سوريا - اقتصاد
الدولار يرتفع نحو 28% منذ بداية العام.. لماذا تستمر الضغوط على الليرة السورية؟
صدمات الطاقة وتحديات إدارة السيولة والاعتماد على المستوردات.. عوامل تتداخل مع التوترات الإقليمية في زيادة الضغوط على الليرة السورية.
ه
هبة الكل
نشر في: ١٣ أكتوبر ٢٠٢٦، ١١:٣٦
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

العين السورية - خاص
تواجه الليرة السورية ضغوطاً منذ مطلع عام 2026، في ظل تداخل عوامل اقتصادية ومالية داخلية وسط مخاطر مرتبطة بالتوترات الإقليمية، وبحسب بيانات سعر الصرف في السوق الموازية، ارتفع سعر بيع الدولار من أدنى مستوى مسجل مطلع العام، عند 111.5 ليرة سورية جديدة، إلى 142.25 ليرة في 12 أكتوبر/تشرين الأول، بزيادة تقارب 27.6%. وكان الدولار قد تجاوز 145.5 ليرة في منتصف يوليو/تموز، قبل أن يتراجع نسبياً.
وفي المقابل، استقر السعر الرسمي للدولار 122.50 ليرة في 12 أكتوبر منذ حوالي ثلاثة أشهر وفق بيانات المركزي السوري، ما أبقى الفجوة بين السعرين عند نحو 16.1%، وتعكس هذه الأرقام تقلبات في سوق الصرف، فيما تتباين تفسيرات الخبراء لأسبابها بين ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، ومحدودية توليد القطع الأجنبي، والتحديات المرتبطة بإدارة السيولة والتحويلات المالية، إلى جانب المخاطر الناجمة عن اضطراب التجارة الإقليمية.
صدمات الطاقة وتكاليف الإنتاج
وفي المقابل، استقر السعر الرسمي للدولار 122.50 ليرة في 12 أكتوبر منذ حوالي ثلاثة أشهر وفق بيانات المركزي السوري، ما أبقى الفجوة بين السعرين عند نحو 16.1%، وتعكس هذه الأرقام تقلبات في سوق الصرف، فيما تتباين تفسيرات الخبراء لأسبابها بين ارتفاع تكاليف الطاقة والإنتاج، ومحدودية توليد القطع الأجنبي، والتحديات المرتبطة بإدارة السيولة والتحويلات المالية، إلى جانب المخاطر الناجمة عن اضطراب التجارة الإقليمية.
صدمات الطاقة وتكاليف الإنتاج
يمثل ارتفاع أسعار المشتقات النفطية بنسب تراوحت بين 25% و40% مؤخراً، أحد العوامل الضاغطة على الليرة السورية من وجهة نظر الخبير الاقتصادي يونس الكريم، نظراً لانعكاسه المباشر على كلف النقل، والشحن، والتخزين، والكهرباء المستخدمة في الإنتاج، مشيراً إلى أن اعتماد الأسواق السورية على مستوردات الطاقة والسلع بنسب كبيرة، يؤدي إلى ارتفاع تكاليف التشغيل والاستيراد وبالتالي زيادة الطلب على الدولار، لتغطية فواتير التوريد.
ولا تقتصر آثار ارتفاع أسعار المحروقات، بحسب الخبير الكريم، على كلفة المعيشة، بل تمتد إلى قدرة المنشآت المحلية على الإنتاج والاستمرار، فقد تدفع تكاليف التشغيل المرتفعة بعض المنشآت إلى تقليص نشاطها أو التوقف عنه، ما يُضعف الإنتاج المحلي ويُعمق الارتهان للاستيراد.
إشكالية السياسة النقدية
ولا تقتصر آثار ارتفاع أسعار المحروقات، بحسب الخبير الكريم، على كلفة المعيشة، بل تمتد إلى قدرة المنشآت المحلية على الإنتاج والاستمرار، فقد تدفع تكاليف التشغيل المرتفعة بعض المنشآت إلى تقليص نشاطها أو التوقف عنه، ما يُضعف الإنتاج المحلي ويُعمق الارتهان للاستيراد.
إشكالية السياسة النقدية
إلى جانب أزمة الطاقة، يعزو الكريم جانباً من تدهور الليرة إلى اختلالات إدارة السيولة لدى المصرف المركزي والقطاع المصرفي، تتمثل فيما يصفه بأنه قصور في آليات إدارة السيولة، وتسهيل المدفوعات الخارجية، ما يحرم المستوردين من تلبية احتياجاتهم، في حين لم تحقق عملية استبدال العملة أهدافها في إتاحة سيولة متوازنة بالليرة داخل السوق.
