. ومساحات تتجاوز الخطة
أوضح مدير الزراعة في درعا، المهندس عاهد الزعبي، في تصريح خاص لـ«العين السورية»، أن:
❝إنتاج البندورة في المحافظة قُدّر بنحو 315 ألف طن، فيما بلغت المساحة المزروعة بالعروة الصيفية الرئيسية 3150 هكتاراً، مقابل مساحة مخططة قدرها 2113 هكتاراً، بزيادة تبلغ 1037 هكتاراً.❞
ويطرح هذا التوسع سؤالاً عن قدرة الأسواق على استيعاب الإنتاج، ولا سيما مع تقارب مواعيد نضج المحصول وتدفق كميات كبيرة خلال فترة قصيرة.
ويعزو رئيس دائرة دعم الإنتاج الزراعي في مديرية زراعة درعا، المهندس رشيد المفعلاني، جانباً من الأزمة إلى عدم التزام المزارعين بالخطة الزراعية، والتوسع في زراعة البندورة بمساحات تتجاوز المخطط، بالتزامن مع ارتفاع أسعار الأسمدة والمبيدات ومستلزمات الإنتاج.
وهكذا يتزامن فائض المعروض مع ارتفاع الكلفة، ليواجه المزارع نفقات يصعب خفضها وسعر بيع لا يملك تحديده.
الكيلو بـ15 ليرة.. ويُباع بـ5 إلى 7
بحسب المفعلاني، تبلغ كلفة إنتاج الكيلوغرام الواحد نحو 15 ليرة سورية جديدة، بينما يُباع في بعض الحالات بسعر يتراوح بين 5 و7 ليرة، ما يعني خسارة تتراوح بين 8 وألف ليرة للكيلوغرام، وفق هذه التقديرات. صناديق مملوءة بمحصول البندورة بعد قطافها من أحد الحقول الزراعية في ريف درعا، تزامناً مع موسم الحصاد - خاص (العين السورية)
ولتوضيح الفجوة، فإن بيع عشرة أطنان بسعر 7 ليرة للكيلوغرام، مقابل كلفة إنتاج تبلغ 15 ليرة، يعني خسارة حسابية قدرها ثمانية ملايين ليرة سورية. وهو مثال تقديري يتغير تبعاً للكلفة الفعلية وسعر البيع لدى كل مزارع.
وتتجاوز آثار هذه الفجوة خسارة عائد الموسم، لتطال رأس المال الذي يحتاج إليه الفلاح لتجهيز أرضه وزراعتها مجدداً.
مطالب بالتصدير وتشغيل كونسروة المزيريب
يضع رئيس اتحاد الفلاحين في درعا، المهندس "فؤاد الحريري"، التسويق وتصدير فائض الإنتاج في مقدمة المطالب الزراعية بالمحافظة، مشدداً على ضرورة إيجاد أسواق لتصريف المنتجات، في ظل ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة وشح الأسمدة والمحروقات.
ودعا الحريري إلى إعادة تشغيل معمل كونسروة المزيريب، وتفعيل دور الجهات والمؤسسات المعنية بتصدير المنتجات الزراعية، بما يساعد على استيعاب كميات أكبر وتخفيف الأعباء عن المزارعين.
وتكتسب هذه المطالب أهمية خاصة في موسم البندورة، إذ ترتبط قيمة المحصول بسرعة تصريفه قبل التلف، سواء عبر أسواق المنتجات الطازجة أو منشآت التصنيع الغذائي.
المزارعون: ننتج ولا نسترد الكلفة
في إنخل، يصف المزارع وائل خالد المطلق لـ«العين السورية» معاناة الإنفاق طوال الموسم، ثم مواجهة أسعار لا تغطي النفقات عند البيع، قائلاً:
❝«المشكلة اليوم ليست في أننا لا ننتج البندورة، بل في أننا ننتجها ونتعب عليها، ثم لا نجد سوقاً تشتريها بسعر يغطي تكلفتها».❞
فالمزارع يدفع ثمن البذار والأسمدة والمبيدات والري والعمال، وينتظر الموسم حتى يسترد ما أنفقه، لكنه يفاجأ بانخفاض السعر إلى مستوى لا يغطي المصروف».
وتبدأ هذه النفقات بتجهيز الأرض وتأمين البذار، مروراً بالري والتسميد ومكافحة الآفات، وصولاً إلى القطاف والتعبئة والنقل، قبل أن يعرف المزارع السعر النهائي الذي سيحصل عليه.
