سوريا - اقتصاد
أكثر من 10 آلاف شركة جديدة تُسجل في سوريا.. هل هو مؤشر مشجع أم بداية تعافٍ؟
ا
العين السورية – منير الرفاعي
نشر في: ٤ أغسطس ٢٠٢٦، ١١:٢٥
الوقت المتوقع للقراءة: 3 دقيقة

سجّلت سوريا خلال النصف الأول من عام 2026 أكثر من 10 آلاف شركة جديدة، في أرقام وصفتها وزارة الاقتصاد والصناعة بأنها الأعلى مقارنة بالفترة نفسها من العامين السابقين، ما يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول طبيعة هذا الارتفاع: هل يعكس تحسناً حقيقياً في بيئة الأعمال، أم أنه مرتبط بتسهيلات إدارية وتسوية أوضاع سابقة؟
وفقاً للبيانات الصادرة عن مديرية الشركات، بلغ عدد السجلات التجارية الفردية 7619 سجلاً، إلى جانب 713 شركة تضامنية، و2087 شركة محدودة المسؤولية، و46 شركة مساهمة، و56 شركة توصية. وأكدت الوزارة أن هذه الأرقام تفوق ما سُجّل في النصف الأول من العامين السابقين.
مؤشر إيجابي
ويرى الخبير الاقتصادي والمستشار الاستثماري الدكتور خالد الحمدي أن هذا الارتفاع «مؤشر إيجابي»، لكنه لا يكفي وحده للحكم على تحسن بيئة الاستثمار. ويوضح أن الارتفاع ناتج عن تداخل عدة عوامل، أبرزها تحسن نسبي في الثقة بالسوق، وتبسيط إجراءات التسجيل، ورغبة أصحاب الأعمال في الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى المنظم، إضافة إلى استعداد بعض المستثمرين لمرحلة إعادة الإعمار.
ويضيف الحمدي أن التحسن الحقيقي لا يُقاس بعدد الشركات المسجلة فقط، بل بنسبة الشركات التي تستمر في الإنتاج والاستثمار بعد عام أو عامين، وحجم رؤوس الأموال المستثمرة، وفرص العمل التي تولّدها. ويشير إلى أن الارتفاع الكبير في السجلات التجارية الفردية يعكس استمرار الاعتماد على المشاريع الصغيرة والمتناهية الصغر، وتفضيل المستثمرين البدء برؤوس أموال محدودة لتقليل المخاطر، فيما لا يزال تأسيس الشركات المساهمة والكبيرة يواجه تحديات تتعلق بالتمويل والاستقرار التشريعي.
ويتوقع الخبير أن تتركز معظم الشركات الجديدة في قطاعات التجارة العامة والاستيراد والتوزيع، والخدمات الرقمية والتقنية، والنقل واللوجستيات، والصناعات الغذائية، والمقاولات ومواد البناء، والخدمات الطبية والتعليمية الخاصة، إضافة إلى المشاريع الزراعية المرتبطة بالأمن الغذائي.
التحديات الحقيقية
غير أن التسجيل، كما يؤكد الحمدي، مجرد الخطوة الأولى. فالتحديات الحقيقية التي تواجه هذه الشركات تشمل صعوبة الحصول على التمويل، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وتقلبات سعر الصرف، وضعف البنية التحتية، ومحدودية الأسواق التصديرية، والمنافسة مع الاقتصاد غير المنظم، والحاجة إلى استقرار تشريعي وضريبي طويل الأمد.
ولتحويل هذه الزيادة الكمية إلى نمو اقتصادي حقيقي وخلق فرص عمل مستدامة، يقترح الحمدي تسهيل التمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير حوافز ضريبية للإنتاج والتصدير، وإنشاء مناطق صناعية ولوجستية متطورة، ودعم الابتكار وريادة الأعمال، وربط الشركات الجديدة بسلاسل القيمة المحلية والعالمية، مع التركيز على القطاعات الإنتاجية لا التجارية فقط.
من التسجيل إلى النجاح
أما عن استمرارية هذه الوتيرة في النصف الثاني من العام، فيرى أن ذلك ممكن إذا استمرت الإصلاحات الاقتصادية والإدارية وتحسن الاستقرار، لكن الاستدامة تتطلب الانتقال من «سياسة تسجيل الشركات» إلى «سياسة نجاح الشركات». ويختتم قائلاً: «القيمة الحقيقية ليست في عدد الرخص الصادرة، بل في عدد الشركات التي تستمر، وتنتج، وتصدر، وتخلق وظائف. النجاح الاقتصادي يُقاس بالشركات التي تعمل وتنتج، لا بالشركات التي تُسجل فقط».
في المحصلة، يشكّل تسجيل أكثر من عشرة آلاف شركة خلال ستة أشهر إشارة مشجعة على تنامي النشاط الاقتصادي في سوريا، لكنه يظل مؤشراً أولياً يحتاج إلى متابعة دقيقة على أرض الواقع. فالتعافي الحقيقي يبدأ عندما تتحول هذه الأرقام إلى استثمارات منتجة وفرص عمل مستدامة، لا عندما تتوقف عند قوائم التسجيل.