ويشير الكريم إلى عامل الثقة وفجوة الصرف، إذ أذكت التساؤلات المعلقة حول نظام سويفت والخدمات الإلكترونية حالة من التشكيك لدى المتعاملين والشركات، ومع اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، يبين أن التجار والأفراد يتجهون نحو الاحتفاظ بالدولار واكتنازه كمرجع رئيسي للتسعير، داعياً إلى تنسيق ميداني وشفاف بين المصرف المركزي ووزارة المالية لإدارة تمويل العجز ودعم الإنتاج، بدلاً من الاعتماد على القرارات النقدية المنفردة.
فجوة الموارد
ويشير الكريم إلى عامل الثقة وفجوة الصرف، إذ أذكت التساؤلات المعلقة حول نظام سويفت والخدمات الإلكترونية حالة من التشكيك لدى المتعاملين والشركات، ومع اتساع الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، يبين أن التجار والأفراد يتجهون نحو الاحتفاظ بالدولار واكتنازه كمرجع رئيسي للتسعير، داعياً إلى تنسيق ميداني وشفاف بين المصرف المركزي ووزارة المالية لإدارة تمويل العجز ودعم الإنتاج، بدلاً من الاعتماد على القرارات النقدية المنفردة.
فجوة الموارد
في المقابل، يقدم الباحث الاقتصادي الدكتور جاسم العقلة قراءة بنيوية للمشهد، مؤكداً أن تجاوز سعر الصرف مستوياته الحالية ليس تقصيراً إدارياً عابراً، بل مرآة تُعرّي الخلل الهيكلي للاقتصاد السوري.
ويدلل العقلة بأن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة العميقة بين اقتصاد يستنزف القطع الأجنبي باستمرار لتأمين احتياجاته الأساسية، واقتصاد عاجز عن توليده عبر الإنتاج والصادرات والتدفقات المالية المستقرة، مبيناً أن في ضعف القاعدة الإنتاجية وتآكل الاحتياطي النقدي، يتحول الدولار من مجرد وسيلة للتبادل إلى أداة لحفظ الثروة وحماية القيمة، متأثراً بموجات المضاربة وتوقعات التضخم المتصاعدة.
قيود خارجية وصدمات جيوسياسية
ويدلل العقلة بأن المشكلة الأساسية تكمن في الفجوة العميقة بين اقتصاد يستنزف القطع الأجنبي باستمرار لتأمين احتياجاته الأساسية، واقتصاد عاجز عن توليده عبر الإنتاج والصادرات والتدفقات المالية المستقرة، مبيناً أن في ضعف القاعدة الإنتاجية وتآكل الاحتياطي النقدي، يتحول الدولار من مجرد وسيلة للتبادل إلى أداة لحفظ الثروة وحماية القيمة، متأثراً بموجات المضاربة وتوقعات التضخم المتصاعدة.
قيود خارجية وصدمات جيوسياسية
تتقاطع الأزمات الداخلية مع عقبات خارجية وتوترات إقليمية تُضاعف كلفة الحصول على القطع الأجنبي، وعليه يركز الخبير الاقتصادي يونس الكريم على العقبات الإجرائية والمصرفية للسياسة المالية، موضحاً أن عزلة القطاع المصرفي وصعوبة الوصول إلى شبكة المدفوعات الدولية سويفت يُعقدان تسوية الاعتمادات والتحويلات الخارجية.
وأمام هذا الانسداد التنظيمي، ينوه الكريم أن المستوردين يجدون أنفسهم مضطرين للجوء إلى شبكات واسعة من الوسطاء واعتماد مسارات مالية بديلة، ما يرفع عمولات المعاملات، ويُضاعف حجم الطلب على السيولة الأجنبية.
وفي هذا السياق، يتوقف المحلل السياسي الدكتور عزيز موسى عند تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية واضطرابات الخليج العربي والبحر الأحمر، مؤكداً أنها تشكل مُحفّزاً ومُضخّماً لأزمة الصرف وليست سببها الجذري، إذ يبقى سعر الصرف مرهوناً بالتطورات الإقليمية والداخلية وانعكاساتها المعقدة على سلاسل الإمداد، ما يُعمّق الضغوط التضخمية على الاقتصاد السوري.