بدوره، يشير المزارع محمد عواد غوجان إلى أن البندورة لا تحتمل التأخير في القطاف والتسويق، لأن تركها في الحقول أو تأخير بيعها يعرضها للتلف ويضاعف الخسائر.
ويقول: «نحن لا نطلب سعراً مبالغاً فيه، بل نريد سوقاً مستقرة، ومنافذ تسويق واضحة، وفتح أسواق خارجية عندما يتجاوز الإنتاج حاجة السوق المحلية».
وأمام ضيق الوقت، يضطر مزارعون إلى البيع بأقل من الكلفة لتقليص الخسارة وتجنب تلف المحصول بالكامل.
العراق والأردن.. خيار يحتاج إلى جدوى
يبرز التصدير إلى العراق والأردن بوصفه أحد الخيارات المطروحة لتوسيع أسواق بندورة درعا، وتخفيف الضغط عن السوق المحلية خلال ذروة الموسم.
ويمنح القرب الجغرافي للبلدين فرصة محتملة لتسويق المحصول، لكن الاستفادة منها ترتبط بوجود طلب فعلي، وأسعار مناسبة، وشروط نقل وتجارة تتيح بقاء عائد مجدٍ للمزارع.
فالتصدير لا يضمن تلقائياً سعراً أفضل؛ إذ تتوقف جدواه على تكاليف الشحن والتوضيب، ومتطلبات الجودة، والإجراءات التجارية والحدودية، وحجم الكميات التي يمكن تصريفها بانتظام.
ولذلك، يحتاج هذا المسار إلى تنسيق بين الجهات المعنية والمصدرين والتجار، ومعلومات واضحة عن الطلب والأسعار وشروط دخول المنتجات، قبل التعويل عليه في معالجة الفائض أو التخطيط للمواسم المقبلة.
كما يمكن أن تنعكس حركة التصدير، متى توافرت جدواها، على أعمال الفرز والتعبئة والتبريد والنقل والتجارة، وهي أنشطة تتأثر بدورها بتعثر تسويق المحصول.
التصنيع لاستيعاب جزء من الفائض
إلى جانب التصدير، يمكن لمعامل الكونسروة وصناعة دبس البندورة والكاتشب استيعاب جزء من الإنتاج، وتحويله إلى منتجات قابلة للتخزين والتسويق لفترات أطول.
لكن فاعلية هذا الخيار ترتبط بالطاقة الإنتاجية المتاحة، واستمرار تشغيل المنشآت، وتوافر مستلزمات العمل، وأسعار شراء تساعد المزارع على تقليل خسائره.
صناديق مملوءة بمحصول البندورة بعد قطافها من أحد الحقول الزراعية في ريف درعا، تزامناً مع موسم الحصاد - خاص (العين السورية)
وتبقى الأسواق المحلية في درعا ودمشق والمحافظات الأخرى منفذاً أساسياً، إلا أن قدرتها على استيعاب المحصول تحتاج إلى أن تُقرأ إلى جانب فرص التصنيع والتصدير، ضمن خطة تسويق تبدأ قبل القطاف.
ويتطلب ذلك تقديراً مبكراً للمساحات والكميات المتوقعة وحجم الطلب، وتوفير معلومات تساعد المزارع على اتخاذ قراره قبل أن ينفق أمواله وجهده في الأرض، مع تحسين النقل والتوضيب وتقليل الهدر.
موسم لا تُقاس نتيجته بحجم المحصول وحده
تكشف أزمة بندورة درعا فجوة بين القدرة على الإنتاج والقدرة على التسويق. فخلف كل صندوق ينتظر المشتري نفقات دُفعت وأشهر من العمل، وقد تعني الخسارة عجز مزارع عن تمويل موسمه المقبل أو اضطراره إلى تقليص المساحة المزروعة.
وتبدأ المعالجة بربط الإنتاج بالطلب، وتوفير منافذ تصريف قابلة للعمل، وتوزيع المحصول بين الاستهلاك المحلي والتصنيع والتصدير وفق الجدوى، فالنجاح الحقيقي للموسم يُقاس أيضاً بما يعود إلى المزارع من عائد يحفظ استمراره، ويمنحه القدرة على العودة إلى أرضه.