ويوضح موسى أن أثر هذه التوترات الإقليمية يتسلل إلى المشهد الاقتصادي المحلي عبر ثلاث قنوات رئيسية، تتمثل الأولى في الاستثمار والتمويل، من خلال تجميد رؤوس الأموال وتأجيل المشروعات الخليجية والأجنبية المرتقبة لإعادة الإعمار.
وفي هذا السياق، يتوقف المحلل السياسي الدكتور عزيز موسى عند تداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية واضطرابات الخليج العربي والبحر الأحمر، مؤكداً أنها تشكل مُحفّزاً ومُضخّماً لأزمة الصرف وليست سببها الجذري، إذ يبقى سعر الصرف مرهوناً بالتطورات الإقليمية والداخلية وانعكاساتها المعقدة على سلاسل الإمداد، ما يُعمّق الضغوط التضخمية على الاقتصاد السوري.
ويوضح موسى أن أثر هذه التوترات الإقليمية يتسلل إلى المشهد الاقتصادي المحلي عبر ثلاث قنوات رئيسية، تتمثل الأولى في الاستثمار والتمويل، من خلال تجميد رؤوس الأموال وتأجيل المشروعات الخليجية والأجنبية المرتقبة لإعادة الإعمار.
والثانية في ارتفاع الكلف التشغيلية، عبر القفزات الحادة في أجور الشحن والتأمين البحري، والتي تُثقل كاهل بلد يعتمد أساساً على الاستيراد لتأمين معظمه احتياجاته.
أما القناة الثالثة فتتعلق بالعامل النفسي وسلوك المتعاملين، حيث تجعل محدودية الاحتياطيات النقدية وشح السيولة سوق الصرف أكثر حساسية للشائعات، فضلاً عن مشكلات تتعلق بسقف سحب السيولة والعمل ضمن السوق الموازية من قبل منصات لاكتساب الأرباح، وفي ظل استمرار هذه الاختلالات البنيوية يرجح موسى ملامسة الدولار سقف الـ 200 ليرة جديدة في المستقبل.
تجاذبات سياسية
تجاذبات سياسية
وحول التطورات الجيوسياسية لا سيما واتفاق مكة للدفاع المشترك والتقارب السعودي الباكستاني التركي، يعتقد الدكتور موسى أن هذه التفاهمات قد تنعكس إيجاباً على سوريا أمام آليات تعاون مشتركة، عبر التوافق السعودي التركي على ضرورة دعم استقرار سوريا وتعافيها، غير أنه يشدد على أن الجانب الاقتصادي يبقى مرهوناً بتطورات الحرب في المنطقة واتساع ساحات المعارك وانعكاساتها على الأمن الإقليمي والاقتصاد الدولي، وحجم الدعم المقدم لسوريا، إلى جانب وجود بنية تنظيمية وحوكمة إدارية في المؤسسات السورية قادرة على استثمار الفرص بشكل حقيقي.
أما بالنسبة إلى تركيا، فيصفها موسى بالشريك التجاري والمورّد الرئيسي لسوريا، لكنه يحذر من زيادة حجم المستوردات منها دون بناء قاعدة صناعية محلية موازية سيزيد الضغط على ميزان المدفوعات والطلب على الدولار.
ما الذي يتطلبه استقرار الليرة؟
أما بالنسبة إلى تركيا، فيصفها موسى بالشريك التجاري والمورّد الرئيسي لسوريا، لكنه يحذر من زيادة حجم المستوردات منها دون بناء قاعدة صناعية محلية موازية سيزيد الضغط على ميزان المدفوعات والطلب على الدولار.
ما الذي يتطلبه استقرار الليرة؟
يخلص الخبراء إلى أن احتواء التدهور واستعادة الثقة بالليرة، يستدعيان سياسات متكاملة تتجاوز التدخلات المحدودة في سوق القطع، وذلك عبر تأمين انسيابي للمحروقات وتسهيل التحويلات المالية والتجارية، وإصلاح أدوات السياسة النقدية وتفعيل دور القطاع المصرفي في ضخ السيولة الشفافة، إلى جانب تحقيق تنسيق عملي بين السياسات المالية والنقدية لتغطية العجز الحكومي بطرق صحيحة، ودعم القاعدة الإنتاجية والصناعية المحلية وتقليص الاعتماد على المستوردات، لتوليد القطع الأجنبي بصورة مستدامة.


